إدوارد فيشمان -
نادرا ما يكون المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مسرحا لقطيعة جيوسياسية. لكن هذا العام، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام حشد من كبار التنفيذيين والشخصيات الرفيعة ليعلن نهاية حقبة، فالعولمة بوعدها القائم على تعاون يحقق مكاسب متبادلة أفسحت المجال أمام تصاعد الحرب الاقتصادية. وقال: «لقد بدأت القوى الكبرى تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعرفات الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها. لا يمكن العيش داخل وهم المنفعة المتبادلة عبر التكامل، حين يتحول هذا التكامل نفسه إلى مصدر خضوع».
في رواية كارني، تمضي القوى الكبرى قدما، تاركة الآخرين أمام خيار ضيق يتمثل في التكاتف دفاعا عن أنفسهم غير أن هذه السردية، رغم صداها، تحجب واقعا أكثر تقلبا: ففي عصر الحرب الاقتصادية، باتت حتى القوى الكبرى تشعر بتزايد انعدام الأمان. فقد استيقظت الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، على هشاشتها أمام الإكراه الاقتصادي الخارجي -والخوف الذي أطلقه هذا الإدراك يدفع السياسات في اتجاهات غير متوقعة.
وبعد أسبوعين من خطاب كارني، حشد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وزراء من أكثر من خمسين دولة في أول اجتماع وزاري للمعادن الحيوية، في محاولة لكسر احتكار الصين للعناصر الأرضية النادرة. وقبل ذلك بأيام، نشرت مجلة «تشيوشي»، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، خطابا للرئيس شي جين بينغ دعا فيه إلى أن «يحقق الرنمينبي مكانة عملة احتياط»، في حين حثّ المنظمون الصينيون البنوك على تقليص مشترياتها من سندات الخزانة الأمريكية. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب لا تميل إلى التعددية، وأن شي لطالما تعامل بحذر مع تدويل العملة الصينية، فإن حماية النفس من ترسانة الطرف الآخر الاقتصادية أصبحت ضرورة استراتيجية لكل من واشنطن وبكين.
وتعكس دعوة فانس وخطاب شي مسارين متوازيين يعيدان تشكيل الجيو-اقتصاد اليوم: سباق تسلّح اقتصادي، وسعي محموم نحو الأمن الاقتصادي. فالحكومات تعمل على تحديد مصادر نفوذها، وتطوير أدوات جديدة لاستخدامها ضد الخصوم -أي أنها، عمليا، تتسلّح لحرب اقتصادية. وفي الوقت نفسه، تبني تحصينات ضد الأسلحة الاقتصادية التي قد يستخدمها الآخرون ضدها. فتقر الولايات المتحدة إلى دليل ميداني لهذا الواقع الجديد. فعلى مدى العقدين الماضيين، طوّر المسؤولون الأمريكيون استراتيجيات للحرب الاقتصادية في عالم أحادي القطبية. وبحكم اعتيادها على الهجوم، لم تُعر واشنطن اهتماما يُذكر لمخاطر الرد أو الضربات المفاجئة. لكن ذلك العالم قد ولّى. أما العالم الجديد، فيتسم بهشاشة متبادلة، وبحث دائم عن النفوذ، وخوف دائم من الانكشاف. تمتلك الولايات المتحدة والصين أقوى الترسانات، لكن كما أظهرت الحرب في إيران، فإن قوى أصغر قادرة أيضا على إلحاق تكاليف مدمّرة بالاقتصاد العالمي عبر تسليح نقاط الاختناق.
فقد أدى إغلاق طهران لمضيق هرمز في الأيام الأولى من النزاع إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما اضطر واشنطن إلى تعديل أهدافها العسكرية. كما أظهر كيف يمكن للخصوم تكييف منطق الحرب الاقتصادية مع الصراع العسكري، باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ للتأثير في سلوك الشركات الخاصة، تمامًا كما تفعل الولايات المتحدة من خلال العقوبات المالية.
