نعيش اليوم في عصر الوفرة المعلوماتية - وإن كانت وفرةً موجهةً بالضرورة مع تقييد الكثير من المعلومات لاعتبارات تتعلق بأمن المعلومات أو أمن الأفراد أو مصالح المؤسسات - حيث يمكن للإنسان دخول أي بوابة مفتوحة للمعرفة في شتى المجالات متعلمًا باحثًا متابعًا .
ومع كل تلك الوفرة تنشأ الحاجة للاختيار والتمييز والمقارنة وانتخاب المقروء دون المُهْمَل، ولعل لقائمة المهمل معايير مرتبطة باهتمامات القارئ، عمره وخبراته وشبكة علاقاته الإنسانية.
كما أن للمقروء ذات المعايير وذات الارتباط؛ فهل لكل تلك المعلومات تأثير على واقع الإنسان في حياته، وعلاقاته، وحالتيه النفسية والعقلية؟ وإن كان لها أي تأثير فهل هو تأثير إيجابي أم سلبي؟ هل يمكن الثقة في مصادر المعلومات المتوافرة رقميا عبر منصات البحث والتواصل الاجتماعي، بل وحتى القنوات الإعلامية؟
وفي خضم بحر المعلومات والمعارف والأخبار لا بد من سؤال:«من الذي دفع للزمّار؟»
السؤال الذي وثقته الكاتبة البريطانية ف. س. سوندرز في كتابها «من الذي دفع للزمار؟» في إشارة إلى تداخل الثقافة والمعرفة بالدعاية والصراع الأيديولوجي عبر مؤسسات ومجلات ومؤتمرات وشبكات دعم سري تستهدف التأثير في الوعي الشعبي العالمي.
كيف يمكن لجموع من المثقفين والفنانين والكتاب والعلماء والسياسيين والمبدعين في شتى المجالات الاندفاع بحماس لتنفيذ أجندة «زمار ما» عن وعي تام وجهد مدفوع، أو عن جهل تام وحماس مجاني؟.
يحاول أحدنا معرفة ما يدور حوله من أحداث قريبة ليصطدم عقله بأسطول من المعلومات في حقول مختلفة، وابلٍ من تفاصيل التفاصيل حول صراعات سياسية، تنافس وسباقات اقتصادية، مفاوضات محلية وإقليمية وأخرى دولية، تحذيرات حول أزمات بيئية وكوارث طبيعية، مخاوف من انتشار الأوبئة والأمراض؛ قديمة معروفة أو حديثة مجهولة، أنباء تأتي بدعوى أو ادعاء تصنيع الأوبئة لصالح شركات الأدوية والمختبرات والمصانع البيولوجية.
ورغم إدراكنا ليقين وجود «الزمّار» مع كل ذلك، فلا يمكن التنبؤ به أو بمن يدفع له، فردًا أو جهة أو دولة، ثم ما جدوى المعرفة أصلا إن لم تكن معرفة مؤثرة؟
هل يملك العارف -بعد عناء المعرفة- حق تغيير الواقع؟
هل يملك منع مؤثرات الواقع من التأثير على واقعه الشخصي؟ هل يمكنه حماية عقله وقلبه وحتى جسده من الوقوع في دائرة التأثر السلبية مع كل حمولاتها النفسية والاجتماعية والفكرية؟
وإن كانت المعرفة تقتضي كل تلك المشقة، فهل يجد المرء بغيته في راحة الجهل ونعيم التجاهل؟ هل من السهل الوصول إلى مرحلة اللامبالاة حيث لا يهتم أحدنا حينها بأي صراعات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟
هل يمكن النأي ذاتيًا عن كل أسباب القلق والتوتر، متمثلة في الإصغاء لفرق الزمارين المدفوعين بـ»أجندات» نفعية ذاتية تخدم أفرادا أو جماعات، أو مؤسسية في خدمة منظمات وشركات، أو حتى دولية على نطاق أوسع وقطاع أكبر؟
هل يمكن التركيز على الانتخاب والاختيار في عصر التشتيت والتضليل؟
وإن كانت سوندرز ناقشت تشكيل الوعي وتوجيهه في القرن العشرين ووجدت كثيرا من الزمارين والأكثر من الدافعين، فلا أصعب من واقعنا المعيش اليوم، ولا أسهل من وسائل تشكيل الوعي بما يتوافر من أسباب الانتشار ووسائل الاتصال والتواصل، لا أيسر من التأثير في الجموع بأدوات التقنية الحديثة القادرة على صناعة الموقف، وتأثير المشهد مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في تجنيد الجموع وتسويق الرأي عالميا.
ختاما: لن يتوافر واقع اليوم على مُرشِّحات فكرية قادرة على تصفية المُتاح من معلومات ومعارف وأخبار وقايةً للمتلقي من الوقوع في شتات ذهني، أو قلق فكري أو حتى عزلة اجتماعية، كلها مصائد سهلة لمخلوقات هشة فكريا، مُستنزفة جسديا و عاطفيا.
ومع كل ما نعيش من صراعات وحروب عسكرية، وأخرى فكرية لا بد من العمل على الموازنة بين الواجب معرفته، اللازم الإحاطة به، وما لا ينبغي أن يقلقنا الجهل فيه من باب «علم لا ينفع وجهل لا يضر» سعيًا لحماية عقولنا من التهويل والتضليل، وأرواحنا وأجسادنا من الإنهاك والتفريغ، وليس ذلك بالأمر الهين مع ضفتي الاستغراق في تعميق الوعي، أو الإفراط في تسطيح الجهل.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية