تتطور أنظمة الحماية من المخاطر الطبيعية والمادية عمومًا بتطور تجربة المجتمعات والدول والمؤسسات في التعامل معها.
وكل تجربة تنتج بدورها دروسًا تتأسس عليها نظم إدارة المخاطر بما في ذلك الاعتبارات المادية من بنى أساسية وإعادة تخطيط وابتكار خدمات تقنية وهيكلية، أو مجمل السياسات والتشريعات والتنظيمات التي تهدف إلى تأطير الاستجابة، أو الحد من السلوك البشري أو المؤسسي المؤدي إلى تضاعف الخطر، أو مضاعفة تداعياته وتأثيره.
هذا ينسحب على الكوارث الطبيعية، أو الحوادث السيبرانية والتقنية، أو التهديدات الأمنية بشقها المادي.
غير أن كل دول العالم اليوم تقف أمام استحقاق (إدارة المخاطر الاجتماعية)، وكيف يمكن تأطير منظومات رصد متكاملة لهذه المخاطر، توازي في فعاليتها وديناميكيتها منظومات إدارة المخاطر المادية الأخرى.
ويبقى هذا الاستحقاق رهانًا صعبًا لعدة اعتبارات أولها (أنماط الفعل والاستجابة)؛ حيث إن المخاطر الاجتماعية بطبيعتها نابعة من طبيعة فعل المجتمع أو الفرد، وفي المقابل طبيعة استجابة المجتمع أو الفرد لحدث أو فكرة أو تحول أو مفهوم ناشئ أو قائم.
وبالتالي؛ في الحالة البشرية من الصعوبة بمكان (التنبؤ اليقيني) بالأنماط التي تتبعها هذه الأفعال وهذه الاستجابات.
ومع تباين المجتمعات في الوعي والثقافة والتعلم ينشأ عامل آخر (القابلية/ الدوافع/ القدرة على تقدير الموقف).
ولنبسط الفكرة بشكل أفضل في إمكانية التعرض للاحتيال، أو المجازفة في عبور المناطق المنجرفة بالمياه أو المنخفضة أثناء الحالات المدارية، أو إمكانية تعرض أمن الفرد سيبرانيًا للانتهاك؛ سنجد أن كثيرًا من هذه المخاطر تتفاوت استجابة الأفراد فيها؛ ليس بالضرورة تأثرًا بعوامل الوعي والثقافة والتعلم، وإنما قد تكون في سوء تقدير الموقف ذاته، أو ما يعرف في العلوم السلوكية بتحيز الثقة المفرطة (Overconfidence Bias)، والمنسجم مع عدة أوجه منها: المبالغة في تقدير الأفراد لقدراتهم أو معارفهم، أو الاعتقاد بأن أداءهم أفضل من الواقع، أو التقليل من احتمالات الخطأ أو الفشل، أو تضخيم قدرتهم على التحكم بالنتائج أو التنبؤ بالمستقبل.
كل هذه الأوجه واردة في الطبيعة والسلوك البشري؛ وبالتالي فهي تتحكم بشكل أو بآخر في آليات الفعل أو الاستجابة للخطر.
ومما يجعل تأطير المخاطر الاجتماعية صعبًا كذلك أنها لا تخضع لسياق (التكميم) «أي إمكانية قراءتها والحكم القطعي عليها وعلى مساراتها من خلال الأرقام والمؤشرات والنسب»؛ وبالتالي فإن وضع منظومة للرصد وإدارة المخاطر الاجتماعي لن يكتمل بأي حال من الأحوال بإجراء الدراسات الكمية، أو تطوير منظومة للمؤشرات الاجتماعية وحدها بقدر ما تبرز أهمية القدرة على قراءة ما وراء هذه الأرقام، والتفكير في كل احتمالات وتحيزات السلوك الجمعي والفردي التي قد تغير مساراتها، وقراءة الأنماط التاريخية والمجتمعية التي تشكلت من خلالها.
