دانيال بنعيم  و إليسا إيورز

في مايو الماضي، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة مظفّرة إلى السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وعلى امتداد جولة استغرقت أربعة أيام، أبدى إعجابه بـ«العجائب المتلألئة» في عواصم الخليج، واحتفى بخططها الطموحة للتحديث، واستعرض ما يزيد على ثلاثة تريليونات دولار من التعهدات الاستثمارية الخليجية و«الصفقات الكبرى» بين الشركات الأمريكية والخليجية.

كم تغيّر المشهد خلال عام واحد؛ فطوال أسابيع بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 فبراير، واجهت دول المنطقة وابلا من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية ومطارات ومصافي نفط ومراكز بيانات.

وفي 8 أبريل، تم إعلان وقف إطلاق النار، غير أن إيران أغلقت فعليا مضيق هرمز، فأوقفت شحن النفط والغاز والسلع الأخرى من الخليج.

والمشكلة التي يواجهها قادة الخليج الآن أوسع من وضع مضيق هرمز؛ فهم لا يريدون نظاما إقليميا يستطيع فيه جار أن يقرر كيف تتصل اقتصاداتهم بالعالم. وكثيرون منهم قلقون من الطريقة التي أدارت بها واشنطن الحرب، ومن الطريقة التي تدير بها مفاوضات السلام المحتمل. وفي كل دولة خليجية استراتيجيون يدعون إلى خفض مستوى العلاقات مع الولايات المتحدة أو قطعها، مشيرين إلى أن الالتزامات الأمنية الأمريكية عجزت عن ردع الهجمات الإيرانية، وورّطت المنطقة في حرب امتدت أشهرا.

لم تكن دول الخليج تحتاج إلى سلام كامل في جوارها الخطر. غير أن جهودها خلال العقد الماضي لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن الوقود الأحفوري، وتخفيف القيود السياسية والاجتماعية، تعتمد على إبقاء الاضطراب الإقليمي تحت السيطرة.

وفي المستقبل المنظور، يعني ذلك الاستمرار في النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الاستراتيجي والأمني الأساسي، لأن العلاقات عميقة، ولأن الخليج لا يملك بدائل جيدة.

وقد تحاول دول خليجية مختلفة، نظريا، إبرام سلام منفصل مع إيران، أو معاقبة إيران، أو التكتل والانكفاء إلى الداخل، أو العثور على شركاء خارجيين آخرين لتعويض بعض ما تقدمه الولايات المتحدة. لكنّ أيا من هذه الخيارات لن يمنحها الاستقرار الذي تحتاج إليه لمتابعة أهدافها الداخلية.

ورغم مسؤولية واشنطن عن الحرب الحالية، وتقلب سياساتها، والضرر الذي ألحقته أفعالها بالاقتصادين الإقليمي والعالمي، ستظهر بعد النزاع فرصة لتعميق الشراكة الأمريكية الخليجية. وقد تخسر الولايات المتحدة هذه الفرصة إذا تخلت فعليا عن مضيق هرمز للسيطرة الإيرانية.

وإذا استطاعت إنهاء الحرب وتأمين حرية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي، فستحصل على فرصة لترسيخ علاقاتها الاستراتيجية مع المنطقة، وجني المنافع الاقتصادية من المشاركة في تعافيها بعد الحرب.

لقد أثبت الاضطراب الاقتصادي العالمي الذي سببته هذه الحرب خواء الادعاء القائل أن الخليج يحتاج إلى واشنطن، بينما لم تعد واشنطن تحتاج إلى الخليج. في الحقيقة، يحتاج الطرفان إلى الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية التي يقدمها كل منهما للآخر كي يتمكنا من التعامل مع عالم تنافسي لا يمكن التنبؤ به.

أين أوراق الضغط؟

دفعت هذه الحرب إلى مراجعة داخلية في الخليج. كان يفترض بالضمانة الأمنية والوجود العسكري الأمريكيين أن يسندا استراتيجيات التنمية لدى دول الخليج، وأن يحدّا من الاضطراب الإقليمي كي تستطيع هذه الدول مواصلة تحولها الداخلي. لكنهما بدلا من ذلك جذبا الرد الإيراني إلى أراضي الخليج. كما أن محاولات دول الخليج خلال السنوات الماضية التوصل إلى تهدئة مع إيران عجزت عن منع طهران من ضربها.

