لندن"د ب أ": رغم أن الحرب في إيران لم تجعل الصين بديلا أمنيا للولايات المتحدة في الخليج، فإنها فتحت أمام بكين فرصا لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، مستفيدة من تراجع الثقة الخليجية بواشنطن واتجاه المنطقة نحو تنويع الشراكات والتحالفات. هذا ما أكده الباحث أحمد أبو دوح، وهو زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومتخصص في شؤون الخليج والتحولات الجيوسياسية في المنطقة، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس). ويقول أبو دوح إن الحرب في إيران جعلت مستقبل تموضع الصين في الخليج أكثر غموضا. وسارع بعض المحللين إلى الاستنتاج بأن الحرب كشفت غياب الصين وأثبتت أن الولايات المتحدة هي الشريك الأمني الوحيد الموثوق لدول الخليج. بينما رأى آخرون أن الحرب دفعت دول الخليج أكثر نحو الصين مع تراجع الهيمنة الأمريكية. غير أن هذه النظرة الثنائية تتجاهل عاملا أساسيا في سياسات بكين تجاه الشرق الأوسط، فهي لا تقوم على نموذج "الموازن" أو "مزود الأمن". وفي الواقع، تفتقر الصين إلى رؤية واضحة لكيفية التعامل مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة. لكنها قد تجني مكاسب سياسية ومعيارية وسمعة دولية في ظل تزايد الاستياء من واشنطن، وإعادة ترتيب الأولويات في الخليج، بما يتيح لها التدخل على حساب الولايات المتحدة. لذلك، فإن الأثر الرئيسي للحرب لم يكن دفع الصين إلى مسار استبدال الولايات المتحدة كمزود أمني للمنطقة، بل ربما خلق الظروف التي تسمح لبكين بلعب دور في تشكيل نظام إقليمي جديد.
يقول أبو دوح إن الحرب في إيران كشفت عن ثلاث ديناميكيات رئيسية تتعلق بأمن الخليج واصطفافاته المستقبلية. أولا، أن القوة العسكرية الأمريكية لها حدود، وأن التصعيد ليس بالضرورة بديلا عن الردع. وبالنسبة لدول الخليج، ربما أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية عبئا لا مصدرا للأمن. كما أن دول الخليج لم تختر هذه الحرب، بل إن الولايات المتحدة تجاهلت دعواتها لتجنبها. وهكذا، فإن الدولة التي كان يفترض أن تضمن أمن الخليج أصبحت تعرضه للخطر، حتى وإن كانت أنظمة الدفاع، المصنوعة بمعظمها في الولايات المتحدة والمنتشرة لدى دول الخليج، أساسية في حماية السكان من هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة. ثانيا، أظهرت إيران أن قدرات صواريخها وطائراتها المسيرة، إلى جانب استخدامها مضيق هرمز كورقة ضغط، يمكن أن تخلق توازن ردع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يتيح لطهران انتزاع تنازلات مهمة على المستويين التكتيكي والسياسي. ثالثا، أن الولايات المتحدة والصين لا تتنافسان في الخليج حول مسائل الحرب والسلام، بل إن مصالحهما بدت متقاربة.
وكان موقف الصين بشأن إنهاء الحصار لافتا بوضوح. ففي اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، دعا الرئيس الصيني شي جين بينج إلى أن "يبقى مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة الطبيعية، بما يخدم المصالح المشتركة لدول المنطقة والمجتمع الدولي". وجاء الاتصال بعد أيام من لقاء شي مع ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد في بكين. ولم يجر شي أي تواصل مباشر مماثل مع القيادة الإيرانية، رغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى نظيره الصيني وانج يي في بكين هذا الأسبوع لمناقشة الحرب. وبعد الاجتماع، دعت الصين كلا من إيران والولايات المتحدة إلى فتح المضيق. وبذلك، كانت الصين توجه رسالة ضمنية بعدم رضاها عن إغلاق إيران للمضيق، وعن الحصار الأمريكي على الشحن الإيراني، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تقارب مع أولويات الخليج. لكن رغبة بكين في فتح المضيق تعكس أيضا أولوية أعلنها ترامب نفسه، بما يمهد الطريق قبل القمة المرتقبة بين شي وترامب. ويقول أبو دوح إن هذه التطورات سرعت التحولات في التفكير الاستراتيجي الخليجي. وكان أحد آثارها المباشرة دفع دول الخليج إلى تقليل الاعتماد على الحماية الأمريكية عبر تطوير قدرات دفاعية محلية متقدمة تكنولوجيا. ويبدو أن الصفقات التي أبرمت مع أوكرانيا، والتي تضمنت توفير الوقود مقابل خبرات في الدفاع ضد المسيرات، تدخل ضمن هذا التوجه. تنويع مصادر التسلح ويعكس ذلك تحولا طويل الأمد نحو نموذج أكثر تنوعا في المشتريات العسكرية، قائم على تعدد الشراكات الصناعية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة، وكذلك مع بريطانيا وأوكرانيا وباكستان وتركيا وكوريا الجنوبية.