فمن السهل أن يفسر انخفاض معدلات الخصوبة أو المواليد بأنه مشكلة اجتماعية ترتبط بالاتجاهات الجديدة للأزواج الجدد، أو ربطها بالحالة الصحية، أو تغير المفاهيم لدى الجيل الجديد الداخل لمنظومة تكوين الأسرة، لكن الأسئلة الأعمق حيال الخطر تساءل كل المنظومات الأخرى دون إهمال أي بعد، أو التقليل من أثر أي عامل داخلي أو خارجي بما في ذلك العوامل الاقتصادية أو كيف يرى الجيل صورة المستقبل.
عوضًا عن كل هذه التحديات؛ فإن بناء منظومة لتأطير وإدارة المخاطر الاجتماعية ضرورة مجتمعية راهنة. تختلف مسوغات الدول في بناء هذه المنظومات ومنطلقاتها؛ بعضها ينطلق في بناء هذه المنظومات من فكرة الحفاظ على التماسك الاجتماعي والانتماء والهوية، وأن أي ظواهر أو مؤشرات لمشكلات قد تمس هذه المفاهيم هي بالأساس مخاطر اجتماعية قد تنشأ توترات غير محسوبة؛ وهذا المنطلق غالبًا في الدول ذات التعددية الواسعة في الأصول والعقائد والهويات.
دول أخرى في المقابل تنطلق في بناء هذه المنظومات من كون أن فهم المجتمع ورصده جزء ومدخل أساسي لبناء السياسات العامة الرشيدة والحكيمة، وضمان فاعل للقبول الاجتماعي لهذه السياسات.
فيما تنطلق دول ثالثة من الاعتبارات الأمنية، فتغدو عملية الرصد الاجتماعي وإدارة المخاطر الاجتماعية جزءا من منظومة الأمن الوطني.
في الحالة العُمانية؛ من المعلوم أن هناك جهود في هذا الصدد، ولكننا بحاجة إلى منظومة واضحة هيكليًا وموجهة بشكل فاعل وبنظم راسخة. وفي تقديرنا هناك ثلاثة اعتبارات يجب التركيز عليها في بناء هذه المنظومة؛ أولها تجاوز فكرة أن الرصد الاجتماعي أو إدارة المخاطر الاجتماعية يعني دراسات كمية - هذا ليس تقليلًا من البحث العلمي الرصين أيما كان سياقه -، لكن عملية الرصد الاجتماعي الفاعلة إنما تقوم على تعميق الفهم، وإدارة حوار أكثر عمقًا، ونباهة تاريخية لحركة المجتمع، ومحاولة جادة لعيش أوضاع فئات اجتماعية مختلفة ومتباينة وتقمص معيشها الاجتماعي، والقدرة على فهم تقاطعات المجتمع المختلفة (كيف يؤثر الدين في المجتمع، وكيف يؤثر الاقتصاد في تغيرات السلوك، وكيف ينتج الفعل الثقافي أنماطًا اجتماعية جديدة، وكيف يتغير دور المؤسسات الاجتماعية لصالح مؤسسات طارئة/ عرضية...). هذه أسئلة تقتضي مراكمة بحوث/ تقصيات/ شهادات/ رؤى متعددة، ولكن يجمعها رابط واحد، وهو المقصد (فهم أفضل للمجتمع يؤدي لتصميم سياسات اجتماعية أكثر فاعلية).
الاعتبار الآخر هو عدم وضع حاجز توفر البيانات كعذر دائم. المجتمع مختبر مفتوح، وعشرات الظواهر تتجسد يوميًا في تفاصيل الحياة، والعشرات من الإشارات الاجتماعية تأتي محمولة في الكلمات والسرد وأنماط التفاعل، والكثير من التغيرات المجتمعية تظهر في المزاج الاجتماعي العام، وتنعكس في حالة الرأي العام الاجتماعي. كل هذه الحمولة المعرفية تشكل مدخلًا فعالًا لمن أراد حقًا الفهم والتبصر والتتبع لتأطير الحالة الاجتماعية. الاعتبار الثالث هو أن المجتمع في ذاته هو جزء من عملية الرصد من يرصد المجتمع من خارج المجتمع، وكأنما لو كان هو كفرد أو مؤسسة أو نظام رصد خارج عن المجتمع لا ينتج بالضرورة معرفة أصيلة وحقيقية؛ لذا فإن إشراك المجتمع في الرصد دون حواجز يعتبر عنصر أساس لنجاح تأطير منظومة إدارة المخاطر الاجتماعية.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان