طاهر علوان 


لطالما شغلت النقاد والسينمائيين بصفة عامة المشاهد الافتتاحية الأولى والقسم الأول من الفيلم الذي يؤكّد عليه كتّاب السيناريو منطلقين من القواعد الكلاسيكية للكتابة الدرامية القائمة على بداية ووسط ونهاية، في أبسط توصيف ممكن، لكن ما يعنينا هو البداية الطبيعية والتمهيد التقليدي لأي فيلم ذلك الذي سوف نمضي معه ما تبقى من زمن الفيلم.
ونجد خلال ذلك أن الغالبية العظمى من الأفلام تمضي مسيرة أحداثها وبناؤها السردي وفق هذه المقدمات القائمة على فرضية أن ما بدأنا به سوف ننتهي عنده سواء من ناحية الشخصيات أو الأحداث.
إلا أننا صرنا نشاهد أفلاما تنقلب فيها المعادلات المرتبطة بالتمهيد والمشاهد الأولى عندما يحصل نوع من التحول الجذري الذي يقلب تلك البدايات رأسا على عقب، ومن ذلك هذا الفيلم للمخرج البارع سام ريمي والذي بدأت مسيرته من عام 1978 أنجز خلالها قرابة عشرين فيلما، ما بين مخرج وكاتب للسيناريو ومنتج وسبق وأتحفنا بأفلام وازنة مثل فيلم "جيش الظلام" وفيلم "خطة بسيطة" وفيلم "الرجل العنكبوت" بأجزائه الثلاثة وفيلم "الدكتور سترينج" الذي وصل فيه إلى ذروة قدراته الإخراجية.
أما في هذا الفيلم، فتكمن براعة سام ريمي في قلب الموازنات وقواعد التمهيد، فهو يقدم في البداية أجواء عمل هادئة لا تخلو من النميمة بين الموظفين في أية مؤسسة أو شركة، وهنا يجري تقديم الموظفة المثابرة وغريبة الأطوار ليندا ليدل -تقوم بالدور الممثلة راتشيل مكآدامز وهي المتفوقة بجدارة والتي تكرس وقتها وطاقتها لعملها وتحملها أعباء استثنائية، فضلا عن ذكائها المفرط في مجال الحسابات والأرقام، إلا أننا نشهد ما نسمع عنه غالبا عن التمييز في سوق العمل ورجحان كفة المعيار الجندري، فالمدير المسؤول سوف يقوم بترقية صديقه ذي الخبرة المحدودة، في مقابل إقصاء ليندا المثابرة ذات الخدمة والخبرة الطويلة الممتدة لسنوات.
يؤسس فريق السيناريو والمخرج من خلال هذا التمهيد لشخصية إشكالية مركبة لا تخلو من تعقيدات نفسية ونزعة انتقام، لكنها كلها متوارية خلف مظهر من الجدّية وعدم الاهتمام بالمظهر، مما يثير انزعاج المدير الشاب الذي يهتم بالمظاهر.
لكن السؤال الذي سوف يذهب بنا بعيدا بل إلى أبعد الاحتمالات وهو، ماذا لو جمعت ذلك المدير الشاب المتعجرف والمغرور برادلي - الممثل ديلان أوبرين رحلة عمل جوية مع ليندا والى جانبهما مساعدوه الذين سوف يمضون جانبا من وقت الرحلة لا لمراجعة المشاريع التي هم ذاهبون للإشراف على تنفيذها في جنوب شرق آسيا بل للسخرية والتنمر على ليندا، بينما هي منهمكة لوحدها في الطائرة في تقييم المشاريع وكتابة المذكرات حتى تكتشف أن المدير وأصحابه كانوا يعقدون جلسة سخرية وضحك عليها والاستخفاف بها والتنمر عليها.
ما هي إلا لحظات ووسط ألم ليندا من ذلك الاستخفاف والسخرية بها وإذا بالطائرة تصاب بعطب وتشتعل في مؤخرتها النيران ويختل الضغط فتقذف القوة الطاردة أولئك الموظفين الواحد بعد الآخر في الفضاء قبل أن تسقط الطائرة حطاما في عرض المحيط العاصف.
من هنا سوف ينقلب مسار الأحداث الذي اشرنا إليه في بداية المقال، ومن هنا أيضا سوف نبدأ رحلة جديدة وفصلا من الأحداث والبناء السردي يرتكز على شخصيتي ليندا ومديرها المتنمر، إذ هما الناجيان الوحيدان وقد لفظهما الموج إلى جزيرة نائية في المحيط وها هما وجها لوجه، لكن المدير المتعجرف سيكون عاجزا ويكاد يلفظ أنفاسه عندما تقوم ليندا بما يلزم من أجل إنقاذه وهي المولعة بالمغامرات في البراري والغابات، ومن هنا سوف نكون مع تقاطع سردي مختلف وحبكات ثانوية متوالية تفصلنا عن تلك المقدمة التي قدمها الفيلم.
