علي الرواحي -
تصدّر مصطلح النمو الاقتصادي منذ نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتحديدا بعد ما عُرف بالكساد العظيم في عام 1930م، عناوين التقارير العالمية والخطط الحكومية للدول في كل العالم، وأصبح الغاية التي يسعى الجميع لتحقيقها، والوصول إليها، والتنافس لتجاوزها. وفي عام 1968م خرج الطلاب في المظاهرات الشهيرة في فرنسا رافعين شعارات احتجاجية حول مخاوف الوقوع في فخ النمو الاقتصادي التي تصل للحب الأعمى، الذي لا يطرح أسئلة حول آثاره ونتائجه المختلفة، بما فيها النتائج الاستهلاكية اللامتناهية. وما بين الزمنين، ترسخ بأن النمو الاقتصادي Economic Growth هو المؤشر الذي تقاس به إدارة الدولة للشؤون العامة وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي، المرتبط بمعيشة الأفراد، ومداخيلهم، وكيفية توزيع الثروات فيما بينهم. وبالرغم من ذلك، يُعد النمو «عملية بيولوجية طبيعية» لا يمكن أن تتوقف، سواء على المستويات الفردية أو الجماعية، أو حتى على المستويات الدولية والعالمية. غير أن الآثار التي خلفها كانت كفيلة بإعادة النظر فيه، وفي مقاييسه، وفي التركة التي خلفها وراءه.
ولكن في خضم ذلك، لم يكن الطريق أحاديا أو معتمدا على جهود مفكرين معينين، بل تضافرت في سبيل ذلك الكثير من الأبحاث والمساهمات التي جعلته في البدء يسلك طرقا مختلفة، ومناهج متعددة؛ حيث تشير الأدبيات في هذا الجانب، إلى أن التاريخ الرسمي من وجهة النظر الأمريكية قد بدأت مع الاقتصادي سيمون كوزنتس Simon Kuznets في ثلاثينيات القرن العشرين، بينما بدأت بحسب الطريقة البريطانية بالاقتصاديين كولن كلارك، وريتشارد ستون، وجيمس ميد، وجون ماينارد كينز، الذين رأوا بأن السياسة وتقلباتها تدخل في صميم الدخل القومي، وبأنه من الضروري فهمه في هذا الأفق. الأمر الذي جعل بعض الاقتصاديين يصفون مؤشر الناتج المحلي الإجمالي GDP على أنه «أقوى مؤشر إحصائي في تاريخ البشرية».
ترافق ذلك مع تزايد الاهتمام وصعود العلوم الرياضية، والإحصائية تحديدا، وقدرتها على تشكيل صورة أوسع عن الأنشطة البشرية، والعناصر الطبيعية، وضرورة وضعها ضمن أطر قياسية تضمن معرفتها وقياس نتائجها وآثارها المختلفة.
ففي كتابه الصادر عام 2024م، عن «النمو: تاريخ وحساب» Growth A History and a Reckoning يتناول الباحث الاقتصادي دانيال سسكيند Daniel Susskind، تاريخ هذا المصطلح، ومنعرجاته التي لحقت به، والوعود التي سعى لتحقيقها، والتي كان أهمها تحسين الحياة البشرية، والإدارة الجيدة للموارد الطبيعية والبشرية على حد ٍ سواء، وتقليص نسبة البطالة والفقر، والتخفيف من الأمراض، وإطالة صحة وعمر الفرد في الكثير من المجتمعات، لاسيما المجتمعات التي وضعت العلم والمعرفة بوصفها قاطرة المجتمعات، وأساس حركتها، وغيرها من الوعود التي سعت الدول لتحقيقها على أرض الواقع.
وبالرغم من أن الكثير من هذه الوعود قد تحققت كما يمكن ملاحظة ذلك في الكثير منها، إلا أنها لم تكن بلا مخاطر، أو بدون ثمن يدفعه الإنسان في سبيل القيام بهذه المهام الضرورية، منها كما يقول «سسكيند» ظهور فوارق هائلة بين من حالفهم الحظ بالتمتع بهذا الازدهار المادي ومن لم يحالفهم الحظ، وظهور تقنيات لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بإمكاننا السيطرة بشكل كامل على عواقبها المدمرة على العمل والسياسة، وتدهور الثقافات المحلية والمجتمعات المزدهرة(ص90).
تتمثل هذه الأثمان بحسب سسكيند في جانبين، وهما:
1) التغير المناخي: حيث أصبح حديث وسائل الإعلام والمؤتمرات والبحوث التجريبية التي تقيس ارتفاع درجات الحرارة في العالم مقارنة بالسنوات والعقود الماضية، وتأثير ذلك على البيئة، وعواقبها المختلفة على حياة الإنسان في هذا الكوكب.
