لا تزال نتيجة الحرب الأمريكية مع إيران، وكذلك الوضع المستقبلي لمضيق هرمز، غير محسومين. لكن بفضل تسريب مدروس من إدارة ترامب، باتت لدينا الآن معرفة بما تريده واشنطن في أي اتفاق، بما في ذلك وقف تخصيب اليورانيوم ورفع الحصار عن الممر النفطي الحيوي. ولنفترض هذه المرة، وعلى خلاف كل التوقعات، أن الرجال الذين يحكمون طهران قالوا ببساطة: «نعم» لكل ذلك. فهل كان هذا الاتفاق يستحق الحرب؟

الجواب المختصر: لا. غير أن هذه حجة لا تُحسم بضربة قاضية، بل بنظام نقاط تختلف أوزانها باختلاف الأطراف المعنية. كما أن الخلاصة قد تتغير لاحقا مع اتضاح الصورة؛ لأن إيران ستتغير بفعل هذا الصراع. والسؤال الوحيد هو: كيف؟ فكل الاحتمالات واردة متى عاد السلام.

السبب الأكبر، الذي يصعب دحضه، للاعتقاد بأن المقترح الأمريكي، كما نُقل، لا يبرر الحرب، هو أنه خلق مشكلة ما كانت لتوجد لولاه: السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. وهذه ليست مسألة يمكن حلها بمجرد إنهاء الحصارات الحالية. فالقدرة على فرض رسوم ومنح التصاريح تمنح النظام في طهران مصدرا هائلا محتملا للتمويل والنفوذ الجيوسياسي، سيحتاج الآن، مثل البرنامج النووي الإيراني، إلى إدارة دائمة. ويظل ذلك صحيحا سواء جرى التعامل مع المشكلة عبر المفاوضات، أو عبر صراع إضافي، أو عبر بناء خطوط أنابيب التفافية جديدة تمر عبر دول الخليج العربية.

فكما اعتقد رؤساء أمريكيون متعاقبون، وبحق، أنه يجب عدم السماح إيران بتطوير ترسانة نووية، فمن غير المرجح أن يقبل أي رئيس أمريكي بسيطرة إيرانية ذات معنى على هرمز. ومع ذلك، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية هذا الشهر أن نظاما جديدا لإصدار تصاريح المرور عبر المضيق أو رفضها دخل حيز التنفيذ. وإذا سُمح لهذا النظام بالعمل، فإنه سيمنح طهران وسيلة للضغط على أي حكومة تريد إدخال النفط أو الغاز أو الأسمدة أو غيرها من السلع إلى هرمز أو إخراجها منه.

وهذا يقود إلى النتيجة السلبية الثانية التي يصعب إنكارها في هذه الحرب: لقد تركت دول الخليج العربية متضررة بشدة، وستدفعها إلى إعادة تقييم اعتمادها على القوات الأمريكية لحمايتها من إيران. ففي هذا الصراع، جذبت القواعد الأمريكية الهجمات الإيرانية نفسها التي وُجدت أصلا لردعها.

لكن مصدر القلق الأكبر لا يكمن في حجم الدمار المادي الحالي الذي أصاب هؤلاء الحلفاء الأمريكيين. بل في انفجار فقاعة الأمان المتصورة التي يقوم عليها جزء كبير من ثروتهم الاستثنائية. فمن الآن فصاعدا، سيتعين على المستثمرين الأجانب والمصرفيين وغيرهم أن يأخذوا في الحسبان حقيقة أن إيران قادرة على إطلاق الصواريخ مجددا على جيرانها العرب في أي وقت.

ولا تستطيع الإمارات العربية المتحدة قبول ذلك. ولهذا، فإنها، مثل إسرائيل، ستعارض أي اتفاق يُبقي النظام الإيراني في مكانه وقادرا على إظهار القوة خارج حدوده. والاتفاق، كما نُقل، يفعل ذلك بالضبط. أما دول خليجية أخرى، بما فيها السعودية، فهي أكثر انشغالا بحجم الدمار الأكبر بكثير الذي يمكن أن تسببه حرب طويلة وشاملة تصبح فيها كل منشآت الطاقة والمياه أهدافا مشروعة.

ومن النقاط الأكثر قابلية للجدل أن مذكرة التفاهم المؤلفة من صفحة واحدة، كما نُقلت، لا تبدو أنها تتناول برنامج طهران الصاروخي أو شبكة وكلائها، وهما الأمران اللذان طالما جرى الاستشهاد بهما باعتبارهما العيبين القاتلين في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، وهي العيوب التي ساعدت، بحسب كلمات الرئيس دونالد ترامب، في جعل ذلك الاتفاق «أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق».

