هناك العديد من القضايا التي يمكن مناقشتها عند الحديث عن الأمن الصناعي، ولعل الأحداث الأخيرة في المنطقة وتأثيراتها المباشرة على سلاسل الإمداد قد أسهمت في تسليط الضوء مجددا على العديد من القضايا المتعلقة بالأمن الصناعي؛ باعتباره مدخلا لتحقيق تنمية اقتصادية وصناعية شاملة، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرات القطاع الصناعي على النمو ومواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

يستهدف الأمن الصناعي بشكل عام تعزيز قدرات الدولة على امتلاك قاعدة صناعية مستقلة ومستدامة، بحيث تُمكّن هذه القاعدة الدولة من إنتاج احتياجاتها الأساسية صناعيا، وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات الحيوية، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد في الأزمات، وهذا يعني الاتجاه إلى توطين العديد من الصناعات التي تحتاج إليها الدولة، خاصة الصناعات الغذائية والدوائية، والصناعات الهندسية، والصناعات المتعلقة بالطاقة الكهربائية ومحطات إنتاج وتوليد الكهرباء ومحطات تحلية المياه، والصناعات المتعلقة بمواد البناء والتشييد كصناعات الحديد والأسمنت، والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد واللوجستيات كمواد التغليف والتعبئة والحاويات والمعدات اللوجستية، بالإضافة إلى الصناعات الكيميائية، والصناعات الرقمية والتقنية وأنظمة الأمن السيبراني، والصناعات البحرية والزراعية؛ نظرا لما يشكله هذان القطاعان من أهمية متزايدة في الاقتصاد الوطني باعتبارهما مصدر دخل أساسيا لآلاف الأسر في سلطنة عُمان.

عندما ننظر إلى واقع التنمية الصناعية في سلطنة عُمان نجد تقدما ملموسا في العديد من القطاعات الصناعية، ولعل انتشار المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية والحرة، والحوافز التي يتم تقديمها للمستثمرين، قد أسهم في بناء قاعدة إنتاجية متنوعة وتحقيق العديد من مستهدفات القطاع الصناعي، وقد شهدنا خلال الفترة الأخيرة مزيدا من الاهتمام بتعزيز أداء الصناعات الغذائية، بما في ذلك تطوير وزيادة إنتاج اللحوم، وتوسيع قدرات مصانع تجميد وتعبئة وتغليف الأسماك، ورفع كفاءة الصناعات المرتبطة بسلاسل التبريد والحفظ، هذا بالإضافة إلى العمل على توطين الصناعات الدوائية وتوسيع قاعدة الصناعات التحويلية، غير أنه رغم ذلك لا تزال هناك فجوة بين الواقع والطموح، إذ إن الأمن الصناعي بمفهومه الاستراتيجي لا يقتصر فقط على إنشاء المصانع وتعزيز قدراتها الإنتاجية، ولكنه يتجاوز ذلك ليشمل توطين الصناعات الحيوية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وبناء قدرات وطنية قادرة على الابتكار والإنتاج، وهذا يعني أن مكاسب الأمن الصناعي لا تقتصر فقط على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الصناعية والغذائية، وإنما تتيح للدول الكثير من المرونة للتعامل مع الأزمات التي يمر بها العالم من حين لآخر، وبما يؤدي إلى تقليل المخاطر المتعلقة بالاعتماد المفرط على الواردات، وهذا يعني ضرورة تسليط الضوء بشكل أكبر على هذا الملف، خاصة أن الأمن الصناعي بما يعنيه من تنويع القاعدة الإنتاجية يفتح آفاقا عديدة أمام الصناعات المحلية لتصدير منتجاتها إلى الخارج، وبالتالي تعزيز دورها الاقتصادي ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، كما أن تنمية القطاع الصناعي تنعكس إيجابا على العديد من القطاعات الأخرى، خاصة قطاع التشغيل، عبر توفير المزيد من فرص العمل أمام الشباب العُماني، ليس في الوظائف المتعلقة بالإنتاج الصناعي فقط، وإنما أيضا في القطاعات الأخرى المرتبطة به كالنقل واللوجستيات والتسويق والمكاتب المتخصصة في الاستيراد والتصدير والعديد من القطاعات الأخرى.

وعلى الرغم مما تم تحقيقه خلال السنوات الماضية من إنجازات في هذا القطاع، وما عكسته البيانات الإحصائية من نمو في الناتج المحلي للأنشطة الصناعية وزيادة قيمة الصادرات العُمانية غير النفطية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدا من الاهتمام بتعميق سلاسل القيمة المحلية بما يُسهم في زيادة القيمة المضافة للعديد من الصناعات العُمانية، وتحسين قدراتها على المنافسة المحلية والدولية، وتنويع القاعدة الصناعية بشكل أكبر، وتعزيز الترابط بين الصناعات الكبرى والصناعات الصغرى والمتوسطة، وبما يؤدي إلى تكامل مكونات القطاع الصناعي مع العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى، وهو واحد من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام.