العزْلُ هو أشدُّ مظاهر العنف وأقْصاها، وهو المرتبة العليا في إخضاع الجسد والرّوح، وقد اكتشفه الإنسان منذ عهوده الأولى وأصوله المبكّرة، ومارسته السُّلَط في مختلف مظاهرها، ولقد أشار إليه شعراء العرب منذ الجاهليّة في حال العزل من القبيلة، ومثاله ما عبّر عنه طرفة بن العبد بقوله: «وأُفردتُ إفراد البعير المعبَّد»، وهو متّخذٌ أشكالاً متعدّدة تتعدّى السجن الانفرادي والعزْل المرضيّ إلى العقاب الاجتماعي بمقاطعة فرد أو مجموعة، وقد تجسَد نظام العزْل المرضيّ في أمثولة «سفينة الحمقى» التي يُجمَّع فيها المجانين لعزْلهم عن المجتمع وحمايته من جموح خبلهم، وتُسرَّح في البحار ليُعزَلوا عن أرض العقلاء.

تواريخ مستشفيات المجانين، وبقايا سجلاّت السجون، وعمق تاريخ البشر، في فتوحهم وحروبهم وسلمهم وأعمدة صروحهم وآثارهم الباقية، شواهد على عنف يتميّز به الإنسان ويتفنن فيه. فهل العنفُ طبع الإنسان؟ ألم تقم الإنسانيّة قاطبةً على تحقيق العنف وتنويع مظاهره والاجتهاد في تجويزه والبحث عن علله ووسائله؟ ألم يتحوّل العنف في عديد من مراحل التاريخ إلى غاية في حدّ ذاته بعد أن كان وسيلة لتحقيق مطامح ومطامع؟ لقد دفعني العنف الغالب اليوم في الخطاب والفعل والفكر إلى التدبُّر في ميل الإنسان الطبيعي إلى العنف، وإلى مراجعة أقوال الفلاسفة ومختلف رؤاهم في الرغبة في العنف، وإلى الوقوف على عمق الطاقة العنفيّة التي يتملّكها الإنسان ويتفنَّن في إعمالها، وإلى التفكر في هذه الميل الغريزي إلى الإيذاء والتسلط والتملّك. لا أعتقد أن العنف في الإنسان ناتج عن حال اجتماعي ثقافيّ، بل هو طبعٌ أصيلٌ فيه، أظهرتْه الأديان وأبانته الكتب، سماويّةً كانت أو أرضيّةً، وكشفت عنه تواريخ الأمم وعلوم الإناسة. لقد عمل الإنسان منذ بدايات كوْنه على تطوير أجهزة العنف وأدواته، ومارس السلطة بعنفٍ تبدَّل وتعدّدت مظاهره واختلفت أشكاله، بدايةً من تشكيل الحجارة إلى الأسلحة الذكيّة والنوويّة.

لقد تعمّق جيرار رينيه في كتابه الصادم «العنف والمقدّس» في تأصُّل ظاهرة العنف في المجتمعات وفي جعله الشرط الأساس لتحقّق المجتمع البشريّ، وكأنّ الإنسان لم يتحوّل إلى العنف بفعل الثقافة والتمدّن، وإنّما هو أقام حضارته على العنف الذي اتّخذه معرفةً ونظامًا ومقدَّسًا.

فالمقدَّس يقرّ العنف ويُنظّمه ويجعل له طقوسًا تمتصّ الطاقة العنفيّة في الإنسان، بإعادة إنتاجه في طقوس رمزيّة تتمثّل العنف البشريّ وتلطّف من آثاره، ألم تتأسّس حضارات وتصوّرات واعتقادات على العنف الأخويّ إذ يقتل الأخ أخاه دون حاجة إلى علّة من الخارج أو دافع محفِّز على القتل غير المشاعر الإنسانيّة القائمة على الغيرة والحسد والرغبة في التحقّق والتملّك؟ أسطورة العنف الأخوي من أكثر الأساطير شيوعًا في تواريخ الأمم والحضارات. أنتروبولوجيا وفلسفيّا هنالك صراع فكريّ اختباري عميق حول ميل الطبع البشري إلى العنف بحثًا عن قبائل تتجرّد من العنف، ولعلّ النقاش الحادّ الذي دار حول كتاب مارغريت ميد «النضج في ساموا»، دليل على الخلاف العميق في إثبات الوسْم الخيِّر للإنسان (على طريقة جون جاك روسو)، إذ أثبت عديد الدارسين من بعد هذا الكتاب أنّ شعب الساموا لم يخل من عنف ولم يَعْرَ من مظاهره الشديدة، وكأنّه عزّ على الإنسان أن يجد جماعة بشريّة عبر التاريخ قد خَلَت من العنف! اليوم نرى الموتَ يُحتَفَى به، يعمُّ العالم، بحروبٍ وبأوبئةٍ وبمجاعاتٍ وبأمراضٍ لم يفرغ الإنسان بعقله النافذ إلى مداواتها، وآثر أن يجنح إلى تملّك أدوات القتل، وأن يصعد للفضاء وأن يبحث في عوالمه، ليرى كلّ دبّة نمل على الأرض، ليتمكّن من الرؤية والكشف والمراقبة للمعاقبة. ميلُ الإنسان إلى العُنف، إلى الإبداع في القتْل والتفنن فيه، إلى مأسسة العنف بتطوّر العقل البشريّ، دمّر الكون وحوّله إلى قرية يسيرة الموت، عسيرة الحياة.