أما مذكرة التفاهم الأخيرة، كما سُرّبت حديثا إلى موقع «أكسيوس»، فتسير، في خطوطها العامة، على النحو الآتي: يواصل الطرفان وقف إطلاق النار لمدة ثلاثين يوما، يرفعان خلالها تدريجيا حصاريهما عن هرمز، ويتفاوضان على اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي الإيراني.

كان الموقف الأمريكي الأول، قبل الدخول في تلك المحادثات، هو أن تلتزم طهران بعدم تصنيع أسلحة نووية. وهذا أمر دأبت إيران على قوله، ومن ثم لا ينبغي أن يشكل عقبة. لكن، بالقدر نفسه، لن يكون أي تصريح جديد أكثر إقناعا مما قيل في الماضي.

أما المطلب الثاني، فهو أن تقبل الجمهورية الإسلامية بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين 12 و15 عاما. وكانت الولايات المتحدة قد اقترحت سابقا 20 عاما، فردّت إيران بخمس سنوات. لذلك، فإن الاستقرار عند 15 عاما سيبدو أقرب إلى أفضل سيناريو ممكن، خاصة بعدما قال المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، إن بلاده ستحرس حقوقها النووية كما تحرس حدودها.

أما المطلب الثالث، كما ورد في التسريبات، فهو أن تسلّم إيران كامل كمية اليورانيوم التي خصّبتها بنسبة 60%، والبالغة 440 كيلوجراما. وهذه درجة نقاء لا يُعرف لها استخدام مدني، ولا تفصلها سوى خطوة قصيرة عن نسبة 90% اللازمة لتغذية رأس نووي. وسيتعين على إيران كذلك أن تقبل بنظام تفتيش نووي معزز، وأن تحدّ، بعد انتهاء فترة الوقف، أي تخصيب لاحق لليورانيوم عند نسبة 3.67%، وهي النسبة المطلوبة لإنتاج وقود لتوليد الطاقة الكهربائية. وفي المقابل، ستحصل طهران على تخفيف للعقوبات وإفراج عن الأموال المجمدة.

بعبارة أخرى، سيكون هذا اتفاقا يشبه، في جوانب كثيرة، خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، التي أسقطها ترامب في 2018 لأنها سعت إلى تقييد برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، لا إلى إنهائه. إن مرور الوقت وتطورات أخرى يجعلان المقارنة بين العناصر الأساسية صعبة؛ فإيران، على سبيل المثال، لم تكن تملك يورانيوم مخصبا بنسبة 60% في عام 2015. ومع ذلك، يصعب تجاهل أصداء الاتفاق القديم، مثل بند الانقضاء بعد 10 إلى 15 عاما، الذي يترك لإيران حق التخصيب.

يسيء ترامب وأعضاء حكومته إلى حجتهم المؤيدة للحرب بسبب اضطراب خطابهم. فقد أضعف الصراع بشدة قدرة إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية، وهي القدرة التي كانت قد تسارعت بعد أول هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك في الصيف الماضي. كما أضعف قدرة طهران على دعم وتوجيه شبكة الوكلاء الحليفة لها، من اليمن إلى غزة، ومن لبنان إلى العراق.

وهكذا، فإن القصف أنجز بالفعل جزءا من العمل الذي كان يمكن لنسخة أفضل من الاتفاق النووي أن تنجزه. لكن إن أردت أن تعرف ما إذا كان ذلك كافيا لجعل قرار الذهاب إلى الحرب مفهوما، فانظر فقط إلى رد فعل إسرائيل على احتمال التوصل إلى اتفاق ينهيها: لقد شنت غارات جوية على بيروت، وهو خط أحمر كفيل بإفشال أي اتفاق في نظر طهران، وذلك للمرة الأولى منذ أعلن ترامب وقف إطلاق النار في 8 أبريل، وهو وقف حاولت إسرائيل أيضا تقويضه عبر ضربات واسعة على العاصمة اللبنانية.

كانت أولويات إسرائيل تتمثل في تدمير برنامج الصواريخ الإيراني بالكامل، وشلّ قدرة إيران تماما على دعم شبكتها من الوكلاء وتحريكها ضد إسرائيل.

لم يتحقق هذان الهدفان، وربما لا يمكن تحقيقهما من دون تغيير النظام أو انهيار الدولة الإيرانية. ولا يوجد اتفاق يمكن للجمهورية الإسلامية أن تقبل به وتستطيع إسرائيل أن تؤيده. ومع أن الخروج من هذه الحرب، كما تمثله مذكرة التفاهم المسرّبة، هو الخيار الصحيح للولايات المتحدة، فإنه لا يمنح قرار شنّها معنى استراتيجيا مقنعا.