2) تزايد عدم المساواة في العالم: تشير هذه المسألة تحديدًا بعيدًا عن الجانب الإحصائي، إلى الجانب التوزيعي الذي لا ينظر للفرد على أنه مجرد رقم في حسابات الدخل القومي، بل في آليات توزيع هذه الموارد والثروات بين أفراد الدولة الواحدة.
النمو الاقتصادي وتفاقم عدم المساواة:
في التقرير الأخير لعام 2026م، حول حالة عدم المساواة في العالم، الصادر عن مؤسسة WIR 2026، يذهب التقرير إلى أن عدم المساواة تزايدت في السنوات الأخيرة بين الشعوب داخل الدولة الواحدة، وبين الدول على المستوى العالمي، حيث يكسب 10% فقط من الأفراد ما يعادل دخل 90% من السكان مجتمعين، وهذا المعدل ليس جديدًا، فهو يشير إلى تسارعها ونموها على المستوى العالمي منذ فترة طويلة. الأمر الذي يهدد بقية سكان الكوكب على الدخول في حياة مستقرة وجيدة في ظل ارتفاع الأسعار المقلق، والاضطرابات التي تعيشها الكثير من الدول في السنوات الأخيرة.
بالإضافة لذلك، ساهم التغير المناخي في تعميق هذه الفجوة، حيث يرصد التقرير بأن «نصف سكان الأرض لا ينتجون سوى 3% من انبعاثات الكربون المرتبطة بملكية رأس المال الخاص، في حين يُنتج أعلى 10% من السكان نحو 77% من هذه الانبعاثات، بينما أغنى 1% فقط ينتجون 41% من هذه الانبعاثات»، وهو ما ينعكس على السكان الأكثر فقرًا في العالم، والدول ذات الدخل المنخفض، الذي يعتبرون الأكثر تعرضًا للتهديدات المناخية، ولا يمتلكون الموارد الكافية لمواجهتها.
لا تقتصر عدم المساواة على توزيع الثروات أو تفاقم التغير المناخي فقط، بل كان لها آثار مختلفة على المساواة بين الجنسين من جهة، والمساواة بين الأقاليم من الجهة الأخرى. وبحسب التقرير فإن التباينات صارخة وعميقة بين الأقاليم في العالم من حيث متوسط الدخل، وجودة الخدمات والحياة بشكل ٍ عام بما فيها الصحة والتعليم والعمل.
النمو الاقتصادي والحياة الجيدة:
والسؤال هنا، ماذا يعني أن يعيش الفرد حياة تفتقر للعوامل البشرية والقيمية والحقوقية، من جهة، وفي نفس الوقت تزداد إيرادات الدولة، وترتفع أرقام الناتج المحلي للفرد في الدولة، وتنخفض ديونها؟ ولا تساهم كل هذه المؤشرات في تحسين نمط الحياة الفردية بما فيها السياسية والاجتماعية ولا تنعكس على الحياة العامة ككل؟ وهل توجد بدائل للازدهار والحياة الجيدة خارج النمو الاقتصادي؟
أثارت هذه الأسئلة الكثير من المطارحات الفلسفية والنقاشات المختلفة في العالم منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بعد التركيز العالمي المتزايد على النمو الاقتصادي للدول، الذي يقاس بنسبة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، من جهة، وبعد تزايد الأزمات المالية والاقتصادية والبيئية في العالم من الجهة الأخرى. الأمر الذي جعل هذا المصطلح ونتائجه يخضع لمقاربات ومطارحات فلسفية عميقة، تنظر للحياة خارج الأرقام والأسوار الاقتصادية الذهبية، التي تنظر للإنسان بوصفه مستهلكًا للسلع، وباحثًا عن المتعة في الادخار واكتناز الكثير من المنتجات المتزايدة.
للإجابة عن هذه الأسئلة يبحث العمل الجماعي «الحياة الجيدة ما وراء النمو الاقتصادي» The Good Life Beyond Growth، الصادر عام 2017م، في مفاهيم ومسارات فلسفية مغايرة؛ حيث يرى أنه «ينبغي أن تكون وظيفة الاقتصاد والسياسة الديمقراطية هي توفير حياة كريمة للناس، وتحسين أوضاعهم لا تدهورها» (ص25)، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال انخفاض جودة الحياة، ومستوياتها، بل يعني كما يذهب لذلك الكثير من الباحثين، بأن هذا المستوى أصبح معقدا، من تكوينه الذي لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، بل على ملاءمته مع التسارع التكنولوجي، والابتكار الثقافي؛ حيث إن المجتمعات الحالية تعيش بشكل مستمر في حالة من «الاستقرار الديناميكي» dynamic stabilization»، التي لا يمكن التنبؤ بالعوامل التي تجعلها في حالة مستقرة أو تلك التي تجعلها مضطربة.
