ونحن نعيش مراحل متقدمة من الصراع القائم في المنطقة، والذي بات يكشف بصورة أوضح ملامح المسألة العربية والمسألة الإيرانية، ندرك بأن هناك كثيرا من المشتركات بين هاتين المسألتين بجانب وجود التباين، ورغم ما رُوّج سابقا من تصورات غير واقعية حاولت إحداث قطيعة أو تباعد بينهما؛ فالمسألة الإيرانية والمسألة العربية تلتقيان في مجموعة من القواسم، ولعل أبرزها المشترك الديني الذي تعزز بصورة أكبر بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، والتي أفضت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات التوجه المناهض للفكرة الصهيونية ومشروعها السياسي والاستيطاني في المنطقة.
على إثر ذلك، تبنّت إيران خطابا داعما لمشروع المقاومة، وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، ولا يمكن إنكار حجم الدور الإيراني في دعم هذه القوى، سواء سياسيا أو عسكريا وماليا، الأمر الذي جعل إيران حاضرة بصورة مباشرة في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، ومتداخلة مع القضية الفلسطينية بوصفها إحدى القضايا المركزية في المنطقة.
مع ذلك، فإن المسألة العربية -منفردة- شهدت تباينات كبيرة في مواقفها من الصراع مع إسرائيل؛ حيث بدأت المواقف العربية تنقسم بين تيار يبحث عن فرص للسلام والتسويات مع إسرائيل، وتيار آخر ما يزال يرى في المقاومة والتحرر خيارا مستمرا لا يمكن التخلي عنه. في بعد آخر، كذلك ظهر في المقابل اتجاه عربي آخر يتبنى موقفا معاديا للمشروع الإيراني، وامتد الأمر إلى أن بعض الأطراف ذهبت إلى محاولة تصوير المشروع الإيراني بوصفه مشروعا موازيا للمشروع الإسرائيلي من حيث السعي إلى النفوذ والتوسّع في المنطقة.
من هذا المنطلق، نجد أن هناك تداخلا وتعقيدا في العلاقة بين المسألة العربية والمسألة الإيرانية والمسألة الإسرائيلية الصهيونية؛ فالصراع العربي مع الكيان الصهيوني أقدم تاريخيا وأعمق جذورا من الصراع الإيراني الإسرائيلي، الأمر الذي جعل بعض الأطراف تنظر إلى التحركات الإيرانية في هذا الملف بأنها مرتبطة بالنفوذ الإقليمي أكثر من ارتباطها بجوهر القضية الفلسطينية؛ ولكن هذا الطرح -رغم حضوره القوي- لا يلغي حقيقة الدور الإيراني البارز في دعم القضية الفلسطينية، ولا ينفي وجود إيران في الخندق المقابل للمشروع الصهيوني، وكذلك اندماجها بدرجات مختلفة مع المسألة العربية، وإن كانت لها مصالحها وحساباتها الإستراتيجية الخاصة.
هذا ما ولّد في داخلنا الحاجة إلى قراءة أكثر توازنا لفهم نقاط الافتراق والالتقاء بين المسألة العربية والمسألة الإيرانية بعيدًا عن التصورات الاختزالية أو القراءات العاطفية.
في المقابل، لا بد أيضا من الاعتراف بحقيقة واقعية تتمثل في أن المسألة الإيرانية -رغم قصر مدة صراعها مع المشروع الصهيوني مقارنة بالصراع العربي الإسرائيلي- استطاعت أن تحقق قدرا من النجاح النسبي، وأن تتجاوز كثيرا من التحديات، وتحافظ على عدد من أوراق القوة والنفوذ، وهو ما يُعزى إلى طبيعة إستراتيجيتها الدفاعية والهجومية، وإلى موقعها الجغرافي، وإلى طبيعة بنيتها السياسية والأمنية.
لنستبين العلاقة بين المسألتين ونقاط الافتراق ولفهم هذا التفاوت بين المسألتين العربية والإيرانية، ومحاولة تفسيره، كونه يمثل جزءا أساسيا من قراءة المشهد الإقليمي وتحولاته الراهنة. سننطلق من المسألة العربية التي يمكن تقويم شأنها بأنها تتجه نحو حالة أكثر انحدارا وتعقيدا نتيجة الخلاف والانقسام، ونتيجة تعثر مشروعها الوحدوي والتنموي العربي، إضافة إلى عوامل الإضعاف الداخلي التي أصابت البنية السياسية والاقتصادية والعسكرية العربية عبر العقود الماضية.
وفي ظل الصراع الإقليمي المتصاعد، أمكن لنا التحقق من جملة من الحقائق، في مقدمتها غياب الوحدة السياسية العربية؛ إذ لا يجمع الدول العربية إطار فاعل للتنسيق في القضايا السياسية الكبرى، وتبيّن أن الصراع مع إسرائيل قد تجاوز في كثير من مستوياته القدرة على المواجهة الشاملة، بما في ذلك المواجهة الإستراتيجية؛ ليتحوّل - في أقصى حالاته - إلى صراع أقرب وصفا بـ«الصراع الخطابي» الذي تغلب فيه لغة التنديد والشجب في ظل غياب عامل الردع والفعل المؤثر ذي الطابع الاقتصادي والعسكري.