ومن المرجح أن تتغير العقيدة السابقة، القائمة على شراء منصات دفاعية أمريكية باهظة الثمن لكسب النفوذ في واشنطن، نحو التركيز على مواجهة تهديد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية عبر شراء منصات منخفضة التكلفة تنتج على نطاق واسع.
ويمكن للصين أن تؤدي دورا في هذا المسار. وصحيح أن صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج وإتاحة الأقمار الصناعية الصينية ساعدت، بحسب تقارير، المجهود الحربي الإيراني. لكن السعودية والإمارات تعدان بالفعل من أكبر مشتري الطائرات المسيرة والتقنيات الدفاعية الصينية الأخرى، وقد ترى الدولتان أن تعزيز التعاون الدفاعي مع الصين في مجالات لا تعتبر تهديدا أمنيا في نظر واشنطن قد يكون استراتيجية حكيمة بعد الحرب، بهدف تعزيز النفوذ لدى بكين وموازنة الدبلوماسية الإيرانية.
* تسهيل الحوار والاستثمار
لكن تنويع التعاون الأمني لا يضمن سلاما دائما في الخليج. فبغض النظر عن أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ستضطر دول الخليج وإيران في مرحلة ما إلى مواجهة حقائق غير مريحة عبر الاتفاق على إنشاء إطار أمني إقليمي شامل. وفي هذا السياق، قالت المسؤولة الإماراتية ريم الهاشمي في 3 مايو: "الجغرافيا هي الغالبة .. وسيتعين علينا أن نتعايش مع بعضنا البعض، دول الخليج وإيران". وهنا يمكن للصين أن تلعب دورا مهما. فإلى جانب باكستان وتركيا وبعض القوى الأوروبية، بما فيها بريطانيا، تبدو بكين في موقع جيد لتسهيل الحوار بين الخليج وإيران وبناء علاقة عملية بين الطرفين على المدى المتوسط. ويقول أبو دوح إن الصين قد تستخدم القمة الصينية ـ الخليجية الثانية في يونيو للترويج لنموذجها المعياري الخاص بإطار أمني خليجي، المبني على مبادئ "مبادرة الأمن العالمي"، والتي تنسجم مع هذه الديناميكيات الجديدة. وخلال لقائه الشيخ خالد، أكد شي المبادئ الصينية لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، قائلا إن بكين مستعدة لـ "دعم دول الخليج في تحسين علاقاتها والعمل على بناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام" في الخليج.
ورغم أن هذه المبادئ ليست جديدة، فإنها قد تبدو أكثر واقعية وجاذبية لدول المنطقة في ظل غياب التزامات أمنية أمريكية مطلقة. كما أن تبني أفكار الصين بشأن الأمن الإقليمي يتماشى مع التحول في تفكير المسؤولين السعوديين، إذ باتت الرياض تعطي الأولوية للتحول إلى مركز رئيسي للتخفيف من مخاطر مضيق هرمز، عبر إنشاء بنية تحتية تتجاوز المضيق وتربط الخليج بالبحر الأحمر. وقد يشكل تطوير هذه البنية التحتية فرصة جذابة لمستثمري مبادرة "الحزام والطريق"، وكذلك لعمليات إعادة الإعمار الناتجة عن أضرار الحرب. ومن شأن ذلك أن يساعد على توسيع المعاملات المقومة بالرنمينبي على المدى الطويل، بما يجعل البنية التحتية والتجارة مع المنطقة أكثر جاذبية لبكين. وفي الوقت نفسه، قد يتم تأجيل الممرات الاقتصادية المصممة للتكامل الإقليمي مع إسرائيل، مثل مشروع "آي إم إي سي"، في ظل تراجع اهتمام الرياض ودول خليجية أخرى بالتطبيع مع إسرائيل، وارتفاع الدعوات إلى خفض التصعيد والتعايش مع إيران. لذلك، فإن الحرب لم "تدفع" الخليج نحو الصين، ولم تخرج بكين من معادلة الخليج، بل غيرت نظرة دول الخليج إلى فوائد تنويع الشراكات، في وقت يتزايد فيه الانخراط الدبلوماسي الصيني في منطقة تتجه نحو مشهد أمني متعدد الطبقات، قائم على القضايا والتنوع. يخلص أبو دوح إلى أن الولايات المتحدة ستبقى المزود الأمني الرئيسي للمنطقة، لكن ضمن سياق من خفض التصعيد المدار في الخليج، حيث تتزايد الشهية للاستثمارات والمنتجات والدبلوماسية الصينية.