غير أن وجود مؤسسات ثابتة، وراسخة، تسعى للمواءمة بين النمو الاقتصادي والجانب القيمي كالعدالة في توزيع الثروات بين الأفراد، من الممكن أن يكُسبها الكثير من القبول والاندماج مع المجتمع، ويمنح النمو الاقتصادي أبعادا أخرى غير الجانب الاقتصادي.
ذلك أن المجتمعات الراهنة تعيش باستمرار في حالة من «الاستقرار الديناميكي» dynamic stabilization، وهو مفهوم محوري عند هارتموت روزا، يُشير إلى أن هذه المجتمعات لا تستقر إلا بالنمو والتسارع المتواصل -كالدراجة التي تسقط حين تتوقف- مما يجعل التنبؤ بالعوامل التي تُبقيها في حالة استقرار أو تُحوّلها إلى حالة اضطراب أمرا بالغ التعقيد. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إذ يصبح النمو في حد ذاته شرطا لاستمرار النظام لا لازدهار الفرد، وهو ما يجعل الأرقام المتصاعدة تخدم ديمومة الآلة الاقتصادية أكثر مما تخدم الإنسان الذي يُفترض أنها تُنتج لأجله.
وهنا يطرح الكتاب مفهوما بديلا جذريا هو مفهوم «الرنين» Resonance، الذي يرى روزا من خلاله أن الحياة الجيدة لا تتحقق بتراكم الموارد أو توافر الخيارات الاستهلاكية، بل بنوعية العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم من حوله -مع الآخرين، ومع الطبيعة، ومع الزمن، ومع ذاته. فالمجتمع الذي يملك كل شيء لكنه لا يتجاوب مع شيء هو مجتمع مغترب بامتياز، بغض النظر عن حجم ناتجه المحلي. والفارق بين حياة مُرضية وأخرى مجوّفة لا يكمن في الكمية بل في نوعية الحضور- حضور الإنسان في علاقاته، وفي عمله، وفي الزمن الذي يعيشه.
على الرغم من التباين الكبير بين العملين، وبالتالي وجهتي النظر التي تنطلق منها هذه الأعمال والخلفيات المعرفية، فهما ينطلقان من القلق ذاته إزاء النموذج الاقتصادي السائد، إلا أن مساريهما الفكريين يتباينان تباينا جوهريا يكشف عمق الأزمة المفاهيمية التي يعيشها الاقتصاد السياسي المعاصر.
فسسكيند يقف داخل الإطار الاقتصادي ويُصلحه من داخله؛ إذ يرى أن النمو ليس المشكلة في ذاته بل المشكلة في الطريقة التي نفهمه ونقيسه بها. وحجّته المركزية أن عالم الأفكار لا نهاية له، وأن بإمكاننا تحقيق نمو دائم بشرط أن نُعيد توجيهه ليعكس ما نقدّره فعلا لا ما نُنتجه ونستهلكه فحسب. وهو بذلك يُصلح السفينة دون أن يُغيّر وجهتها.
في المقابل، يأتي روزا وهينينج من موقع مختلف تماما؛ فهما لا يدخلان إلى النقاش من باب الاقتصاد بل من باب علم الاجتماع والفلسفة النقدية. ومن هذا الموقع يطرحان سؤالا أكثر جذرية: ماذا لو كانت المشكلة ليست في كيفية قياس النمو، بل في جعل النمو هدفا أصلا؟ فالمجتمع الذي يضع التسارع والتراكم في قلب وجوده لن يُنتج -هما أعاد توجيه نموه- سوى أفراد منهكين يملكون الكثير ويعيشون القليل.
وتتجلى الفجوة بين الرؤيتين في سؤال واحد: هل الرفاه الإنساني غاية يسعى إليها النمو المُعاد توجيهه كما يقول سسكيند، أم أن الرفاه الحقيقي يستلزم في جوهره الخروج من منطق النمو كله كما يرى روزا؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست أكاديمية بحتة، بل هي في صميم الخيارات السياسية والتنموية التي تواجهها الحكومات والمجتمعات اليوم. فبين من يُصلح الآلة ومن يسأل عن ضرورتها أصلا، تتشكّل ملامح المستقبل الذي نريد.
وهذا بالضبط ما يجعل النمو الاقتصادي ليس كافيا بمفرده، بل من الضروري أن ترافقه الكثير من القيم الأخلاقية والسياسية والحقوقية.
علي بن سليمان الرواحي باحث ومترجم في القضايا الفلسفية المعاصرة