ومن السهل أن نقول إن السبب الرئيس لهذا الضعف في الموقف العربي هو عدم تبلور مشروعها الكبير على غرار المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني؛ فكان ذلك مدعاة إلى تشكّل أسباب فرعية كثيرة منها ما يتعلق ببنية الجيوش العربية التي بدون اجتماعها الكلي المشترك؛ فإنها أبعد عن خوض حروب خارجية وجودية وطويلة الأمد، والاقتصادات الريعية التي أسهمت في تكريس حالة من الهشاشة الاقتصادية؛ فحالت دون تحقيق الاستقلال الصناعي والعسكري، وأضعفت القدرة على المنافسة عالميا؛ فانعكس سلبا على إمكانات المقاومة ومواجهة السطوة الصهيونية.
وفي سياق متصل، اختارت العديد من الدول العربية -خصوصا منذ سبعينيات القرن الماضي وتضاعف بعد حرب الخليج الأولى- ربط أمنها الإستراتيجي بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما جعل أي مواجهة جدية محتملة مع إسرائيل تبدو مكلفة إستراتيجيا وغير مضمونة النتائج في حساباتها، ونضيف أيضا اتفاقيات السلام التي أبرمتها بعض الدول العربية مع إسرائيل مثل كامب ديفيد عام 1973، ووادي عربة عام 1994، واتفاقيات إبراهام عام 2020 التي لم تخدم القضية العربية بشكل مرضٍ قدر ما استفاد منها الكيان الإسرائيلي، وأسهم في إضعاف الجبهة العربية وطمس حلم وحدتها.
إلى جانب ذلك، فاقمت مشكلات الاستنزاف التي شهدتها الدول العربية -سواء نتيجة صراعات داخلية بما فيها ما أطلق عليه بثورات الربيع العربي التي في أصلها ذات تأثيرات خارجية- في إضعاف النفوذ العربي وتراجع القوة الإقليمية عن طريق تعميق التفكك وإعادة تشكيل موازين القوى على نحو غير مواتٍ.
في المقابل، يمكن النظر إلى المسألة الإيرانية من زاوية مختلفة؛ فعلى الرغم من وجود ملحوظات وانتقادات تتعلق ببعض سياساتها الداخلية والخارجية، إلا أنها استطاعت أن تتفوق على الحالة العربية في عدد من الجوانب التي عززت قدرتها على الصمود في مواجهة التحديات الخارجية؛ إذ تبنّت إيران مشروعا خاصا بها ربطته بمبدأ «الصبر الإستراتيجي»؛ فاعتمدت على نمط الحروب غير المباشرة أو ما يُعرف بحروب الوكالة؛ حيث تجنبت -لفترات طويلة- الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة، وبدلا من ذلك عملت على بناء نفوذ إقليمي بواسطة دعم أطراف مختلفة مثل حزب الله، والحشد الشعبي، والحوثيين، وإضافة إلى دعم بعض الفصائل الفلسطينية، وبتكلفة اقتصادية أقل مقارنة بالنموذج العربي الذي خاض في مراحله الأولى حروبا نظامية كانت كلفتها تفوق مكاسبها.
نجد أيضا دور العامل الجغرافي الإيجابي لإيران؛ إذ لا توجد حدود مباشرة بين إيران والكيان الإسرائيلي المحتل؛ فقلل من احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر. إلى جانب ذلك، أسهمت الهوية الأيديولوجية للنظام الإيراني بصبغته الإسلامية في ترسيخ مشروع «المقاومة» باعتباره عنصرا من عناصر الشرعية الداخلية والخارجية؛ فضاعف من مستويات التأييد لتوجهات النظام الإيراني وسهولة تأسيسه للحاضنات الخارجية المؤيدة له.
مع ذلك، يواجه النهج الإيراني جملة من الانتقادات، ومن أبرزها أن هذا الصمود لم ينعكس -بحسب الرأي السائد في الشارع العربي- بشكل ملموس على الواقع الفلسطيني، مقارنة بحجم الاستنزاف الذي تشهده المنطقة، وأن الحروب غير المباشرة كان لها أثر سلبي على دول مثل فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن؛ حيث تحمّلت هذه الدول كلفة كبيرة بسبب السياسات الإيرانية وأهدافها الثورية.
نلحظ أيضا رأيا آخر يرى أن الخطاب الإيراني في هذا السياق يخدم -في جانب منه- الاعتبارات الداخلية لإيران وتعزيز نفوذها الإقليمي أكثر مما يحقق مكاسب مباشرة للقضية الفلسطينية.
مع مثل هذه الآراء المناهضة للسياسة الإيرانية التي يمكن أن تظل ضمن إطار تعددية الآراء كون أن هناك آراء مضادة لها مؤيدة للسياسة الإيرانية؛ فإننا لا يمكن أن نضع كل اللوم على المشروع الإيراني الذي تشكّل في ظل غياب مشروعنا العربي، ولهذا لا ينبغي أن نفصل مسألته عن مسألتنا العربية التي نحت منحى مشرذما أفقدها بوصلة مشروعها؛ فنرى ضرورة مراجعة المسألة العربية التي لا ينبغي أن تكون بمستوياتها الحالية من الضعف، ولا بأس في أن ترى مواضع الالتقاء مع الرؤية الإيرانية على الأقل فيما يتعلق بمسألة أمن المنطقة وحماية اقتصادها وسيادتها وتحديد أبجديات الاحترام المتبادل؛ لوجود المشتركات -كما أسلفنا- وأهمهما الدين والتاريخ والعدو المشترك.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني