أوليفييه جيز / ترجمة - أحمد شافعي
لو أنك لم تقرأ كتابا في الأدب الفرنسي، فلعلك لم تسمع قط بدار نشر جراسيه Grasset، وما يعنيه إرسال رئيسها التنفيذي العتيد أوليفييه نورا عمليا إلى المقصلة على يد رجل الصناعة اليميني الجشع فينسنت بولوريه. أما في فرنسا، فسرعان ما انتقل خبر رحيل أوليفييه نورا الفجائي عن الدار إلى خارج نطاق دوائر النشر والنخبة الثقافية في باريس. ففي أعقاب ذلك قطع مائتا كاتب ـ وأنا منهم ـ علاقتهم بدار جراسيه.
وليس هذا الخبر محض خبر يخص صناعة النشر الفرنسية، ذلك أن الصراع الواضح بين فينسنت بولوريه وأوليفييه نورا نموذج مصغر للقتال على السيطرة الثقافية، وهو قتال يجري عالميا بين أثرياء اليمين الجديد والحرس الثقافي الجديد. وانظروا إلى حالتي جيف بزوس مع واشنطن بوست، وروبرت مردوخ مع فوكس نيوز. فالتغير الفجائي في قيادة جراسيه يعد أيضا مثالا حيا لتعامل الأثرياء المنتمين إلى اليمين المتطرف متزايد النفوذ مع كل من لا يفكرون في العالم أو ينظرون إليه بمثل تفكيرهم ونظرتهم.
لا ينبغي لدار نشر أن تكون آلة دعائية. إنما هي مكان يمكن فيه بل ويجب أن يتعايش الصراع والشك والاختلاف. فدور النشر أحد معالم المجتمعات الحرة المنفتحة، برعايتها وإنتاجها لأدب يغوص في حماقات الظرف الإنساني ويستجلي قدراته الكامنة.
وفي ظل قيادة أوليفييه نورا كانت جراسيه خير مثال لهذا. فقد كانت الكتابات النسوية الصريحة توضع جنبا إلى جنب مع كتابات الشوفينيين من الحرس القديم، وأعمال الكتاب المناصرين للقضية الفلسطينية بجانب أعمال الصهاينة، وكتب القساوسة الذكور بجانب الحاخامات النساء، والكتاب الصاعدين بجانب المواليد الجدد، وأصحاب السلطة بجانب المتظاهرين المناهضين للمؤسسة. ونادرا ما اتفق كتاب جراسيه على الكثير، لكن مثلما جاء في رسالتنا الاحتجاجية التي وقعناها، فإن لنا جميعا عدوا مشتركا، قديما وحاضرا، هو الاستبداد.
جراسيه محض ركن ضئيل من إمبراطورية فينسنت بولوريه المالية. ولكن فقدان قيادة أوليفييه نورا علامة على ازدراء أصحاب النفوذ لعالم الماضي القريب الذي كان الرأي العام فيه يقبل التناقضات والتعقيدات السياسة بل والصراع نفسه، ويشجعها. لم يكن بالضرورة بالعالم الذي يدر أرباحا طائلة، ولكنه عالم يحترم فيه المتناقضون سياسيا من لا يماثلونهم في التفكير، وللمعرفة فيه احترامها.
وكان أوليفييه نورا، شأن المؤسسة التي كان يقوم عليها، منفتحا ومنصتا إلى أفكار الآخرين. أما نقطة ضعفه، إن كان له من نقطة ضعف، فهي نسبه الذي جعله هدفا يسيرا على اليمين المتطرف. فالواقع أن أوليفييه نورا يوشك أن يكون صورة كاريكاتورية للنخبة الثقافية الباريسية، فوالده كان المستشار السياسي للعديد من الشخصيات الكبرى في السياسة الفرنسية، وعمه بيير نورا كان المحرر العتيد لدار نشر أخرى هي جاليمار. وفي ظل قيادة نورا، حافظت جراسيه على سياسة تعددية في التحرير.
أما فينسنت بولوريه على النقيض من ذلك فهو مالك تكتل صناعي هائل له مصالح تتراوح من خطوط أنابيب النفط وتخزين الطاقة إلى الحافلات الكهربائية. وعلى مدار السنين العديدة الماضية، بدأ يقيم أيضا امبراطورية ثقافية، فيشتري صحفا ومحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية ودور نشر. وفي ذلك السياق اشترى جراسيه منذ ثلاث سنوات. وما كاد يمتلك تلك الأدوات الثقافية حتى بات محررا ومنتجا وموزعا في وقت واحد. وليس من المصادفة أيضا أنه كاثوليكي محافظ متشدد. فهو لم يكتف بتقليم أظافر المؤسسات التي اشتراها بضغطه من أجل إخراج أصحاب المناصب المهمة، وإحلال قادة بدلاء في مواضعهم من الواضح أنهم أكثر ولاء له ولقيمه، بل إنه استغل منابره لنشر ثقافة الخوف وترويج نظريات المؤامرة القائلة بانحلال الغرب وانحطاطه وبتعرض أوروبا لتهديد من الأجانب ومن النخب القديمة الأنانية.