لم تهرب الشركات متعددة الجنسيات، لكن منشآت تجارية تضررت، وإيرادات فُقدت، وأعمالا توقفت، وهو ما أثار أسئلة حول مستقبل الخليج بوصفه وجهة تنافسية للمواهب والاستثمار الدوليين. يمكن إعادة بناء المصانع واستعادة الإيرادات، لكن الثقة أصعب ترميما.

السيناريو الكابوسي لدول الخليج أن تنتهي الحرب بإيران ضعيفة لكنها غير مهزومة، ومضيق هرمز مغلقا فعليا، والخليج واقعا مباشرة في مرمى نظام ناقم. قد يتمنى بعض قادة الخليج أن «تنجز واشنطن المهمة»، كما قال السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام وآخرون، وأن تنزع سلاح إيران بصورة حاسمة. لكن معظمهم يدرك أن نتائج أخرى أكثر ترجيحا.

وحتى وقف إطلاق نار ممتد، تتخلله ضربات أمريكية وإسرائيلية متفرقة على إيران، سيعني سنوات من عدم اليقين الاقتصادي.

ومع ذلك، فإن خيارات دول الخليج لاستعادة أمنها كلها غير مقنعة؛ فبعض دول الخليج قد تضع قواتها العسكرية في خدمة الجهد الحربي الأمريكي الإسرائيلي، في محاولة لتقليل التهديد الإيراني.

لكن دولا أخرى ستقلق على الأرجح من الرد الإيراني، أو ستتحفظ على إسرائيل التي ترى الآن أنها تسهم في عدم الاستقرار الإقليمي. وبصورة عامة، لم تكن دول الخليج راضية عن جرّها إلى هذه الحرب التي أطلقتها واشنطن خلافا لنصيحتها، كما أن خطاب إدارة ترامب المتقلب وأفعالها منذ بداية الحرب أثارا أسئلة حول موثوقية الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يدرك قادة الخليج عموما استمرار التهديد الإيراني، والدور الأمريكي الذي لا بديل عنه في مواجهته. وكما قال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش: «الصواريخ كانت إيرانية وأنظمة الدفاع كانت أمريكية».

ورغم فشل الردع، نجحت هذه الدفاعات إلى حد كبير في اعتراض الصواريخ الإيرانية ومنع وقوع هجمات توقع خسائر بشرية كبيرة في الخليج.

ومن حق دول الخليج أن تفخر بأداء قواتها المسلحة وصلابة مجتمعاتها. لكن انتهاج مقاربة أكثر مواجهة تجاه إيران قد يؤدي إلى مزيد من تأخير المشاريع الاقتصادية الداخلية لدول الخليج، ويضع أراضيها تحت الخطر، من دون أي ضمانة بأن واشنطن ستساعدها في إدارة التداعيات.

قد تحاول دول الخليج أيضا أن تتكتل معا لتعزيز أمنها الجماعي، ودمج اقتصاداتها، واستخدام أوراق نفوذها لدى طهران وواشنطن لضمان أخذ مصالح الخليج في الاعتبار خلال محادثات إنهاء الحرب. غير أن الانقسامات السياسية بين هذه الدول تقف عائقا أمام مثل هذا الجهد.

ومع أن الحرب ألحقت الضرر بالجميع، فقد عاشت دول الخليج هذا النزاع بطرق مختلفة جدا، وهي تختلف الآن حول ما ينبغي فعله بعده. فالإمارات، مثلا، تعرضت لصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية أكثر مما تعرضت له إسرائيل، وبعدد يقارب ما تعرضت له بقية دول الخليج مجتمعة؛ ولذلك باتت الدولة شديدة القلق من آفاق الدبلوماسية.

