نحتاج إلى حراك ثقافي مستمر طوال العام، نحتاج أن نخرج من الموسمية التي تصاحب أجندتنا الثقافية، وأن نتحرك خارج الزمن، ونُفعّل الدور المؤسساتي في مشاريعنا الثقافية. صحيح أن لدينا مهرجانات للشعر والأغنية، وجلسات نقدية في القصة والرواية والمسرح، تتوزع على مؤسسات حكومية وأهلية، ولكنها تبقى فعاليات متناثرة، دون إطار عام لها، وتبقى أمسيات ثقافية متباعدة الهدف والمركز، لذلك نحتاج إلى لملمة هذا الشتات، والجهد المتناثر، والعمل على (إشاعة) العمل الثقافي في كل المحافظات والولايات، بما يحقق الهدف العام من هذه الفعاليات، وهو ترسيخ التفاعل الاجتماعي، ووضع الثقافة والأدب في صميم الاهتمام الشعبي في كل مكان من سلطنة عُمان، وتوزيع هذا الفعل الثقافي على جغرافيا الوطن.
ولعل في دخول مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم على خط مسابقات (النص الواحد)، من خلال مسابقة (قوافي) التي أطلقها قبل فترة، متنفسا جديدا للشعراء؛ حيث دأب المركز على إقامة منافساته للأعمال الشاملة، والمجاميع الشعرية والروائية، من خلال جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، والتي ترصد الجهد المتكامل للشاعر أو الأديب أو الفنان، بينما تأتي هذه المسابقة المستحدثة مؤخرا، ليتنافس فيها النص الواحد، وهو ما يتيح لعدد أكبر من الشعراء المشاركة في هذا الحدث التنافسي الجديد، وتبقى هناك مسألة مهمة، وهي العمل على إيصال صوت هذه المسابقة إلى جميع المحافظات، من خلال قنوات التواصل الاجتماعي، أو حتى التواصل الفردي مع الشاعر، لتضمن المسابقة مشاركة أكبر عدد من الشعراء، مما يعطيها زخما جيدا في بداياتها، ومساحة انتشار أوسع لها.
إن توسيع خارطة الفعاليات والمسابقات الإبداعية في سلطنة عُمان يتيح للشعراء دعما معنويا وحافزا مشجعا للخروج من دائرة الركود التي يعيشها الكثير من المبدعين، والذين يفرّغون طاقاتهم الكتابية في مسابقات خارجية، بينما هم يحتاجون في الأساس إلى التواصل مع الفعاليات المحلية؛ حيث ينطلقون فيما بعد خارجيا، ويبدعون في سماوات أخرى، ويتحدون أنفسهم، ويحصلون على الزخم النفسي والثقة بأنفسهم، والذي يبدأ من هنا، من بلادهم.
إن الطاقات الشبابية الإبداعية بحاجة إلى من ينظمها، ويأخذ بيدها، ويشغلها بشكل دائم، وذلك عن طريق المسابقات أو المحاضرات أو حلقات العمل المتخصصة، وكل هذا لا يأتي دون العمل أولا على تجسير تلك الهوّة المفتعلة بين الكاتب والمؤسسة، والتي قامت على عدم فهم كل طرف لاحتياجات الآخر، فالمثقف، سواء كان شاعرا أو ممارسا لأي شكل أدبي، بحاجة إلى التقدير، والاهتمام، والتواصل، وفي الجانب الآخر فالمؤسسة الرسمية بحاجة إلى المثقف لمواصلة رسالتها، وتعميق هدفها، والوصول إلى غايتها، وهذا لا يتحقق إلا من خلال العمل الثقافي المشترك، والانصهار في بوتقة جهد جماعي، يغطي تلك المساحة المكشوفة من صحراء التواصل الجاد بين المؤسسة الثقافية، والفرد المشتغل على الكتابة.