إن خوض حرب اقتصادية في هذا العالم المتصدّع سيتطلب من واشنطن إعادة صياغة نهجها. فعليها أن تتعلم كيفية استخدام قوتها الاقتصادية دون تقويض أسسها، وأن تعالج نقاط ضعفها دون التضحية بالنمو والازدهار، وأن تدير التصعيد مع الخصوم وتنسّق مع الحلفاء. وإلا فإن الولايات المتحدة، غير المستعدة وسوء التجهيز، ستجد نفسها تخوض حرب الأمس بينما يتشكل نظام اقتصادي جديد -نظام أقل ملاءمة بكثير لمصالحها من سابقه.
تشريح نقطة الاختناق
تتمثل المهمة الأولى في رسم خريطة نقاط الاختناق -وهي مجالات في الاقتصاد العالمي تكون عرضة بشكل خاص للتسليح، ولطالما كانت نقاط الاختناق الجغرافية مثل مضيق هرمز مراكز للقوة. أما نقاط الاختناق الاقتصادية، فقد برزت أهميتها في وقت أقرب. وقد تشكّل معظمها خلال ذروة العولمة، حين تبنّت الشركات سلاسل التوريد الفورية ونظاما ماليا قائما على الدولار سعيا للكفاءة. لكن عودة التنافس الجيوسياسي حوّلت هذه السمات التي كانت تُعدّ إيجابية إلى نقاط ضعف صارخة، بعدما تعلمت الدول كيف تقطع خصومها عن نقاط الاختناق التي تسيطر عليها.
غير أن كل اعتماد اقتصادي لا يُعدّ نقطة اختناق. وإذا تعاملت واشنطن مع كل حالة اعتماد على أنها تهديد للأمن القومي، فإنها ستضحي بالنمو والازدهار دون أن تحسّن أمنها فعليا. وبالمثل، فإن محاولة تسليح ميزة لا ترقى إلى مستوى نقطة اختناق ستفشل، وقد تدفع الأعمال بعيدا عن الشركات الأمريكية وتضعف النفوذ الأمريكي.
وتشترك نقاط الاختناق الحقيقية في ثلاث سمات: أولا، امتلاك دولة واحدة أو تحالف ضيق حصة سوقية مهيمنة ومركّزة. ثانيا، غياب بدائل على المدى القصير. ثالثا، قدرة الطرف المسيطر على استخدام موقعه لإلحاق ضرر غير متكافئ -أي إيقاع أذى كبير بالخصم مع تكبد ضرر محدود نسبيا.
ولا تكفي الريادة وحدها هنا، فكي تسيطر دولة على نقطة اختناق، يجب أن تمتلك شبه احتكار للسوق المعني. انظر إلى نقاط الاختناق التي تستخدمها واشنطن وبكين بشكل متكرر. فالعقوبات المالية الأمريكية تستند إلى مركزية الدولار، المستخدم في نحو 90 في المائة من معاملات الصرف الأجنبي. أما ضوابط التصدير الأمريكية على أشباه الموصلات المتقدمة، فتعتمد على ديناميكية مماثلة: إذ تستحوذ شركة واحدة في وادي السيليكون، هي «إنفيديا»، على أكثر من 85 في المائة من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تقوم الصين بتكرير نحو 90 في المائة من المعادن النادرة في العالم. في كل حالة من هذه الحالات، لا تكون الولايات المتحدة أو الصين مجرد قائدة للسوق، بل تقترب من الاحتكار الفعلي.
وعندما تفتقر دولة إلى هذا المستوى من التركّز، يكون نفوذها محدودا. خذ مثال الرسوم الجمركية الأمريكية، التي تضغط على الدول الأجنبية عبر تقليص تنافسية صادراتها في السوق الأمريكية. فعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبريل الماضي فرض رسوم واسعة على معظم دول العالم، ادعى أنها ستجبرها على الخضوع لأن الولايات المتحدة تمتلك «أكبر سوق في العالم». ومن حيث الحجم، كان ترامب محقا: فالولايات المتحدة هي أكبر مستورد عالمي. لكنها لا تمثل سوى نحو 13 في المائة من الواردات العالمية. وحتى لو مُنعت دولة ما بالكامل من دخول السوق الأمريكية، فإن بإمكانها بيع منتجاتها في نحو 90 في المائة من الاقتصاد العالمي. أما في نقاط الاختناق الحقيقية، فالمعادلة معكوسة: إذ يسيطر الطرف المعني على نحو 90 في المائة من السوق، تاركا للآخرين هامشا ضيقا لا يتجاوز 10 في المائة.
