محمد بن سليمان الحضرمي -

هذا البناء المتهالك، والمعروف في ولاية منح باسم «حصن بن نجاد»، بأسوار متصدِّعة، وأبراج تشَظَّت استداراتها كآنية من فخَّار، ليس إلا قصْرًا قديمًا، ذاب تاريخ بنائه في ذاكرة الزمان، ولا تراه الأجيال إلا موقعًا يعود إلى قرون بعيدة، لعله يكون امتدادًا للحارة التي تجاوره، والمعروفة باسم «حارة البلاد»، ولعله كان حصْنًا كما يَشِي اسمه، قصْرٌ محاط بسور جَصِّيٍ عالٍ، محروس ببرجين طويلين، يشبهان مئذنتين لجامع مهجور.
والقصور الأثرية في عُمان كثيرة، ويكاد لا تخلو مدينة من بناء منها، تأخذ مسمَّى حصن أو قلعة، وفي حقيقتها قصور قديمة، وبناء القصور في عُمان يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وظهر بعضها في العصرين الحجري والبرونزي، أسس تعود إلى تلك الفترة الموغلة في القدم، من بينها «حصن سَلُّوت» الشهير، الذي تحدثت عنه أكثر كتب التاريخ العُماني، ككتاب «الأنساب» لسلمة العوتبي، و«الصحيفة القحطانية» لابن رزيق، و«تحفة الأعيان» للشيخ عبدالله السالمي.
في كُتُب التاريخ العُماني وردت هذه القصَّة: أنَّ نبي الله سليمان عليه السلام، قال للريح: شائِمِي، فهَبَّت في بَريَّة عُمان، فرأى قصْرًا في صحراء، كأنما رُفعت عنه اليَدُ السَّاعة، وإذا عليه نَسْرٌ واقع، فقال للريح: حُطِّي، ثم قال لمن معه: ادخلوا القَصْر فدخلوا، فلم يَرُو شيئًا، فعادوا إليه، فأعلموه، فدعا بالنَّسْر فقال له: لمن هذا القَصْر؟ فقال: ما أدري، أنا عليه منذ ثمانمائة سَنة!، هكذا عهدته، وفي رواية أخرى للقِصَّة، أنَّ النَّسر قال: يا نبيَّ الله، أخبَرَني أبي عن أبيه عن جَدِّه، أنه عهده على هذا الحال!
قصة منسوبة إلى الرَّاوية وهب بن منبه، تناقلته الكتب بوصفه تراثًا شعبيًا، والإنسان بطبعه يحب أن يضفي على الأشياء صفاتٍ من نسج خياله الأدبي، كجعل النسور تعيش عمرًا طويلًا يصل إلى مئات السنين، فيما متوسط عمرها الطبيعي في الحياة، لا يزيد عن ثلاثة عقود وليس ثمانية قرون، وكبناء المعالم والصُّروح العالية، وشق الأفلاج في أعماق الأرض، لم تسلم هذه الأبنية من أن يُنسَج حولها قصَصٌ كثيرة ومثيرة.
الإنسان بخياله الأدبي وحسِّه الفني الحالم، يضفي لمسات ساحرة، على الأشياء التي أنجزها الأوائل، وفي النص السابق الخاص بقصر سَلُّوت، استغل الرُّواة قصة تسخير نبي الله سليمان عليه السلام للجن والرِّيح، وربطوها بشق الأفلاج في عُمان، فقد ورد أن سليمان بن داود دخل عُمان وأهلها بادية، فأقام فيها عشرة أيام، وأمر الشياطين في كل يوم أن يحفروا ألف فلج! ومع ما في هذه القصة من ظلم ونكران، لما أنجزته السَّواعد البشرية خلال الأزمنة الماضية، إلا أنها مشبعة بحس أسطوري، يمكن توظيفها في دراسات تتناول التاريخ الثقافي القديم.
لكن الحديث ليس عن ذلك الحصن، الوارد ذكره في كتب التاريخ العماني؛ «حصن سَلُّوت» كما تقول الرِّواية، والواقع قريبًا من قرية «بسْيا» بولاية بهلا، إنما عن قصْر أثري في مَنَح، هو الأقدم من بين المعالم الأثرية المتبقية فيها إلى اليوم، يسمى «حصن بن نجاد»، يُنسب تأسيسه إن صَحَّت الرواية، إلى أسرة الشيخ نجاد بن موسى بن نجاد بن إبراهيم (ت: 513هـ)، من فقهاء القرن الخامس الهجري، له كتاب بعنوان «الأكِلَّة وحقائق الأدِلَّة»، ومن هذه الأسرة تسلسل عدد من الأئمة والقضاة والأدباء، كما أخبرني الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي، والحديث ليس عن هذه الأسرة العلمية، إنما عن هذا الصرح المتبقي إلى اليوم، والمنسوب بناؤه إليهم، كشاهد على إبداعات الإنسان، في البناء المعماري خلال القرون الماضية.
يقع الحصن بين «حارة البلاد» و«الجامع القديم»، في منطقة أثرية بامتياز، تعد من إنجازات البناء والتشييد خلال القرن التاسع الهجري، ولا تزال هذه المعالم باقية إلى اليوم، وإذا أخذنا برواية تسمية القصر باسم «حصن بن نجاد»، فيكون تاريخ بنائه يعود إلى القرن الخامس الهجري وما بعد ذلك، بما يجعله أقدم معلم أثري في منح، ولا يزال القصر شاخصًا بسوره وبرجيه، يفصح أحاديث سريَّة بصوت هامس، ينبعث من شقوق الجدران.
