واشنطن "د. ب. أ": رصد تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ثلاثة دروس أساسية تتعلق بمجال الأمن النووي، في إطار تداعيات الحرب الأمريكية على إيران. وكتبت إيرين دي دومباشر- وهي خبيرة أولى في مجال الأمن النووي لدى المجلس -إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان واضحا، دون أدنى لبس، لدى سؤاله عما إذا كانت بلاده سوف تستخدم سلاحا نوويا ضد إيران، إذ قال: "يجب ألا يسمح لأي طرف باستخدام سلاح نووي". وجاء هذا التصريح- اللافت في ضبط النفس، من رئيس سبق وهدد إيران باللجوء لقوة مدمرة للحضارة- بالتزامن مع اجتماع دبلوماسيين من 191 دولة في نيويورك لمراجعة مستقبل معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، التي نجحت إلى حد كبير في منع انتشار الأسلحة النووية لأكثر من خمسين عاما.


وركز النقاش على الهدف الأساسي للاتفاقية، السماح لعدد محدود من الدول بامتلاك أسلحة نووية، مقابل استفادة دول عديدة من العلوم والطاقة النووية. واختبرت إيران نظام منع الانتشار الدولي لعقود أثناء سعيها للحصول على مواد نووية وتخصيبها. وتمكن أسلاف ترامب، أحيانا بالتعاون مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، من إبطاء أو تقييد الأنشطة الإيرانية عبر عمليات تفتيش تفاوضية، وضوابط تصدير، وعقوبات، وحتى عبر هجوم إلكتروني معقد على منشآت التخصيب الإيرانية.


وتقول دي دومباشر، إن الحرب الأخيرة التي استمرت سبعة أسابيع ضد إيران اتبعت مسارا آخر لمكافحة الانتشار النووي، يتمثل في القوة العسكرية. وتؤكد أن رهان ترامب الآن- القنابل قد تحقق ما عجز عنه المفتشون والمفاوضون - يلقي بظلاله على محادثات وقف إطلاق النار المستقبلية مع إيران، وعلى مؤتمر منع الانتشار في نيويورك. ورغم أنه يجب على المفاوضين في الأمرين السعي إلى اتفاقات "أفضل من لا شيء"، فإن الطريق مليء بالتحديات، "وإذا فشلت إيران في فصل الملف النووي عن محادثات وقف إطلاق النار وعاد المفاوضون إلى إسلام آباد، فقد تسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود جديدة على تخصيب اليورانيوم واستخدام نحو 440 كيلو جراما من المواد الانشطارية الإيرانية، كسلاح".


وليس من المتوقع أن يتفق المفاوضون على مبادرات جديدة لمنع الانتشار، لكن إصدار وثيقة توافقية رسمية تؤكد مجددا القاعدة الأساسية لمعاهدة عدم الانتشار سيكون أفضل من لا شيء، وأكثر مما تمكنت مؤتمرات المراجعة الأخيرة من تحقيقه.


وتشير دي دومباشر إلى ثلاثة دروس نتجت عن الحرب وتداعياتها على مؤتمر المعاهدة، يجب أن يسترشد بها أي طرف يجلس إلى طاولة المفاوضات. وتقول خبيرة الأمن النووي إن الدرس الأول يتلخص في أن الحروب الجوية وحدها لا تستطيع وقف الانتشار النووي أو القضاء على برنامج نووي.
فمن الممكن تعطيل أو تأخير أو تدمير منشآت التخصيب، لكن حتى حرب جوية شاملة وفعالة تكتيكيا لا يمكنها القضاء على البرنامج النووي الإيراني الواسع، من دون قوات برية.


ولهذا السبب قد تأتي مقاربة إدارة ترامب القائمة على "منع الانتشار بالقوة" بنتائج عكسية، لأنها تشجع الدول الساعية لتطوير برامج نووية على إخفاء أنشطتها بدلا من الالتزام بالنهج الناجح القائم على الدبلوماسية والشفافية الذي اعتمدته الدول الخمس الكبرى منذ توقيع معاهدة عدم الانتشار قبل 58 عاما. وبحسب دي دومباشر، يعد البرنامج النووي الإيراني انعكاسا للتفاوت البنيوي الكامن في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي لا تسمح للدول التي لم تختبر أسلحة نووية قبل عام 1967 بامتلاكها مستقبلا.