وهذا ما يفسر فشل الرسوم الجمركية في كثير من الأحيان في إخضاع الدول الأخرى. ففي العام الماضي، ورغم أن الرسوم الأمريكية خفّضت بشكل حاد صادرات البرازيل والصين إلى الولايات المتحدة، فإن البلدين نجحا في تعويض ذلك عبر أسواق أخرى، محققين مستويات قياسية في إجمالي الصادرات.
وحتى عندما تمتلك دولة حصة مهيمنة، فإن السوق لا تصبح نقطة اختناق ما لم تكن البدائل شبه مستحيلة على المدى القصير. ففي بداية جائحة كوفيد-19، في يناير 2020، كانت الولايات المتحدة تستورد نحو ثلاثة أرباع الكمامات الطبية من الصين، فيما لم يتجاوز الإنتاج المحلي 10 في المائة من الطلب. ومع تفشي الفيروس في الصين، قيّدت بكين صادراتها لضمان الإمدادات لشعبها، فكانت النتيجة رفوفا فارغة في أنحاء الولايات المتحدة. وبلغت الأزمة حدا دفعت فيه السلطات الصحية الأمريكيين إلى عدم ارتداء الكمامات حفاظا على الكميات المتاحة للأطباء والممرضين.
لكن المصنّعين الأمريكيين سرعان ما زادوا الإنتاج. وبحلول الصيف، أصبحت الكمامات متوافرة بما يكفي لفرض ارتدائها على نطاق واسع. وخلال عام واحد، ضاعفت المصانع الأمريكية إنتاج كمامات N95 أربع مرات. ورغم هيمنة الصين في البداية، لم تكن الكمامات نقطة اختناق لأنها كانت قابلة للاستبدال بسهولة نسبية. وينطبق المنطق نفسه على السلع البسيطة التي لا تتطلب استثمارات كبيرة، مثل الملابس والأثاث.
أما المنتجات كثيفة رأس المال، مثل المعادن النادرة المكرّرة، فهي أكثر صعوبة في الاستبدال. إذ يستغرق مشروع تعدين نموذجي نحو تسع سنوات قبل بدء الإنتاج. وحتى لو تحققت تقديرات أكثر تفاؤلاً بأن الولايات المتحدة قادرة على كسر هيمنة الصين خلال عامين، فإن هذه مدة طويلة تظل خلالها عرضة للضغط الصيني.
وفي قطاع الخدمات، تعزز «تأثيرات الشبكة» هذه الظاهرة، إذ تزداد قيمة المنتج مع زيادة عدد مستخدميه. ولهذا تعد الخدمات المالية الأمريكية نقطة اختناق قوية، لأن انتشار الدولار يجعل من الصعب جداً إيجاد بديل منافس.
لكي يعمل السوق كنقطة اختناق، يجب أيضاً أن تكون الدولة التي تسيطر عليه قادرة على استخدامه لإلحاق ضرر غير متكافئ. توضح الرسوم الجمركية الأمريكية على كندا ما يحدث عندما تفتقر الدولة إلى هذه القدرة. فترسل كندا أكثر من 75 في المائة من صادراتها إلى الولايات المتحدة، وبسبب الجغرافيا ومواقع البنية التحتية الثابتة مثل خطوط أنابيب النفط والغاز، لا تستطيع تنويع أسواقها بسرعة. وانطلاقاً من هذا الواقع، ادّعى ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً غير محدود على كندا، قائلاً: «نحن لا نحتاج إلى أي شيء لديهم... لكنهم يحتاجون إلينا».غير أن الرسوم الأمريكية، رغم قدرتها على إلحاق الضرر بكندا، لا تستطيع فعل ذلك دون إلحاق ضرر كبير بالولايات المتحدة نفسها. فقد قدّر الاقتصادي ديفيد هندرسون أن فرض تعرفة بنسبة 25 في المائة سيكلف الأسر الأمريكية نحو 700 دولار سنوياً، فضلاً عن تعطيل صناعة السيارات ورفع أسعار الطاقة، نظراً لاعتماد المصافي وشبكات الكهرباء على الإمدادات الكندية. وليس من المستغرب، إذن، أن معظم الواردات الكندية أُعفيت من الرسوم، وأن المعدل الفعلي للتعرفة بقي منخفضاً.