أما عُمان، في المقابل، فلديها منفذ مباشر إلى المحيط الهندي، وهو ما مكّنها من تحقيق مكاسب اقتصادية من إغلاق إيران لمضيق هرمز، كما أنها، بحكم دورها الطويل كوسيط إقليمي، سعت إلى تسوية دبلوماسية مع إيران. وتقف دول أخرى في مواقع وسط بين هذين الموقفين، فيما لم تظهر بينها مظاهر وحدة مقنعة كثيرة.

الأرجح أن تتحرك دول الخليج منفردة، كما اتضح أخيرا في انسحاب الإمارات من منظمة أوبك، في تعبير عن رغبتها بألّا تبقى رهينة قرارات تتخذها السعودية، القائد الفعلي للمنظمة.

وبدل أن تشن دول الخليج هجوما بنفسها على إيران، أو تنتظر أن تنهي واشنطن الحرب، قد تسعى كل دولة خليجية منفردة إلى تفاهمات مع إيران. وباستثناء محتمل للإمارات، قد تخلص هذه الدول جميعا إلى أن حماية اقتصاداتها تتطلب خفض التصعيد، والتوصل إلى نوع من ترتيب عملي في مضيق هرمز. وإذا خشيت أن واشنطن قد لا تحقق مثل هذا الحل، فقد يرغب قادة الخليج في إبرام صفقاتهم الخاصة مع طهران.

لكن التهدئة لن تكون سريعة ولا سهلة على الأرجح؛ فالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أمطرت مدن الخليج للتو. وقادة الخليج معتادون على المساومات العملية مع الخصوم، لكنهم سيترددون في تقديم تنازلات للمطالب الابتزازية التي قد تفرضها طهران للسماح بمرور السفن الخليجية عبر المضيق.

وفي أعقاب الحرب، قد تسعى دول الخليج أيضا إلى تنويع شراكاتها لتقليل اعتمادها الاقتصادي والاستراتيجي على واشنطن.

وقد تمتعت دول الخليج بعلاقات قوية مع روسيا والصين لسنوات، وقد تسعى إلى تعميق هذه العلاقات.

غير أن المشكلة تكمن في أن أي قوة أخرى لا تستطيع أن تقدم لها ما تقدمه الولايات المتحدة. فروسيا مشغولة بأوكرانيا، وتكاد تتمسك بصعوبة بموطئ قدمها الشرق أوسطي في سوريا. أما الصين فتمتلك نفوذا في طهران بحكم حجم اقتصادها ودورها بوصفها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، لكنها لم تبدِ رغبة في تحمل مسؤولية توفير الأمن الإقليمي.

وقد بقي القادة الصينيون إلى حد كبير خارج النزاع الحالي، ولم يدخلوا في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب إلا عندما بدأ يؤثر في ناقلات النفط المتجهة إلى الصين. صحيح أن للصين علاقات تجارية واستثمارية واسعة مع دول الخليج، لكن الحافة المتقدمة لصناعة الذكاء الاصطناعي في المنطقة لا تزال خاضعة لهيمنة الشركات الأمريكية.

وفوق ذلك، من المرجح أن تتوجس دول الخليج من استمرار الدعم السياسي والعسكري الروسي والصيني للنظام الإيراني، خاصة بعد تقارير أفادت بأن البلدين ساعَدا إيران في استهداف القوات الأمريكية، بما في ذلك ضربات على أراض خليجية.

يمكن للقوى المتوسطة، مثل كندا والهند وعدد من دول أوروبا وشرق آسيا، أن توفر شراكات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية وسياسية ذات قيمة، كما أن القلق المشترك بشأن موثوقية الولايات المتحدة قد يدفع هذه الدول إلى مزيد من الانخراط مع الخليج.

وقد أعرب ما يقارب من عشرين دولة بالفعل عن استعدادها للمساهمة في حماية حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.

وتقدم فرنسا وإسرائيل وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا والمملكة المتحدة وغيرها دعما دفاعيا وسياسيا لدول الخليج. كما تعمل بعض الدول الخليجية ضمن شبكات إقليمية؛ إذ انضمت مصر وباكستان وتركيا إلى السعودية في مفاوضات إنهاء الحرب.

