في الجزء الأول من هذه القراءة لكتاب «عصر التعايش: الإطار المسكوني وصناعة العالم العربي الحديث»، توقفت عند محاولة أسامة مقدسي تفكيك السرديتين المهيمنتين على فهم الشرق الأوسط: سردية الطائفية الأزلية، وسردية التعايش المثالي الخالي من التوترات. كما استعرضت مفهوم «الإطار المسكوني» الذي يقترحه لفهم التعايش بوصفه نتاجا تاريخيا حديثا تشكل داخل تحولات الإمبراطورية العثمانية، وفي هذا الجزء الثاني، أواصل التوقف عند بعض الأسئلة التي يفتحها الكتاب حول الحداثة العربية، وحدود العلمانية، والتناقضات التي رافقت بناء فكرة المواطنة.
كانت هناك جوﻻت من القتال الطائفي بين القرويين الموارنة والدروز في أعوام 1841 و1845 وأخيرا 1860 حين شهدت بلاد الشام عنفا طائفيا لم تشهد له مثيلا وكان هذا العنف علامة على انهيار النظام العثماني.
كما دارت حرب أهلية دامية بين الموارنة والدروز في جبل لبنان، تلتها مذبحة مسيحيي دمشق في يوليو من العام ذاته التي وصفها مقدسي بأنها «المذبحة الوحيدة الكبيرة ضد المسيحيين في المدن العربية خلال أربعة قرون من الحكم العثماني» وقد أفضت هذه الأحداث إلى تدخل القوى الأوروبية ونشوء لجنة دولية للتحقيق، انتهت إلى إنشاء متصرفية جبل لبنان ذات الطابع الطائفي.
يرفض مقدسي قراءة أحداث 1860 بوصفها إفصاحا عن عداوات دينية متجذرة في اللاوعي الجمعي، بل يحللها في سياقاتها الكاملة: الاضطراب الاقتصادي الناجم عن الإصلاحات، والتدخل الأوروبي الذي أفرز امتيازات انتقائية لصالح المسيحيين، وتراجع السلطة العثمانية المركزية، والتوترات الطبقية داخل كل طائفة قبل التوترات بين الطوائف ويشير مقدسي بأسى إلى أن مذبحة دمشق 1860 لم تحظ حتى اليوم بدراسة عربية جادة واحدة. ويصف هذا الصمت المكثف بأنه «صمت أيديولوجي» يعكس ضيق القوميين العرب من مواجهة تراث من الهيمنة الإسلامية التاريخية على غير المسلمين. هذا الإغفال المتعمد ليس مجرد هفوة أكاديمية، إنه يشير إلى تواطؤ أعمق في صون صمت يتيح للخطاب القومي تقديم نفسه نظيفا من بقع الماضي.
في قلب تحليل أحداث 1860 يولي مقدسي اهتماما استثنائيا لشخصية بطرس البستاني (1819-1883) المثقف والمترجم والمطبعجي اللبناني الماروني الذي اعتنق البروتستانتية. يرى مقدسي أن البستاني هو صاحب أول نداء مسكوني عربي حقيقي في العالم الحديث متجليا في سلسلة منشوراته المجهولة الهوية «نفير سوريا» التي أصدرها بين أكتوبر 1860 وأبريل 1861 موقعا إياها بـ»محب الوطن» ليحث «أبناء الوطن» على اﻻستفاقة والتخلي عن التعصب فهم في النهاية إخوة وأبناء آدم وأبناء نفس الوطن.
يميز مقدسي بين تجربة البستاني وتجربة معاصريه بنقطة جوهرية: فبينما كانت السلطة العثمانية والقوى الأوروبية تتعامل مع أحداث 1860 بوصفها مشكلة «أمن داخلي» تحتاج إلى إدارة طوائف متعادية كان البستاني يعيد تأطيرها بوصفها أزمة «تعليم» تحتاج إلى يقظة الذات الأخلاقية فبستاني يرى الطائفية فشلا تربويا وأخلاقيا قابلا للتجاوز وليست قدرا تاريخيا وأداة هذا التجاوز هي الوعي المسكوني المكتسب بالتنشئة والتعليم، لا الموهوب بالانتماء والنسب.
ومن أجمل ما يقتبسه مقدسي من البستاني قوله:
«نحتاج إلى أديان حية منتبهة تنظر وتعلم بنيها أن ينظروا إلى من يخالفهم في أمر المذهب لا بعين اﻻحتقار والبغضاء كما هو الواقع إلا فيما ندر، بل بعين اﻻعتبار والمحبة كأعضاء عائلة واحدة أبوها الوطن وأمها الأرض وخالقها واحد هو الله وجميع أعضائها من طين واحد قد تساووا في المصير إلى مآل واحد إنما يفضل أحدهم اﻵخر في العلم والتقوى والعقل والفضيلة ومراعاة حقوق الإنسانية والجيرة ﻻ بالاسم واﻻنتماء إلى فئة دون فئة».
يلاحظ مقدسي -في تفصيل مهم- أن نفير البستاني انشغلت بقضية «الألفة» أكثر بكثير من كلمة «مساواة» التي تغيب عن رسائله الإحدى عشرة. استخدم بدلا من مساواة «الألفة» أي المودة والانتماء المشترك. هذا التمييز الدلالي ليس تفصيلا لغويا بل موقف فلسفي: فالبستاني لم يطالب بمساواة قانونية مجردة بل نادى بانتماء إنساني ملموس يعاش في الفضاء الاجتماعي. وفي عام 1863 جسد هذا الحلم بتأسيس «المدرسة الوطنية» في بيروت.
وهي أول مدرسة مسكونية المنطلق تضم طلابا من مختلف الطوائف الدينية في الإمبراطورية بمنهج يقر بتعددية الأديان بدل أن يسعى إلى محو الهوية الدينية لكل منها ولكن مقدسي لا يكتفي بمدح البستاني بل يرصد قيوده البنيوية: فمشروع البستاني كان مشروعا نخبويا بامتياز -مثل أي مصلح في عصره- يقسم المجتمع بين «العقلاء وأصحاب العرض والمال من أبناء الوطن» وبين «الجماهير الجاهلة» الذين يقعون فريسة التعصب.
وولد الإطار المسكوني محملا بتوتر داخلي لم يحسم قط: الحلم المساواتي يتكئ على شروط تراتبية في التحقق ولعل هذه المفارقة هي ما ظلت تلاحق كل محاولات التعايش في العالم العربي حتى اليوم. ببساطة هذا التمييز بين النخبة والعامة كان قد دمرنا.