وقبل اندلاع الحرب في إيران، ربما أساءت واشنطن تقدير قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز كسلاح غير متكافئ. فهذا المضيق يمثل أهم نقطة اختناق جغرافية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية يومياً. وكان الاعتقاد السائد أن إيران لن تغلقه لأنها تعتمد عليه أيضاً في صادراتها. لكنها أثبتت قدرتها على تعطيله بتكلفة منخفضة، من خلال استهداف عدد محدود من السفن بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما غيّر حسابات المخاطر لدى شركات الشحن العالمية.
أما المعادن النادرة الصينية فتقدّم مثالاً أوضح. ففي حين بلغت عائدات الصين من تصديرها بضعة مليارات الدولارات، يمكن لتعطيل جزئي في الإمدادات أن يؤدي إلى خسائر بمئات المليارات للاقتصاد الأمريكي. وهذه الفجوة في الأثر هي ما يمنح أدوات الضغط الاقتصادية فعاليتها. فالدول لا تسلّح الاعتماد المتبادل بقدر ما تسلّح الاعتماد من طرف واحد.
لماذا نخوض الحرب الاقتصادية؟القاعدة الأولى للحرب الاقتصادية واضحة: لا تستخدم نقاط اختناق وهمية. لكن حتى مع الالتزام بذلك، تواجه الولايات المتحدة حلقة تغذية عكسية خطيرة. فكلما استخدمت أدوات الضغط، سارعت الدول الأخرى إلى تقليل اعتمادها عليها. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى تآكل النفوذ الأمريكي وتقليص الطلب على منتجاته وتقنياته.
تعتمد فعالية الأدوات الاقتصادية على الهدف منها. فهناك ثلاث غايات رئيسية: أولها رمزي، يتمثل في إدانة السلوك عبر «التسمية والتشهير». وثانيها إضعاف الخصوم عبر حرمانهم من الموارد والتكنولوجيا. أما ثالثها، وهو الأكثر طموحاً، فيهدف إلى إجبار الدول على تغيير سياساتها عبر الضغط الاقتصادي.
لكن صانعي القرار كثيراً ما يفشلون في تحديد الهدف بدقة، رغم أن كل هدف يتطلب استراتيجية مختلفة. كما أن التصعيد التدريجي غالباً ما يكون غير فعّال، لأن الدول المستهدفة تتكيف سريعاً عبر تطوير بدائل، ما يقلل من تأثير الإجراءات بمرور الوقت.
تآكل النفوذ
لا تقل أهمية الحفاظ على النفوذ عن استخدامه في الوقت المناسب. فكلما لجأت واشنطن إلى تسليح نقطة اختناق، ازدادت حوافز الدول الأخرى لتقليل اعتمادها عليها، ما يؤدي إلى تراجع فاعلية هذه الأداة مستقبلاً.
وغالباً ما يتجاوز هذا الحافز الدول المستهدفة مباشرة. فعندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على روسيا بعد ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014، استخلصت الصين درساً واضحاً: إذا كانت واشنطن قادرة على التعامل مع موسكو بهذه الطريقة، فقد تفعل الشيء نفسه مع بكين. وقد دفع ذلك القيادة الصينية إلى تطوير أنظمة دفع محلية تقلل اعتمادها على النظام المالي الأمريكي. ففي عام 2015، أطلقت الصين نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، لتسوية المعاملات بالرنمينبي دون الاعتماد على الوسطاء الغربيين. ومنذ ذلك الحين، وسّعت هذه الجهود عبر إطلاق عملة رقمية للبنك المركزي، ومنصة مدفوعات رقمية تسمح للبنوك المركزية بالتسوية المباشرة فيما بينها.
هذه المبادرات لا تمثل تحدياً فورياً لهيمنة الدولار، لكنها لا تهدف أساساً إلى استبداله، بل إلى بناء بنية موازية يمكن توسيعها سريعاً في أوقات الأزمات -أي بمثابة بوليصة تأمين. وقد نما نظام CIPS بسرعة، ليضم مئات المؤسسات في عشرات الدول، ما يتيح للصين الاستمرار في المعاملات حتى في حال عزلها عن النظام المالي الغربي.
