"أحسنوا لمن تحبون؛ فإن الشوق بعد الموت لا يطاق" عبارة لو وزنت بماء الذهب لكانت أثقل مما نتصور، فأي حزن هذا الذي يملأ القلوب وجدا وحزنا بعد فراق ليس بعده لقاء!
موت الأحبة ناره تظل مستعرة في القلوب لا نعلم إلى أي مدى ستظل لظاها متقدة، أو متى سوف تهدأ؟
لكن الذي نعرفه بأنها نار لا تموت وإن خمدت تحت الرماد قليلا، إلا أنها ستعود ثانية للظهور في صورة أشد بأسا من البداية!
الأم والأب هما النور الذي يملأ أرجاء البيوت، وهما معا يشكلان نبراسا يضيء طرقات الحياة، ويرسم شعاع الأمل في كل أرض تطأها أقدامنا سواء كنا صغارا أو كبارا.
وما أن تغيب شمس نهارهما عن نبض الحياة، حتى يحل الظلام الدامس في الأماكن التي كانوا فيها، والزمن الذي عاشوا فيه. بموتهم تفقد أرواحنا قيمتها من الإنسانية والرحمة والأمان.
أيها الضال في طريق النسيان، أمك وأبوك شخصان لن يتكررا في هذا الوجود مرة أخرى. بموتهما ستفقد الشيء الكثير. ستفقد من كان بالأمس القريب سندا وعضدا لك رغم أخطائك الكثيرة وتقصيرك.
عندما يموتان ستذكر رائحة الماضي عالقة في جسدك. تتذكر سنوات طفولتك، وكيف كانت أمك تعيش الوهن والتعب. ستذكر أباك كيف كان يحرم نفسه ليعطيك ويلبسك. أين ستجد مثلهما في هذه الحياة من بعد فراقهما إلى الأبد؟
أيها المغرور بذاتك: إذا كان أبوك وأمك على قيد الحياة فحاول أن تشبع عيونك من النظر إليهما وبرهما؛ لأن الصورة تبدو قاتمة بعد موتهما، بل ستتغير مفاهيم الحياة، وستجد نفسك كنت تعيش في سراب لن يدلك على تفاصيل الوجه الذي تحبه ويحبك، عندها ستجد نفسك أمام وجع الفقد الذي لا يطاق، فكن مستعدا لتلك المرحلة الصعبة.
وعندما تعود من المقابر بعد دفن أحدهما أو كلاهما ستبدأ مرحلة أخرى من الوجع النفسي ابتداء من دخول الدار الخاوية على عروشها. لن تجد ذلك الأنيس الذي يفرح بقدومك، بل بدأ الاختفاء يسكن ذلك المكان. ستشعر بأن أبواب الجحيم تفتح في وجهك، فلا حزن يشفي من لوعة الفراق، ولا الحسرات تأتي بالذي غادر الحياة.
وبعد فترة من العذاب النفسي تبدأ نفسك المكلومة في التآلف قليلا مع واقع الوجع، لكن القدر يخبئ في جعبته أشياء أقوى من الذي قد مضى. تظن أنك قد تجاوزت مرحلة التشافي من الوجع، لكن ما أن تهب نسائم المناسبات السعيدة حتى تجد أنها جاءت ومعها وجع الماضي الذي لن تستطيع تجاوزه بسهولة أو تخفيه عن عيون الآخرين.
أمك وأبوك فضلهما عليك لا يقدر بثمن، ودين ثقيل ستظل تحمله على ظهرك إلى أن تلقى ربك. مهما صنعت لن تسطيع أن تؤديه كاملا سواء في حياتهما، أو بعد مماتهما!
سوف تطاردك الذكريات كشبح يظهر ويختفي فجأة، وتظن أحيانا أنك قد تجاوزت محنة الفقد، وأن العمر قد مضى بك، لكن كل آمالك تصبح مجرد أوهام لا تشفع لك في نسيان الحقيقة.
وعندما يبلغ الكبر منك مبلغه لن تشعر براحة؛ لأن الفقد وجع دائم لا يستكين أو ينتهي بسهولة، بل يظل عالقا في الروح، ومن يعتقد غير ذلك فهو يعيش في خواء نفسي. ومع كل حدث جلل تتذكر الوجوه التي كانت تخفف عنك لفحات القيض الحارقة.
على قبرهما لن تجد ذلك الصوت الذي كان يناجيك ويلاحقك بالدعوات؛ فالآن هناك صمت القبور. سيزداد خوفك ليس من الماضي وربما من الحاضر والمستقبل خاصة عندما تدرك أنك كنت يوما مقصرا في أداء حقوقهما ناكرا لصنيعهما، وعاقا لهما!
ما أكثر الناس ألما في هذا اليوم ممن لم يعدوا أنفسهم لمثل هذه الأيام الصعبة!