كنت كلما مررت على هذا الحصن القصر، تحدثني نفسي أن أتسلل إليه، رغم وعورة المكان، وتصدُّع الأبنية فيه، وخطورة أن أبلغ إلى الداخل، كان الحصن لوحة تتراءى أمامي منذ الطفولة، منذ أن كنت أذهب إلى المدرسة وأعود منها، راكبًا على سيارة أو ماشيًا على قدمي، كان أشبه بكائن غامض، تطلُّ شرفاته العالية من بعيد، وكأنها أفواه لكائنات تدعوني أن أقترب منها، فأصيخ السَّمع إلى همسات الطين، وهي تفضي بحِكاياتٍ لم تروها كتب التاريخ، وفي كل مرة أكون قريبًا من الحصن، تتجدد الرَّغبة في داخلي أن أدلف إليه، لأكتشف غموضه السَّاحر، وألبِّي رغبة مُلحَّة في داخلي، أن ألِجَ إليه بخِفةٍ ورشاقة، واستجيب إلى نداءات الشرفات وهمس الأقواس.
ولم يكن الدخول إليه سهلًا، فقد كان المدخل مغطى بكثبان من الأشجار النامية حوله، يتكدَّس حوله ركام من الجدران المتصدعة، فصنعت سدًا منيعًا تجعل الولوج إلى الحصن، أمر صعب لا يخلو من مخاطرة، ولكني قررت الدخول مستعينا بالله، وهمتي أن أبلغ داخل الحصن، فوجدت مساحة انفرجت فيها الأغصان، وكأنها تراخت عن قبضتها المتشابكة، لتسمح لي أن أدخل بسهولة، وبعد خطوات من بلوغ الحصن، دخلت مساحة فسيحة محاطة بسور عال، وداخل تلك المساحة بوابة أخرى، لم يبق منها إلا أقواس متصدِّعة، تفضي إلى داخل القصر الخالي من أي أحد، عدا طيور الحمام التي كانت تعشش داخل الأبراج الدائرية للحصن، ورحت أنقِّل خطواتي داخل المبنى بحذر، لم أشعر بخوف من وحدتي، لعل تلك الوحدة كانت مؤنستي، وأنا أسير باتجاه الحجرات الداخلية للقصر، شعرت أنَّ الجدران تبوح لي بحديث، عن قصر مهجور منذ أمد بعيد.
داخل الحصن القصر مساحة مفتوحة على السَّماء، وكأنها ميدان للشُّهب المتهاوية، ميدان رحب يفضي على قبة السَّماء، أبنيته الداخلية تتوزَّع بين اتجاهين، في كل منهما برج دائري، يظهر من الخارج وكأنه مئذنة، وفي وسط الساحة المفتوحة بئر عميقة مضفورة بأصْلاف مستوية، وكأنها قُدَّتْ من ألواح صخرية، ويظهر في جوانب الحصن سلالم تتجه إلى الأبراج والحجرات الداخلية، وكان البناء من الداخل متهالكا، لذلك ابتعدت عن ملامسة الجدران، في اللحظات التي كنت أستريح فيها تحت ظلالها الباردة.
شعرت بأنفاس الناس تتعانق فيه، أشبه بأرواح لا مرئية، كنت أحسُّ بأنفاسهم تتماوج عند كل مدخل، وداخل كل حجرة وغرفة، وعند كل منحنى، ورحت أتخيل حركتهم داخل الساحة، وعند فوَّهة البئر وهم ينزفون الماء، فلمسات الناس تظهر في كل بقعة من هذا القصر، الذي شهدت ساحته الكثير من الأحداث، أسهمت بصري إلى الرفوف العالية داخل القصر، لعلها يومًا كانت مليئة بالمخطوطات والرسائل، ولعلها حفظت صُوْغات النساء وخناجر الرجال، ولعل تلك الأوتاد عُلِّقت فيها ثياب بيضاء أو نيلية أو ورْسيَّة، وقد تكون تلك المخابئ مخازن للحبوب ونَضْد التمور، وبينما كنت أسبح بخيالي في ضحوة هادئة أثناء تجوالي داخل القصر، رحت أرسم بريشة وجداني صورة للحياة بداخله، وكأني انتقلت بروحي عبر مسارب الخيال، إلى زمان كان فيه هذا القصر مفعمًا بالحياة.
هذا قصر لا تحفظه ذاكرة الأجيال، ولا حتى ذاكرة النسور الهرمة، قصر قريب من أنظار الناس، يقع في برزخ من لُجَّة المكان، بين الحارة القديمة والجامع، وكأنه سراج يشع أمنًا وطمأنينة، وبقدر الهيبة والشموخ التي تظهر على سوره العالي، تجعله شاخِصًا في مقلة العَيْن، ومقيمًا في سواد القلب، وكأنَّ القصر يرسل إلى الحارة القديمة نشيدًا باكيًا لامرئ القيس: (أجَارَتنا إنَّ الخُطوبَ تَنُوبُ .. وإنِّي مُقِيمٌ ما أقامَ عَسِيبُ).
غير أنَّ أجزاء كثيرة من سوره وأبراجه وتفاصيل أبنيته، بدأت تتكدَّس في الأرض، مع رَشَّة مطر وعصفة ريح تلاطم الجدران المهترئة، وما لم يتم ترميمه ستفقد منح أقدم معلم أثري فيها، وما أبقاه الزمان قرُونًا، يمكن أن يضيع في غمضة عين، بين رشة مطر وعصفة ريح، وحينها يصبح الأسف على انهياره بلا جدوى، كالبكاء على لبن مراق، وحتى لحظة كتابتي لهذه المقالة لا يزال القصر القديم، أو «حصن بن نجاد»، يبث أنينه إلى أسماع الحياة.