وقد يأتي التحدي الأكبر من مصدر أقل وضوحاً. فاليورو، بخلاف الرنمينبي، عملة قابلة للتحويل وتتمتع بالسيولة، ومدعومة بأنظمة ديمقراطية مستقرة، ما يمنحه مزايا واضحة في مجال المدفوعات الدولية. وهو بالفعل ثاني أكثر العملات استخداماً، وتشكل احتياطياته نسبة كبيرة من الاحتياطيات العالمية.
وفي هذا السياق، شددت رئيسة البنك المركزي الأوروبي على أن تطوير نسخة رقمية من اليورو يمثل «بياناً سياسياً يتعلق بسيادة أوروبا». ومع تقدم هذه المشاريع، قد يجذب اليورو مستخدمين خارج أوروبا، خصوصاً أولئك الذين يخشون استخدام الدولار كسلاح ضدهم.
بالنسبة للولايات المتحدة، يعني ذلك ضرورة التنسيق مع الحلفاء عند فرض العقوبات، ليس فقط لتعزيز فعاليتها، بل أيضاً لمنع تحميل الدولار «علاوة مخاطر جيوسياسية» مقارنة بالعملات الأخرى. فالتنسيق يقلل من حوافز الدول للبحث عن بدائل.
غير أن المشكلة الأعمق تكمن في انتشار الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تسلّح كل أدواتها الاقتصادية ضد الجميع. وقد دفع هذا التصور حتى الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم عليها، كما يظهر في سعي أوروبا إلى تطوير بنى تكنولوجية وسيادية خاصة بها، بعيداً عن النفوذ الأمريكي.
وتُبرز أزمة المعادن النادرة أهمية تحديد الأولويات في الأمن الاقتصادي. فبدلاً من محاولة تحقيق الاكتفاء الكامل في جميع القطاعات، ينبغي التركيز على المجالات التي تمتلك فيها الصين نفوذاً حقيقياً، والعمل على تقليص هذا النفوذ عبر التنويع والتعاون مع الحلفاء. كما أن الاستبدال الكامل للإمدادات الصينية ليس عملياً، بسبب تكلفته العالية وطول مدته. ولذلك، فإن الهدف الأكثر واقعية يتمثل في إنشاء مصادر بديلة كافية لكسر الاحتكار، بحيث يمكن توسيعها عند الحاجة.
غير أن هذه الجهود تتطلب تنسيقاً دولياً. إذ إن التحركات الفردية قد تؤدي إلى تفكك الأسواق العالمية، حيث يؤدي انسحاب كل دولة إلى تقليل قيمة السوق للآخرين، ما يدفعهم بدورهم إلى الانسحاب. ولهذا، فإن التعاون بين الحلفاء ضروري لتجنب هذا السيناريو.
من يرمش أولاً؟
في أبريل الماضي، جادل الاقتصادي آدم بوزن بأن الصين تمتلك «تفوقاً في التصعيد» في الحرب الاقتصادية، بمعنى أنها قادرة دائماً على الرد بأداة أقوى مهما استخدمته واشنطن.
وبالنظر إلى سيطرة الصين على سلاسل توريد حيوية، خلص إلى أن الولايات المتحدة ينبغي أن تتجنب التصعيد إلى أن تقلّص اعتمادها على هذه الموارد.
لكن هذا التقييم يقلّل من نفوذ الولايات المتحدة. فالأدوات الأمريكية -مثل الدولار، والتكنولوجيا المتقدمة، والمحركات الجوية- أصعب بكثير في الاستبدال. ورغم تفوق الصين في بعض المجالات، فإن هذا التفوق ليس عصيًا على المعالجة. وإذا حافظت الولايات المتحدة على تقدمها في الذكاء الاصطناعي، فقد تتحول منتجاتها إلى بنية أساسية للاقتصاد العالمي، ما يمنحها نقطة اختناق جديدة واسعة التأثير.
