العُمانية: يضم متحف "ذاكرة الأرض والإنسان" بولاية العوابي في محافظة جنوب الباطنة مقتنيات نادرة ومخطوطات تاريخية وعينات جيولوجية، تجعل منه مرجعًا ثقافيًّا وبحثيًّا مهمًّا.
وتمكن المهندس حارث بن سيف الخروصي من تأسيس هذا المعرض وتحويل شغفه بالبحث والتوثيق إلى واقع ملموس يسعى من خلاله إلى استدامة الهوية الوطنية العُمانية وربطها بالماضي.
وقال الخروصي في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن الإنسان بحاجة إلى أن يختزل جزءًا من ذاكرته الحضارية في وعاء معرفي يستذكر فيه ماضيه متطلعًا لمستقبله، فالشجرة الصاعدة لعنان السماء لا بد أن يكون جذرها ضاربًا في أعماق الأرض.
وأضاف: إن إنشاء متحفه الشخصي جاء من شغف إنساني وتاريخي بجهود متواصلة عبر الأيام كالشجرة التي تنمو رويدًا رويدًا بعيدًا عن الصخب، مشيرًا إلى أن المتحف ولد كفكرة في أعماق طفل متسائل وجد جزءًا من شغفه في بيئته المحيطة، حيث كان والده /رحمه الله/ مطلعًا على الثقافة والتاريخ العُماني، سامعًا الأخبار ممن سبقه، واقفًا على الآثار وقارئًا لمن اشتغل بالفكر والتاريخ العُماني والعربي.
وأوضح أن والده أنجز المرحلة الأولى من المتحف الشخصي في ولاية العوابي، ويتكون من أربع غرف ودهليز، منها غرفة تختص بالأرض وما فيها من معادن وصخور خاصة، والنحاس يعد من أبرز المعادن التي برع فيها الإنسان القديم في هذه الأرض المباركة، وغرفة تختص بالعملات التي تداولها الإنسان القديم في أرض عُمان منذ الأزل، وغرفة أخرى تتعلق بالمخطوطات.
وذكر أن المتحف يحتوي على عدد كبير من المخطوطات، منها مخطوطان نادران اكتشفا أخيرًا يعودان إلى القرن العاشر الهجري، أما الغرفة الرابعة فهي عبارة عن مكتبة تحوي صنوفًا من المعرفة والفكر مما كتبه السابقون والمتأخرون.
وأشار إلى أن المتحف كان بيتًا أنشأه والده في عام 1982م، وبعد وفاته استمر البيت ليكون متحفًا شخصيًّا صُمم بالمزج بين الماضي والحاضر، وغُلف من الخارج بالصاروج العُماني، أما من الداخل فكل غرفة تحوي تصميمًا متفردًا يتعلق بموضوع المعروضات فيها، فيما صُممت أرفف المكتبة بالحجر للدلالة على الصلابة وقوة المعرفة واستدامتها.
وحول أبرز المعروضات في المتحف قال المهندس حارث الخروصي: توجد في غرفة الأحجار قطعة نادرة من سلحفاة صغيرة متحجرة عُثر عليها شخصيًّا، يزيد عمرها على مليون عام، بالإضافة إلى وجود أكثر من 15 ألف عملة تنوعت بين الذهبية والفضية والنحاسية، أهمها دينار من الذهب ضُرب في عُمان في القرن الرابع الهجري ووزنه 6.1 جرام من الذهب.
وأضاف: إن من نوادر المعروضات أيضًا العملات الآرية، وُجد منها قطعة نادرة من ضرب بني خالد في إقليم البحرين في جزيرة العرب، وعملة أخرى نادرة من ضرب جزيرة هرمز، وقطعة ثالثة لم يُتعرف عليها بعد، كما تحوي غرفة العملات عددًا من قوالب السَّك للعملات ووزنات معدنية استُخدمت في الأسواق لمعايرة العملات والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة، حيث قام الباحث الأزهر الراشدي بدراسة عدد منها في بحثه بعنوان "إلهام عن الأوزان".
وذكر أن غرفة المخطوطات تحوي العديد من المخطوطات، وتم الكشف أخيرًا عن مخطوطين نادرين، أحدهما يعود إلى عام 937 هجري وربما نُسخ في الأندلس، والآخر يعود لعام 957 هجري، كما تتضمن الغرفة نسخة شريفة من القرآن الكريم ونسخة نادرة من كتاب الدلائل والرسائل للعلامة درويش بن جمعة الأدمي نُسخ في بندر الخضراء التابعة لولاية السويق، ويوجد مخطوط نادر لديوان الشاعر القاضي محمد بن علي الشرياني رحمه الله بخط يده، ونسخة واحدة من ديوان عائشة بنت سليمان بن محمد بن مطر الوائلي.
وأكد المهندس حارث بن سيف الخروصي مؤسس وصاحب معرض "ذاكرة الأرض والإنسان" في ختام تصريحه أن الدور الحقيقي للمتاحف يتجاوز كونها مجرد مبانٍ صامتة ليصبح محورًا فاعلًا في الحراك الثقافي، مُلفتًا إلى أن المعرض يسعى في المرحلة المقبلة إلى تعزيز إسهامه المجتمعي عبر تنظيم حلقات عمل وندوات تستهدف الأجيال الصاعدة، باعتبارها الركيزة الأساسية للتنمية الحضارية المستندة إلى تاريخ عُمان المشرق.
وأشار إلى أن المعرض يطمح ليكون ذاكرة حية تروي قصة ارتباط العُماني ببيئته، ونافذة تطل منها سلطنة عُمان على بدايات الوجود الإنساني وتطور الحضارة فوق أرضها، بما يضمن بناء مستقبل واعد بقيم راسخة وعقول متقدة.