حظي الفيلم باهتمام نقدي ملحوظ ربما بسبب مكانة المخرج المجدد سام ريمي والاهتمام الذي تحظى به الممثلة راتشيل مكآدامز، وفي هذا الصدد كتبت الناقدة ايفا كيربي مقالا في موقع أوف سكرين، قالت فيه،
" يمكنني القول عن هذا الفيلم أنه يجمع التناقضات، هو فيلم مثير، ومضحك، ومرعب في آن معا. إنه فيلم جماهيري بامتياز، وفيلم رعب جيد لكل من يرغب في تجربة هذا النوع من الأفلام.
مخرج هذا الفيلم مُصمّم على جعل كل لقطة وانتقال فيه جرعة إثارة قوية للمشاهدين قدر الإمكان ولولا إخراجه الأنيق، لما كان الفيلم بهذه الروعة. كما أن نبرة الفيلم تتأرجح بين الرعب والفكاهة بشكلٍ متكرر، ومع ذلك يُوازن بينهما ببراعة".
أما الناقد ريتشارد كوبر فقد كتب في موقع روجر ايبيرت: " السيناريو الذي كتبه داميان شانون ومارك سويفت لهذا الفيلم لا شك أنه سيناريو ذكيٌّ وساخر، ويحتوي على رؤى عميقة حول كراهية النساء في مكان العمل، والديناميكية المتغيرة بين مدير يخفي اللؤم وموظفة مهمشة ومُساء معاملتها.
وهنا لابد من تسجيل الإعجاب بأعمال الممثلة رايتشل مكآدامز على مر السنين، وخاصة في هذا الفيلم، حيث قدمت أفضل أداء ممكن في مسيرتها الفنية، فيلم مليء بالمشاهد الدموية والفكاهة السوداء والتشويق. هذا أحد أكثر الأفلام المشوّقة التي شاهدتها في السنوات الأخيرة".
إذاً، إنها الحياة في وسط غابة استوائية مطلة على المحيط، مكان معزول عن العالم الخارجي يعجز فيه المدير المغرور والمدلل عن فهم ما حوله، بينما تتكيف ليندا مباشرة وتستخدم كل ما هو متاح لكي تواصل العيش، تصطاد، تستخدم أدوات الطبيعة المتاحة، بينما يشعر المدير المدلل بالقرف من كل شيء وبينما تسعى ليندا لمساعدته للبقاء على قيد الحياة، إلا أن كل ذلك لا يكفي.
من هنا سوف يذهب بنا المسار السردي إلى لعبة استحواذ وانتقام، ليندا، فهي لا تريد أن تخرج من تلك البقعة المعزولة، ولا من المضي في ترويض مديرها المتعجرف وهي تذلّه بشتى الطرق حتى نصل إلى مفترق جديدة من خلال بث حبكات ثانوية من بينها الحضور المفاجئ لخطيبة برادلي وهي تواصل البحث عن خطيبها لعله يكون ناجيا، لكن ليندا في وجهها الآخر الأشد بشاعة سوف تقوم وسط هذا التحول باستدراج الخطيبة ومرافقها إلى منحدر صخري يودي بحياتيهما.
يتحول ذلك الأفق المفتوح ويوميات الصيد البدائي وعوامل الطبيعة المتقلبة من عواصف وأمطار إلى مفردات يومية معتادة على الرغم من محاولة اوبراين ركوب الموج على أمل الخلاص من المأزق، إذ يتأكد له أنه أسير ليندا ولن تتركه بسلام حتى المشاهد الأخيرة عندما يعثر اوبراين على منزل اتحد الأثرياء وعلى أمل الإنقاذ، لكنه سوف يجد ليندا بانتظاره لتبدأ لعبة كر وفر دامية بين الاثنين تنتهي بانتقام ليندا وتحولها إلى شبه قاتل متسلسل، إذ سبق لها أن تسببت بموت زوجها كما اعترفت ثم الإجهاز على خطيبة اوبراين ومرافقها وأخيرا اوبراين نفسه وإذا بها تتوج بوصفها ناجية وحيدة تحتفي بها المحطات التلفزيونية ووسائل الإعلام.
هنا سوف نلمس المفارقة التي تعاكس التواتر الأخلاقي في الدراما في عدم الانتصار للشر، لكن المخرج وفريق السيناريو سوف يقلبان المعادلة في هذا الفيلم في الانتصار لتلك الفتاة التي تبدو في الظاهر وديعة مسالمة ومكافحة بينما تخفي في داخلها وحشا أشد شراسة مما هو متوقع.
.............
إخراج: سام ريمي
سيناريو: داميان شانون ومارك سويفت
تمثيل: راتشيل مكآدامز، ديلان أوبرين، إيدل إسماعيل، دينس هايسبيرتمدير التصوير: بيل بوب
مونتاج: بوب موارويسكيانتاج: ريمي برودكشنز