أسوأ ما في الإعلام، أنه عندما نستمع للوهلة الأولى إلى وجهة نظر معتمدة على إخراج إعلامي ذكي، ترافقها تغذية بصرية وسمعية أذكى، تغيب عنا بقية الحقيقة، فالضخ العاطفي والنفسي اللذيْن استخدما بذكاء، حولنا سريعا إلى مؤيدين للفكرة دون أن نشعر بأي حاجة للاستماع إلى وجهات النظر الأخرى؛ حيث نشعر بالاقتناع الكامل والاكتفاء التام بما سمعناه دون أي رغبة بأن نستمع للوجهات الأخرى.
كنت أشرف على إدارة فيها حوالي 48 موظفا، وكنت أرى وأشاهد بعض هذه العقول الذكية في الترويج، التي كأنها تقسم بينها وبين نفسها بألا تخرج من عندي إلا بتوقيع على ما تحمله لي في الملف!! ومع انتشار المنصات والمروجين والمواقع ومكاتب وشركات صناع المحتوى؛ صرنا نعاني أكثر. فأغلب الوحدات الحكومية أصبحت تلجأ لهم لترويج وجهة نظرها التي تراها صحيحة ومهمة ووحيدة.
أما أصوات الأطراف الأخرى بالموازاة، فهي لا تملك القدرة على تنظيم وجهة نظرها في خطط دعائية ذكية ومقنعة تصرف عليها باستمرار لتصل للجميع.
هذا ما يحصل دوما على مستوى رؤساء الأقسام والمديرين وأصحاب القرار الأعلى.
ويأخذ المشروع طريقه إلى التنفيذ، وقد انزوت وجهة النظر الأخرى بحيث لا تكاد ترى. ومع تنفيذ المشروع والصرف عليه تتبين المثالب والعيوب.
لذا في مجتمعاتنا غالبا ما ندفع قيمة المشروع مرتين، مرة لدى التنفيذ، ومرة لدى اكتشاف العيوب والمثالب والعمل على تجنب آثارهما الضارة.
وكما يقول المثل: «لا يصلح العطار ما أفسده الدهر»، فما يفسده الإعلام المروج الذكي لا يصلحه إلا ضخ المزيد من الأموال والجهود؛ كي يحقق المشروع مبتغاه.
وربما يتوقف المشروع في المنتصف ويموت بالسكتة القلبية بعد أن تتبين الآثار الضارة وعدم القدرة على علاجها.
لابد من معالجة خلل غياب وجهات النظر الأخرى بطريقة من الطرق؛ بعضها تنجح فيها مناقشات المختبرات، وبعضها تفشل. فبعض المختبرات تضم صقورا قادرة على قلب الطاولة على من يخالف وجهة نظرها؛ وحتى لا يتحول النقاش إلى سجال وجدال وخلاف، تفضل الأطراف الأخرى السكوت، فقد قالت ما عندها وأخلت ذمتها. أما بعض المناقشات العلنية فهي منذ البداية تستخدم أسلوب حجز بعض الأسئلة المكتوبة من الجمهور السائل، فلا يعرف الناس إلا ما طرح علنا، ولا يعرف ما تم حجبه، وتبقى القضية المعروضة ناقصة النقاش.
ويبقى الإعلام سلاحا ذا حدين في مناقشة القضايا والمشاريع المحلية، ينتصر فيه من يمتلك ناصية الإعلام، تنظيما وترتيبا وظهورا وصرفا.
أليس من حل، أليس من آلية تحقق التكافؤ للأطراف في العرض الإعلامي؛ كي لا تختطفنا وجهة النظر الواحدة، وثم نندم لاحقا.