«حالة أولى، حالة ثانية» فيلم «نادر» لعباس كيارستمي. هذه الكلمة الدعائية أظنها ملائمة جدًا لبداية الكلام عن هذا العمل؛ فهو منسيٌّ في سيرة صانعه رغم استثنائية توقيته وجِدَّة أسلوبه؛ حيث جرَّب فيه كيارستمي لأول مرة توظيف المقابلات المباشرة وتوليفها لتكون مادة فيلمه الأساسية.

اكتمل الفيلم في ربيع سنة فاصلة من تاريخ إيران الحديث، هي سنة 1979 التي شهدت انتصار الثورة الإسلامية وما أعقبها من تحولات سريعة سيشهدها المجتمع الإيراني على كل المستويات، وخاصة في ما يتعلق بالبنية القيمية والأخلاقية للنظام السياسي. وكان عباس كيارستمي قد بدأ العمل على مشروعه في عهد الشاه، فوجد الظرف مواتيًا بعد الثورة ليكون فيلمه مرآة مفارقة شاهدة على زمنين؛ زمن آفل وآخر يتشكل مع الملامح الأولى لنظام الخميني.

هذا فيلم عن الحسنة التي تخصّ والسيئة التي تعمّ، المقولة المتعسفة التي لطالما سمعناها تتردد على ألسنة المعلمين في المدرسة، دون أن ندرك الخطورة بعيدة الأثر للتسليم السهل بها، حتى استقرت في الأذهان كقانون عرفي يمنح الشرعية للعقوبة التي تطال الجميع دون تمييز، وذلك حينما تفشل السلطة أو تتكاسل في التعرف على المذنب. ولهذا ربما لم يجد عباس كيارستمي أبلغَ من المدرسة مكانًا لتمثلات السلطة وسياسات العقاب الجماعي المدروسة، التي تهدف إلى نزع الثقة بين الناس فتقنعهم بامتيازات النجاة الفردية على حساب التضحية والتضامن الجماعي.

يبدأ الفيلم بمشهد يرسم فيه المعلم أُذنًا كبيرة على اللوح، وعلينا أن نفكر لاحقًا في الدلالة المقصودة أو غير المقصودة من وراء رمز كهذا. في الأثناء، هناك تلميذ يجلس في الصف الأخير يغافل المعلم المشغول بالرسم فيطرق بقلمه على الطاولة مُصدرًا ضجة مستفزة في سكون الفصل. ثمة متعة مسلية وخطيرة في آن، أعرفها جيدًا من أيام المدرسة، هي لذة تخريب السكون المطبق ومغافلة الرقيب. يستدير المعلم بغتةً إلى الفصل فيكفُّ الصوت. وبمجرد أن يعود المعلم للرسم بالطبشور على اللوح، يعاود الفتى المشاغب استفزازه بإيقاع متصاعد. حينها يغضب المعلم فيتوقف ليسأل عن الفاعل، ولكن من غير أن يعترف أحد، فيقرر معاقبة التلاميذ السبعة الجالسين في آخر الفصل بطردهم حتى نهاية الأسبوع، إلى أن يقرَّ أحدهم بالمذنب.

ما العمل؟ على التلميذ البريء أن يشي برفيقه كي يعود إلى مقعد الدراسة. يذهب المخرج لاستضافة أولياء الأمور لمناقشة هذا المشهد الصغير وتفكيك المعضلة الأخلاقية التي وضعهم المعلمُ فيها. الآباء الذين يظهرون في المقابلات المتوالية يمثلون عينات من مختلف أطياف المجتمع الإيراني وفئاته المهنية، فمنهم الأب المثقف الذي يعمل بإحدى دوائر الحكومة، وهناك العسكري العقيد في البحرية، وآخر يعمل في شركة النفط الإيرانية، ومنهم من هو قادم من المهن البسيطة. وبين مقابلات أولياء الأمور نسمع أيضًا آراء بعض المثقفين والشعراء والفنانين والخبراء التربويين.

يومًا بيوم يراقب الفيلم صمود التلاميذ السبعة الواقفين على باب الفصل. في «الحالة الأولى» يستسلم أحد التلاميذ بعد يومين فيدخل إلى الفصل معترفًا باسم زميله المشاغب، فيعود إلى مقعده وهو يشعر بالخزي. أحد المتحدثين يلقي باللوم على المعلم نفسه، فقد دمَّر المعلمُ شخصية هذا الفتى حين وضعه في هذا الاختبار الأخلاقي الصعب فأجبره على الوشاية كي ينجو بنفسه. ونتساءل من خلال هذا المشهد عن ذلك الرجل الذي سيكونه هذا الفتى في المستقبل. هل سيصبح نموذجًا للأناني المتملق والجبان؟ هل سيعمل جاسوسًا؟

أما في «الحالة الثانية»، فإن التلاميذ السبعة يواصلون صمودهم دون أن يشي أحد بأحد. ظل موقفهم موحدًا حتى عادوا معًا إلى مقاعدهم بعدما أحبطوا سلطة الأستاذ وخطته.

ليس واضحًا إن كان الفرق بين الحالة الأولى والحالة الثانية هو الفرق بين ما قبل الثورة وما بعدها، لكن التحولات القيمية بدت واضحة بين الحالتين. وقد يبدو الفيلم «تربويًا» لوهلة، من ذلك النوع الذي تنتجه مؤسسات الوصاية الشمولية، لكنه يتجاوز التربوي إلى تورية سياسية نراقبها من كوَّة ذلك المشهد العادي واليومي في المدرسة. غير أني لم أجد سببًا مقنعًا لما قيل عن منع عرضه  لكن الفيلم سيلقى الاعتراف العالمي بعد ثلاثين عامًا من حبسه، حينما عُرض في مهرجان تورنتو عام 2009.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني