تتقافز المفاهيم وكذلك القناعات فيما يخص مفهوم الإساءة، وهذا التباين يحدث لمستوى التعرض الحاصل لذات المفهوم، والسبب؛ فهناك من يرى في موقف معين إساءة، يراه آخر أمرا شائعا، والسبب أيضا أن هناك من جبلوا على المهادنة أو الصبر، أو التناسي، أو التغافل، مع أنهم يتألمون، وبقوة، ولكنهم يصبرون بدون مقابل، هل أدمنوا أنفسهم على المذلة، أو المهانة؟ هناك من يتصور أن ذلك ما يحدث تماما،

ولكن هناك من يقول لك: التسامح مع القدرة على الرد شجاعة، فأي شجاعة هذه أن تبسط نفسك مستباحة من الجهات الأربع، لكي يقال عنك شجاع؟ مع عدم قناعتك بذلك يقينا؛ فالنفس البشرية مهما أدمنت الصبر، لن تتحمل أن تتجاوز مستوياته إلا في حالة واحدة فقط؛ وهي أن يكون صاحب هذا الموقف به نوع من العته، والسبب في ذلك أي عدم الصبر هو أن الإساءات لن تتوقف، سواء من القريب أو من البعيد، فهذه طبيعة بشرية، وكلما شعر الطرف الآخر بتوالي تسامحك عد ذلك ضعفا، وأوغل في الإساءة، يقول أحدهم: «التغافل عن الإساءة المتكررة من أجل إبقاء الود هو قمة الذل والإهانة في حق نفسك»، فهل يعي من يؤمن بالتسامح إيمانا مطلقا أنه على خطأ؟

يقول المثل الشعبي: «من لا يحاسب الناس على أفعالها يصبح من أنذالها»، ولذلك أرى من منظور خاص، أن مسألة التسامح التي يروج لها كثيرا، يجب أن لا تخرج عن مستويات الند بالند؛ فالتسامح يكون عن قوة، وفي ذات المستوى من التكافؤ، أما أن يكون التسامح -وخاصة- المتكرر عن إساءات الآخرين المتكررة، فهذا نوع من ضعف الشخصية، وليس من قوتها، وهذا بدوره يعمق الإساءات أكثر، بدلا من التخفيف منها، أو إنهائها تماما، ولذلك فمفهوم الإساءة يشمل -ليس فقط- من أثر فعل، وفعل مضاد آخر مماثل أو أقل منه، وإنما قد يتعقب الشخص حتى في حركاته، وملابسه، وأقواله عبر استحضار صور نمطية متكررة - فتحدث الإساءة عندما يخضع هذا الشخص أو ذاك لتقييمات الآخرين من حوله، حيث يكيلون إليه الكثير من التهم التي قد يكون بريئا منها «براءة الذئب من دم يوسف»، ولهذا يطالب الفرد بأن يلبس جيدا، ويتكلم جيدا، وتكون حركته بين الوسط الذي يكون فيه منضبطة، فلا يسابق في حديث، ولا يتبنى مواقف صادمة، ولا يتحدث عن فكرة غير مستوعب حقيقتها أو مستوفٍ معلوماتها،

ولا يضحك في موقف البكاء، أو يبكي في موقف الضحك، أو يمزح في موقف الجد، أو يجد في موقف المزاح، فهذه الأطر المعنوية التي يضعها الإنسان حوله، ليس الهدف منها إظهار المبالغة الممقوتة في ذات الفعل التي تخرجه عن مستويات التماهي فيما يحيطه، وإنما -أكثر- لكي يحمي نفسه من إساءة الآخرين من حوله، أو إساءته هو تجاه الآخرين كذلك، عندما يضعهم في ميزان عدالته القاصرة، وأصفها بالقاصرة؛ لأنه يستحيل -منطقيا- أن تكون للإنسان الفرد القدرة على استكشاف نوايا الآخرين، وهل هم يسيئون إليه عمدا؟.

لم تكن الإساءة -في يوم من الأيام-؛ موقوتة بزمن، أو بمناسبة، أو بشخص، أو بمجموعة، وإنما هي لحظة يسميها البعض بأنها فارقة، والمفارقة هنا: أن الحال بعد الموقف الذي تحدث فيه الإساءة، لن يكون كما هو قبل الإساءة، حيث تترتب على ذلك تغيرات كثيرة، فيعاد على أثرها الكثير من القرارات الشخصية أو الجماعية، وقد تتبدل الكثير من القناعات، وقد يعاد تشكيل مستويات العلاقات وتقاربها أو تباعدها، حيث يخيم الظن بالأنفس، فينقلها من حالة الرضا إلى حالة عدم الرضا، وهذه إشكالية كبيرة في مفهوم العلاقات بين الناس، خاصة في الأطر القائمة على التفاهمات الاجتماعية، أما في الأطر الممنهجة القائمة على النصوص الشرعية أو القانونية، فإن مستوى الإساءة يظل محكوما برد الحق إلى صاحبه وفق هذه الأطر القانونية، وكما هو المثل الشائع: «من يذهب إلى القاضي يعود راضي».