لكن بولوريه في المقام الأكبر رجل أعمال، وغزوته الثقافية شديدة النجاعة في تحقيق الأموال. فقناته الإخبارية العاملة على مدار اليوم وهي (سي نيوز) ـ ويمكن القول إنها فوكس نيوز الفرنسية ـ هي القناة الإخبارية ذات الشعبية الكبرى في فرنسا. وعلى مدى العامين الماضيين، استطاع فينسنت بولوريه أن يحول فايار ـ وهي دار نشر فرنسية تاريخية أخرى ـ إلى آلة دعاية يمينية متشددة إلى حد كبير. فبعض أبرز شخصيات اليمين الفرنسي المتطرف ينشرون الآن في فايار، ومنهم جوردان بارديلا زعيم حزب التجمع الوطني المعروف سابقا بالجبهة الوطنية. ويتصدر الحزب استطلاعات الرأي في الانتخابات الرئاسية المقررة في العام المقبل.
نحن في فرنسا نفتح أعيننا متأخرين فنرى جهود اليمين للاستيلاء على الثقافة، وتحديد الكلمات التي نستهلكها، والخطاب الذي نشارك فيه. ورسالة الاستبداديين في العالم كله رسالة واحدة: من لا يكون معي هو ضدي، ومن لا يتبعني لا مكان له معي. والرئيس دائما على حق، ولذلك فإنه يفرض رؤيته للعالم فرضا. ويمارس سلطته، ويطالب بالولاء التام من مرؤوسيه، وهكذا تحول الأثرياء إلى طغاة.
لم يكن رحيل أوليفييه نورا كافيا. فقد مضى فينسنت بولوريه إلى تشويه كتاب الدار الذين وقعوا رسالة الاحتجاج. ولكي يفعل ذلك كتب مقالة في جريدته ـ لو جورنال ديمانش Le Journal du Dimanche ـ وصف فيها أولئك الكتاب مزدريا بأنهم "فئة صغيرة تؤمن أنها أعلى من الجميع ولا تعمل إلا لمصلحتها". وزعم أن خلافه مع نورا كان على موعد نشر كتاب للكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام سنسال حدده أوليفييه نورا كما اختلف على حجم راتب الرئيس التنفيذي العتيد للدار. ثم صور نفسه وهو الفاحش الثراء في صورة المدافع عن ملايين الفرنسيين الذين يكافحون من أجل لقمة العيش.
أغلب الكتاب في فرنسا يشقون لتدبر أسباب الحياة، والوقت الذي يقضيه الناس في القراءة يقل يوما بعد يوم، مثلما يحدث في كل مكان. وقليل من الكتاب هم الذين يعيشون من عائد كتبهم، وهم، بعيدا عن الاستثناءات النادرة، لا ينتمون إلى النخبة العالمية.
وقبل زمن غير بعيد للغاية، كان أمثال فينسنت بولوريه يدفعون المال ليظهروا بمظهر ثقافي وليروجوا مفهوما معينا للجمال، فقد أهدى بارونات العصر الذهبي لأمريكا مؤسسات ثقافية بديعة، وفي الآونة الأخيرة أقام قطبا المال والأعمال فرانسوا بينو وبرنارد أرنو في باريس مجموعات فنية رائعة باتت الآن متاحة للجمهور.
باتت الآن هذه الممارسات بالية: فلم يعد الذئب يرضى بقناع الجدة، والأثرياء الطغاة ما عادوا يرضون بالتخفي، إنما هم يتباهون بسلطتهم، ويدمرون، ويستغلون، ويرهبون، ويزدادون ثراء على ثراء متجاوزين أي جماعة أخرى من الناس على مدار تاريخ الإنسانية. ويبدون احتقارا خالصا للعالم، منعّمين بحصانة تامة، مؤمنين بأنه لا سبيل لأحد عليهم.
قصة جراسيه قصة فرنسية، ونورا محض رجل واحد. لكنهما تحذير لنا جميعا، للشعوب الديمقراطية في كل بلد، إذ يكشفان لنا الخطر القائم في مجتمعاتنا أيضا، فلا تزال الديمقراطيات قائمة ومنفتحة، لكن من يدري إلى متى؟
------
ذي نيويورك تايمز-6 مايو 2026،
كاتب المقال صحفي وكاتب فرنسي،
المقال مترجم من الفرنسية إلى الإنجليزية، بقلم اليسون شاريت.