ولكنها تطرح سؤالا جوهريا: هل ستقبل الدول الأخرى الآن بالعيش دون أسلحة نووية خاصة بها؟ ومن المرجح أن تبقى خطوات إيران المقبلة غير واضحة خلال وقف إطلاق النار أو حتى بعد انتهاء الحرب.
فقد تقرر إيران التحول إلى نموذج شبيه بكوريا الشمالية في الانتشار النووي، عبر إخفاء بعض أنشطتها إلى أن تقرر الكشف عن قدراتها من خلال تجارب نووية وإطلاق صواريخ باليستية.
وإذا لم تعد الدول الأعضاء في معاهدة عدم الانتشار قادرة على الحصول على القدر الكافي من الشفافية بشأن تطورات البرنامج النووي الإيراني بسبب فشل المفاوضات في إقرار عمليات تفتيش صارمة، فإن المسار الإيراني سيصبح أقل قابلية للتنبؤ.


ولا تزال إيران تحتفظ بما يكفي من المواد النووية المخصبة بنسبة 60% لإنتاج نحو 12 سلاحا نوويا، إذا قرر النظام استخدام منشآته النووية المتبقية وخبراته التقنية للتسريع نحو التسلح النووي.
وتقول دي دومباشر إن الدرس الثاني يتمثل في أن الطاقة النووية قد تبدو أكثر جاذبية في آسيا والشرق الأوسط في ظل المخاطر التي يكشفها إغلاق مضيق هرمز على أمن الطاقة. وقد وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قرار إيران بإغلاق الممر المائي الحيوي بأنه يعادل "سلاحا نوويا اقتصاديا".


لكن الاستثمار المفاجئ في الطاقة النووية يحمل بدوره مخاطر خاصة. فقد تصبح محطات الطاقة النووية أهدافا واضحة للصواريخ الإيرانية، كما أن بعض الدول المضيفة ترغب في امتلاك خيار تطوير قدرات تخصيب محلية. ورغم أن المزايا الاقتصادية والمناخية للطاقة النووية واضحة، فإن الهجمات الإيرانية بالمسيرات على مراكز بيانات إماراتية ومنشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر أظهرت لمسؤولي الخليج أن البنية التحتية الحيوية يمكن استهدافها بسهولة.


ورغم أنه يمكن للأسواق العالمية توفير المواد النووية دون الحاجة إلى التخصيب المحلي، يتعين على "المجتمعين في نيويورك اعتماد ضمانات لحماية هذه الإمدادات، مع ضمان سلامة المحطات القائمة والمشاريع الجديدة، بما في ذلك تقنيات المفاعلات النووية الناشئة التي تجذب حاليا اهتمام رؤوس الأموال الاستثمارية".


أما الدرس الثالث، الأخير، الذي تبرزه حرب إيران بوضوح، بحسب دي دومباشرـ فيتمثل في ضرورة أن يفرض القادة قيودا على انتشار الأسلحة النووية والتقليل من مخاطر استخدامها، "فالحرب تؤكد أن الدول تفضل خوض النزاعات باستخدام الأسلحة التقليدية وتجنب الحرب النووية، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات نووية وتكون هناك ترسانات نووية ضخمة جاهزة للاستخدام ضد الخصوم". ولكن ليس من المرجح أن تتفق الولايات المتحدة والصين وروسيا على مبادرات جديدة شاملة لمنع الانتشار خلال مؤتمر المراجعة في نيويورك، أو أن تتمكن من إنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية، أو تقييد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن من توسيع مظلات الردع النووي لحلفائها.


وهناك شعور متزايد بالقلق بشأن "مستقبل المعاهدة والضمانات المرتبطة بها، خاصة مع تقليص الولايات المتحدة دورها القيادي الدولي، رغم أن معاهدة عدم الانتشار تستحق التقدير لأنها نجحت في حصر عدد الدول المالكة للأسلحة النووية في تسع دول فقط، بدلا من "15 أو 20 أو 25 دولة" كما كان متوقعا من قادة ستينيات القرن الماضي. وفي ختام التحليل، تقول دي دومباشر إنه حتى إذا لم يؤكد المسؤولون في نيويورك ذلك مجددا في الإجراءات الرسمية، "فإن الحرب مع إيران ينبغي أن تمنح قادة العالم سببا إضافيا لمضاعفة جهودهم في مجال منع الانتشار النووي". ل تعذر ذلك، يمكن لأطراف معاهدة عدم الانتشار النووي، "محاولة تحقيق تقدم عبر اتفاقات مشتركة للحد من استخدام الذكاء الاصطناعي في قرارات تتعلق بالأسلحة النووية، أو إعادة الالتزام بحظر التجارب النووية، أو وضع ضمانات للتقنيات النووية الناشئة. وفي وقت تتزايد فيه مخاطر الانتشار النووي، فإن مثل هذه التصريحات ستكون- على الأقل- أفضل من لا شيء".