تزامن صدور أول رواية للكاتبة غادة السمان مع تاريخ ولادتي، وتفتحت عيناي كما أعين القراء على الرواية الأولى "عيناك قدري" ونحن في سن المراهقة، وشكلت بالنسبة إلينا ذائقة ثقافية جديدة بعيدا عما كنا نطالعه في ذاك الوقت.


وفي المشهد الأدبي العربي عموما، لم تظهر أسماء كثيرة استطاعت أن تحوّل الكتابة إلى امتداد مباشر للحياة الشخصية، وأن تجعل من النص مساحةً مفتوحة على الذات والمدينة والمنفى في آنٍ واحد. وقد برزت غادة السمان، الأديبة السورية التي شكّلت منذ ستينيات القرن الماضي صوتًا مختلفًا في السرد العربي، قائمًا على الجرأة، والبوح، وكسر الحدود التقليدية بين الأدب والحياة.
ومن أجل معرفة تأثير هذا الصوت في الحياة الثقافية وفي أساليب كتاب آخرين، وجيل تفتح على اسلوبها السردي، التقيت عددا من الأدباء، وسألتهم، عن مدى التأثير والتأثر، وما لذي أعجبك أو لم يعجبك في رواياتها وماهي أهم نقاط تفردها في أسلوب الكتابة..؟


يقول الكاتب مروان ناصح: " يصعب الحديث عن جيلٍ كامل دون أن يمرّ طيف غادة السمان في خلفية ما يكتبه. لقد منحت الكتابة جرأة الاعتراف، وشرّعت الباب أمام لغةٍ تتنفس بحرية، خارج القيود البلاغية الصارمة. كثير من الأصوات التي ظهرت لاحقًا، خاصة في الكتابة النسوية، بدت وكأنها تُكمل ما بدأته غادة: تحويل التجربة الشخصية إلى مادة أدبية مشروعة. إن تأثيرها لا يظهر في التقليد المباشر، بل في كسر الخوف...الخوف من قول "أنا" بصوتٍ عالٍ، ومن ملامسة المناطق الهشة في الذات والمجتمع دون أقنعة".


ويضيف ناصح قائلا: "ما يُعجبني في أعمالها هو هذا التوتر الحي بين الشعر والسرد، حيث تبدو الجملة (في قصائدها وأعمالها القصصية والروائية) كأنها تنبض أكثر مما تُقال.
في كوابيس بيروت تحديدًا، حيث تدون وقائع الحرب وذكرياتها، نشعر أن اللغة نفسها تُصاب بالرجفة، وكأنها تعيش الحرب، لا ترويها فحسب. ويعجبني أيضًا صدقها العاطفي، وإصرارها على أن تكون الكتابة موقفًا لا زينة.
أما ما قد لا يُعجب بعض القرّاء، فهو ميلها أحيانًا إلى التدفق والاسترسال الذاتي، في بعض رواياتها، حيث تتراجع الحبكة لصالح التأمل الداخلي، وهو خيار جمالي له من يتذوقونه ويقدرونه، لكنه قد لا يناسب من يبحث عن سرد تقليدي محكم".


وعن تفردها في الكتابة يوضح: "تفرد غادة السمان يكمن في قدرتها على الجمع بين الجرأة والشفافية، دون أن تفقد حسها الفني. هي لا تكتب لتُرضي، بل لتكشف. من أبرز ما يميزها أيضًا تحويلها اليومي والهامشي إلى مادة مشحونة بالدلالة، وكأن التفاصيل الصغيرة تحمل سرّ الوجود كله. ولعل من أوضح لحظات هذا التفرد قرارها نشر رسائل غسان كنفاني إليها، وهو فعل أثار جدلًا واسعًا وانتقادات حادة، اتهمتها بانتهاك الخصوصية، لكن السمان لم تتراجع. دافعت عن موقفها باعتباره جزءا من حقها في تقديم تجربتها كما عاشتها، ورأت أن الرسالة حين تُكتب تدخل في فضاء الأدب والتأويل، ولا تبقى ملكًا خاصًا مغلقًا. بالنسبة لها، لم يكن الأمر استفزازًا، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الخاص والعام، بين الكاتب ونصوصه، وبين الحياة وما تقدمه للأدب من تجارب عميقة جديرة بإغنائه، ليكون ضوءا يكشف أبعاد ما يطمح إليه الإنسان في محنة الوجود، وقد كشفت تلك المواجهة- وما تلاها حين نشرت رسائل الشاعر أنسي الحاج إليها- عن جانب مهم في شخصيتها: كاتبة لا تكتفي بجرأة النص، بل تتحمل تبعاته حتى النهاية... حتى حين يصبح موضع جدل أو اعتراض أو استنكار".


لغة شعرية ممزوجة بالحالة النفسية
يصف الشاعر والإعلامي مازن عليوي غادة السمان بالقول: "أنها تعد من الأسماء التي تركت أثراً في الأدب العربي الحديث، ليس فقط بسبب أفكارها، بل بسبب طريقتها الخاصة في الكتابة. وعلى هذا الأساس فقد تأثر بها عدد كبير من القرّاء وبعض الكتّاب في زمن إصدار رواياتها أو بعده.. والتأثير جاء عبر أسلوبها الذي يرتكز على الحس العاطفي العميق واللغة المليئة بالصور والتأملات. وهناك عدد من الكاتبات تأثرن بجرأتها في التعبير عن المرأة بوصفها إنساناً يمتلك خوفه ورغباته وأسئلته الخاصة، بعيداً عن الصورة التقليدية المعتادة".