يمكن لواشنطن استعادة زمام المبادرة عبر تعزيز الردع الاقتصادي، من خلال تطوير أدوات تصعيد قادرة على دفع الخصوم إلى التراجع. ويُعدّ مثال العقوبات على شركة «زد تي إي» الصينية دليلا واضحا؛ حيث أدت القيود الأمريكية إلى شلّ الشركة تقريبا خلال أسابيع، قبل أن تتدخل القيادة الصينية لإنقاذها.
ومع ذلك، لا تكمن المشكلة في نقص الأدوات، بل في ضعف الاستعداد لتحمل التكاليف. فقد أظهرت التجارب أن الولايات المتحدة تتراجع سريعًا عند ظهور مؤشرات اقتصادية سلبية، مثل: انخفاض الأسواق أو ارتفاع الأسعار. وقد أدرك العالم أن نقطة الضعف الأمريكية في الصراعات الاقتصادية هي انخفاض قدرتها على تحمّل الألم.
في الواقع، لا تُقاس نتائج الحرب الاقتصادية بقدرة طرف على إلحاق الضرر فقط، بل بقدرته على تحمّله. ويمكن لواشنطن تعزيز قدرتها على الصمود عبر معالجة نقاط الضعف الداخلية، مثل الاعتماد على الطاقة، الذي يقيّد قدرتها على فرض عقوبات دون التأثير على الأسعار المحلية.
كما أن بناء دعم شعبي للحرب الاقتصادية أمر حاسم. فالمجتمعات تكون أكثر استعدادا لتحمل التكاليف عندما تدرك أهمية الهدف وعدالة الاستراتيجية. وفي ظل تراجع الرغبة في التدخل العسكري، قد يصبح من الأسهل إقناع الرأي العام بقبول كلفة الأدوات الاقتصادية.
لكن يبقى السؤال الأساسي في أي مواجهة: هل الولايات المتحدة مستعدة لتحمل تبعات التصعيد؟ وإذا لم يكن الجواب واضحا، فقد يشكّك الخصوم في جدوى تهديداتها، مهما كانت أدواتها قوية نظريا.
السلام الاقتصادي
بُني النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية عبر اتفاقيات دولية كبرى. أما اليوم، فإن النظام الجديد يتشكل بطريقة مختلفة - عبر قرارات متفرقة مثل: العقوبات والرسوم والسياسات الصناعية، دون رؤية موحّدة.
وغالبا ما يُحذّر صانعو السياسات من خطر الانقسام إلى كتل اقتصادية متنافسة. لكن التاريخ يشير إلى أن الخطر الأكبر ليس في هذا الانقسام، بل في التفكك الفوضوي؛ حيث تتصرف كل دولة بشكل منفرد، ما يؤدي إلى انهيار النظام الاقتصادي العالمي.
في المقابل، يمكن للتنسيق بين الدول أن يحقق توازنا بين الأمن والازدهار. فبناء سلاسل توريد موثوقة بين الحلفاء، وتنسيق السياسات الاقتصادية، يمكن أن يحدّ من نفوذ الخصوم دون تقويض النظام العالمي.
ولهذا، تحتاج الولايات المتحدة إلى رؤية إيجابية للنظام الجديد، تقوم على تحالفات اقتصادية تعالج نقاط الضعف المشتركة، وتحافظ على حجم الاقتصاد العالمي وتماسكه.
وفي الخلاصة، يمكننا القول إن العالم قد دخل عصر الحرب الاقتصادية، ولم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على استخدام أدواتها. ومع تزايد استخدام هذه الأدوات من قبل الجميع، وتآكل فعاليتها نتيجة الإفراط في استخدامها، بات من الضروري تبنّي نهج أكثر انضباطا وتنسيقا واستدامة.
إنَّ نجاح الولايات المتحدة في هذا العالم الجديد لن يعتمد فقط على قوتها الاقتصادية، بل على قدرتها على استخدامها بحكمة، والحفاظ عليها، والعمل مع الحلفاء. أما البديل، فهو الانزلاق نحو تفكك اقتصادي عالمي يضعف ازدهارها ويهدد أمنها.
إدوارد فيشمان مؤلف أمريكي، وباحث في العلاقات الدولية، ودبلوماسي سابق، وهو زميل أول ومدير مركز موريس ر. جرينبيرج للجيواقتصاد في مجلس العلاقات الخارجية