ولقد أفاض مشيل فوكو في بيان الأصول الأخلاقيّة والاجتماعية والتاريخية لعنف المؤسّسات وقمعها للفرد جسديّا وفكريّا، والاجتهاد في السيطرة على الإنسان بأجهزة عنف تتطوّر وتتنوّع عبر التاريخ. لقد دهشنا في القرن الماضي من آليات تحليل خطاب العنف في فلسفة فوكو وكيفية إدراكه لتوزع خطاب العنف في أبسط الممارسات الحياتيّة بداية من الحياة العائليّة إلى إدارة الشؤون الدوليّة، وبدايةً من حركة لا إراديّة تُبطن أبعادا نفسيّة للعنف إلى السلوك المؤسّسي الطبيّ والسجنيّ والمدرسيّ والإداريّ. فوكو الذي رصد تحوّل العنف من السلطة على الجسد إلى السلطة على الحياة، من اتّخاذ الجسد مسرحا للعنف تعذيبًا وقتلا وقصْلاً وشنقًا إلى العنف المؤسّسي الذي تُدار فيه الحياة وتُوجَّه ويُخضَع فيه العقل والروح لإرادة المؤسسة، من عنف المراقبة والمعاقبة إلى عنف التأطير والتوجيه والإخضاع، عنف يتحقّق في المدارس في الإدارات في المصحّات، الغاية منه إعادة تشكيل النفس وتوجيهها. العنف الإداري البيروقراطي، العنف النفسي، أشدّ فتكًا وأثرًا من عنف الجسد.

وقد أفزعتنا حنّة أرندت عندما كشفت في كتابها «في العنف»، العنف المتأصّل في الإنسان في حُكمه وثورته في يمينه ويساره في فرده وجماعته، والتي تُقيم فاصلاً بائنًا بين القوّة والعنف، ذلك أنّ القوّة التي تخبو وتخفت تتحوّل إلى عنف، والتي ترى أنّ العنف ينتج دوما عن سلطة فقدت قوّتها، وأنّه ممكن التبرير، ولكن لا يُمكن -كما اعتقد فوكو- أن يكون شرعيّا. العنف اليوم خارج عن العلاقات القديمة بين سلطة وخارج السلطة، بين مؤسسة وهامش، بين سلطة وأخرى، العنف في أيّامنا، يتعدّى المظاهر الجسديّة والفكريّة ليحلّ خوارزميّا شفّافًا، آسرًا، سلسًا، مرنًا، عنفٌ ينتج عن الإغواء، يُصمّمه الإنسان ويقع في حباله، ينأسر به، أليست الخوارزميّات هي سجوننا المعاصرة التي لا نقدر على مفارقتها؟ لقد تحوّل العنف من فعلٍ خارجيّ يُمارَس على الجسد أو الروح إلى فعل داخلي إراديّ يأتيه الإنسان بمحض إرادته لاهيًا لاعبًا. عنف الإنسان ما بعد الحداثة ليس سجنًا وسجّانًا، وليس مقصلةَ ومشنقةً، وليس مصحّة تسجن مَن أضاع عقله، سجن الإنسان الحديث عوالم تؤسّس للمتشابه المتماثل، لا تقبل المختلف، عوالم تنضبِط في خوارزميّات تطلب الشفافيّة وتنفي الخصوصيّة وتعدم الذاتيّة، لتأليه الإنسان وتسطيح فعله قبل عقله.

في «عصر رأسماليّة المراقبة» أنت -طوْعًا- تعرض سلوكك ورغباتك على شركات التكنولوجيا الرقميّة لتقرأك وتتنبّأ بإرادتك بما تريد أن تراه وأن تسمعه وأن تطّلع عليه، ولتبيعك ما ستقرّره وما تريد أن تفعله.

فإذا كان العنف التقليدي يكسر جسدك وإرادتك بعد أن تفعل فإنّ العنف الرقميّ يقرأ ضميرك وإرادتك قبل الفعل، تصبح مكشوفًا، عاريًا. يعي البشر قدرتهم على إنتاج العنف، وهم على إدراك بما تفعله به الخوارزميات من عنف مخملي صامت، يعزلون أنفسهم دون معاقبة يراقَبون بإرادتهم دون رقابة سلطويّة، ويعرضون ذواتهم على آلات تحدّد وجودهم.

البشر على وعي بكلّ ذلك، غير أنّهم متمادون في العنف بأشكاله المختلفة، فلا الفنّ مخفِّفٌ لأثر العنف ولا الأدب ضابط له، قادرٌ على التخلّص منه، فأكبر جلاّدي التاريخ مقبلون على الأدب، منصتون للموسيقى، محبّون للفنون! لقد شكا طرفة إفراده وعزْله وبكى ذلك منذ الجاهلية، وكانوا إلى عهد قريب يحكمون على الناس بالإقامة الجبريّة في بيوتهم، وذاك فعل عقابيّ شديد فيه تعذيب وكسر للإنسان، اليوم يدخل الشاب بيته لا يفارقه وإن بقي فيه الدهر الطويل، يعزل نفسه، وهو في عوالم افتراضيّة لا يُفارقها، يرى منها وبها الكون، لا يُفكّر في أكل ولا في مشرب ولا في طبيعة ولا في بحر، يعيش عزلا إراديّا اختاره، فإلى أين المسير؟ هل نقبع اليوم في سفينة مختلفة تجوب بنا المياه ولا تُوجِد أرضًا صلبة نقف عليها؟