وفي المقابل، تتعاون الإمارات بشكل وثيق مع الهند ـ منافس باكستان ـ ومع إسرائيل، التي أفاد موقع Axios بأنها نشرت قواتها وأنظمة دفاع جوي داخل الأراضي الإماراتية.

هذه الشراكات قد توفر دعما اقتصاديا وسياسيا مهما لدول الخليج، لكنها في نهاية المطاف لا يمكن أن تعوّض منظومة الدعم الشاملة ـ الدفاعية والدبلوماسية والاستخباراتية والتكنولوجية ـ التي تقدمها الولايات المتحدة.

ما الذي يأتي بعد ذلك؟

نظرا لأن أيا من الإجراءات التي قد تتخذها دول الخليج منفردة لن يعيد لها الإحساس بالأمن الذي كان قائما قبل الحرب، فإن الولايات المتحدة ستحصل ـ مهما بدا ذلك غير مستحق ـ على فرصة لإعادة ترسيخ علاقاتها مع الخليج مع اقتراب النزاع من نهايته.

فاستمرار الانخراط الأمريكي في هذه المنطقة يظل مصلحة مباشرة لواشنطن. وقد أظهرت الحرب بوضوح أن الاقتصاد العالمي، وبالتالي الاقتصاد الأمريكي، يعتمد على حرية الملاحة وعلى الصناعات الخليجية ـ ليس فقط النفط والغاز، بل أيضا الأسمدة والبتروكيماويات وغيرها من المنتجات.

على الولايات المتحدة أن تثبت أنها لا تزال مستعدة للقيادة، وأول اختبار لذلك يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو الهمّ الأكثر إلحاحا في عواصم المنطقة. ويمكنها أن تستعين بشركائها الخليجيين في هذا الجهد، وأن تعمل معهم على بناء تحالف دولي لتأمين هذا الممر البحري.

صحيح أن تشكيل تحالفات بحرية مهمة معقدة، لكن حجم الاضطراب الاقتصادي العالمي الأخير، إلى جانب المخاوف الحقيقية من احتمال تراجع الدور الأمريكي، قد يدفع دولا كثيرة إلى إرسال سفن والمشاركة بفعالية ـ بشرط أن تتولى واشنطن القيادة، وأن يبقى هذا الجهد منفصلا عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية غير الشعبية.

كما أن قرار إيران تسعير بعض رسوم عبور السفن في المضيق باليوان الصيني يمنح الولايات المتحدة دافعا إضافيا لحشد مثل هذا التحالف.

الخطوة التالية تتمثل في إشراك الشركاء الخليجيين في بناء الجيل القادم من أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة.

التعاون الأمني لا يجب أن يقوم على معادلة تقليدية تقوم على الحماية مقابل الولاء، بل يمكن أن يتحول إلى شراكة إنتاجية تعود بالفائدة أيضا على القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.

فالحرب الحالية منحت دول الخليج ـ إلى جانب أوكرانيا ـ خبرة عملية نادرة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية (وقد استخدمت روسيا بدورها طائرات «شاهد» الإيرانية في أوكرانيا).

وستسعى هذه الدول إلى استثمار هذه الخبرة، ما يفتح المجال أمام علاقة أمنية جديدة تصبح فيها دول الخليج ليست مجرد مشترٍ، بل مستثمرا ومطورا وشريكا في تصنيع التقنيات الدفاعية. وهذه القدرة الإضافية ضرورية للقطاع الدفاعي الأمريكي لمواكبة التهديدات المتزايدة.

ومع انتهاء الحرب، ينبغي للولايات المتحدة أيضا إحياء الأجندة الطموحة للشراكة الاقتصادية التي طُرحت في مايو الماضي، والتي شملت اتفاقات في مجالات الطيران والطاقة والبنية الأساسية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية. فواشنطن معنية بتعزيز نموذج إقليمي لا يقوم على عسكرة مفرطة ولا على شرعية دينية تقشفية، والتحول الاقتصادي في الخليج بدعم أمريكي يقدم نموذجا في هذا الاتجاه.

ولا تزال المسوغات الاستراتيجية للصفقات الأمريكية الخليجية في مجال الذكاء الاصطناعي ـ وهي جوهر هذه الأجندة ـ قائمة رغم تغير الظروف الأمنية. فالشركات التكنولوجية الأمريكية ستعتمد على رأس المال الخليجي والطاقة والأراضي لبناء مراكز بيانات ضخمة قادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ودعم منظومة تكنولوجية كاملة.

قد تكون الموارد الخليجية أقل مما كانت عليه، وقد تحتاج البنية التحتية إلى تصميم أكثر مرونة مع مستويات أعلى من الحماية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن قادة الخليج سيواصلون إعطاء الأولوية للاستثمار في الصناعات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي.

كما سيحرصون على استئناف النشاط الاقتصادي الطبيعي واستعادة ثقة الشركات الدولية، وقد يزداد توجههم نحو الاستثمارات الآمنة في الولايات المتحدة ما دام عدم الاستقرار الإقليمي مستمرا.

لقد أبرزت الحرب فرصا جديدة للاستثمار أيضا. فقد أظهر شهر من القصف الإيراني أن البنية الأساسية الآمنة، والقادرة على توفير بدائل احتياطية، ستكون حاسمة لمستقبل المنطقة الاقتصادي. وتملك السعودية وعُمان، على وجه الخصوص، موقعا جغرافيا يتيح لهما توفير بدائل لدول خليجية أخرى لتجاوز مضيق هرمز والوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي والمشرق إذا أُغلق المضيق مرة أخرى.

وسيكون هناك طلب على خطوط أنابيب جديدة للنفط والغاز عبر العراق والأردن ولبنان وسوريا، إلى جانب السكك الحديدية وغيرها من بنى النقل، لربط الخليج بأسواق شرق المتوسط وأوروبا. وينبغي للشركات الأمريكية أن تشارك في هذه المشاريع، كما تستطيع الحكومة الأمريكية أن تستخدم قدرتها الدبلوماسية الفريدة على الجمع بين الأطراف للمساعدة في إنجازها.

في المحصلة، يجب على الولايات المتحدة أن تستثمر في أمن الشرق الأوسط وازدهاره معا.

وقد أوضحت الحرب الحالية أن الأدوات العسكرية قد تحقق نجاحا في ساحة المعركة، لكنها قد لا تصنع نصرا استراتيجيا. وسيكون من الحماقة أن تواصل الولايات المتحدة إنفاق هذا القدر الكبير على الأمن من دون أن تفعل المزيد لتعزيز الروابط الاقتصادية.

كانت واشنطن قد بدأت تحوّل سياساتها في هذا الاتجاه في مايو الماضي، قبل أن تدفع هذه الفرصة جانبا بحرب صنعها ترامب بنفسه. وهذه النزعة تستحق الآن أن تُستعاد.

لقد ولّد استعداد الولايات المتحدة لتجاهل نصائح حلفائها، وحماستها للدخول في حروب سيئة التصور، استياء واسعا؛ غير أن هذا النزاع لن يكون على الأرجح الحرب التي تدفع دول الخليج بصورة حاسمة إلى التخلي عن واشنطن.

قال ليون تروتسكي ذات مرة: إن «الحرب قاطرة التاريخ». لكن في هذه اللحظة، وبدل أن تمضي القاطرة نحو شرق أوسط ما بعد أمريكا، فإنها لا تزال عالقة في المحطة.

وإذا استطاعت الولايات المتحدة أن تدير المفاوضات الصعبة المقبلة، وأن تصل إلى تسوية مقبولة للنزاع، فستحصل على فرصة لإنقاذ شراكاتها مع دول الخليج، وربما تعزيزها، بعد هذه الحرب المشؤومة.

دانيال بنعيم زميل دبلوماسي متميز في معهد الشرق الأوسط. وخلال إدارة بايدن، شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شبه الجزيرة العربية.

إليسا إيورز زميلة أولى في دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية. عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»