ويوضح عليوي: "في روايات غادة السمان تبرز قدرتها على جعل القارئ يشعر بأنه داخل عالم نفسي معقد، وليس أمام أحداث فقط. كما في "بيروت 75" و"كوابيس بيروت"، حيث تمتزج اللغة الشعرية بالحالة النفسية للشخصيات، فتبدو الرواية أحياناً كأنها نص أدبي بين الشعر والسرد. كما أن رواية "ليلة المليار" تكشف قدرتها على استخدام الرمزية والتأمل الداخلي بأسلوب مختلف عن الرواية التقليدية. وحتى عندما تتناول موضوعات الحب أو الوحدة أو الخيبة، فإنها تمنحها بعداً فكرياً وإنسانياً يجعل النص أعمق من مجرد قصة عاطفية عابرة.


إلى ذلك، قد يشعر بعض المتلقين أن نصوصها تميل أحياناً إلى الإطالة أو إلى التركيز الكبير على التدفق الشعوري أكثر من تطور الأحداث، مما قد يجعل القراءة مرهقة لمن يفضّل السرد السريع والواضح. كما أن كثافة الصور البلاغية في بعض أعمالها قد تثقل النص وتجعل من يقرأ يحتاج أن يكون متأملاً كي يتفاعل مع الأفكار".
ويختتم بقوله: "أهم نقطة تفرد في أسلوبها، فهي أنها كتبت بصوت يشبهها وحدها؛ لغة شاعرية، وصدق عاطفي، وجرأة فكرية جعلت أعمالها تحمل بصمة يصعب تقليدها، وهذا من أهم عوامل استمرارية حضور اسمها".


ضوء أخضر للآخرين
تصف الكاتبة الروائية أماني المانع غادة السمان بالقول: "شكلت في رواياتها"حالة تمرد" مغلّفة بالحرير والبارود. في رأيي، هي لم تؤثر في الأجيال التالية فحسب، بل منحتهم الضوء الأخضر للكتابة بجرأة، بأسلوب يمزج بين الشاعرية الشرسة والواقعية الفجة.
أعتقد أن تأثير غادة كان "بنيوياً"؛ هي التي علمت جيل السبعينيات والثمانينيات أن النص يمكن أن يكون "مختبراً للحرية".


وقد أثرت في كُتّاب الرواية الحديثة من خلال كسر القوالب الكلاسيكية، حيث نجد بصمتها في نصوص أحلام مستغانمي (في بداياتها) وكثير من الكاتبات اللواتي اتخذن من "الأنا" القوية محوراً للسرد. هي من شرعنت "أدب الاعتراف" ودمجه بالهمّ الوطني (كما في بيروت ٧٥)."
وتتابع المانع قائلة: "أكثر ما يدهشني هو قدرتها على "تأثيث" الفوضى؛ فهي تلتقط تفاصيل الغربة والضياع وتحولها إلى لوحات سريالية. لكن، ما قد يُؤخذ عليها أحياناً هو "تضخم الأنا" السردية، حيث تطغى شخصية غادة القوية على ملامح شخصياتها الروائية، أكثر من كون القارئ يغرق في عالم الشخصية المتخيلة.
ولعل أهم نقطة تفرد هي "الوحشية الناعمة" في الوصف؛ هي تملك لغة مخملية لكنها قادرة على جرح الوعي.


تميزت بـ "الزمكانية المفتوحة"، حيث بيروت ليست مجرد مدينة، بل هي كائن حي، غاضب، وعاشق. غادة هي من جعلت "الحزن" يبدو أنيقاً، و"التمرد" يبدو واجباً أخلاقياً لا مجرد صرخة عابرة".


مركزية الأدب وتجاهل الهامش
يسترجع الروائي د. موسى عباس ذكرياته عن أدب غادة السمان بقوله: "في السَّنة الثَّالثة في كلية الآداب بجامعة حلب، تعرفتُ إلى أدب السَّيدة غادة السَّمان( دمشق 1942 - ) كان ذلك في العام 1978 وارتبط اسمها مع ثلاثية كوليت خوري، نزار قباني، وكانت هذه الأسماء الثلاثة تمثل لنا الأصوات الجديدة في الأدب العربي، بما تحمله من رفضٍ للأطر القديمة شعرا ونثرا، وتأثرٍ عميق بالثقافة الغربية، سيما أنها قد تخرَّجت في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة دمشق ثم بالجامعة الأمريكية ببيروت، وجدنا في عذوبة لغة السَّمان وطراوتها تعويضا عن جفاف الكتب الجامعية وقتئذ وبُعدها عن اهتماماتنا، فجأة وجدنا من يتحدث عن الحبِّ "أعلنت عليك الحب، 1979" هكذا بكل عنفوان وتحدٍّ، وصرنا نسرق عباراتها؛ لنطرِّز بها رسائل العشق، أو محاولاتنا البائسة لنيل الاهتمام؛ فنكتب: "عيناك قدري لا أستطيع أن أهرب منهما، وأنا أرسمهما في كل مكان، وأرى الأشياء من خلالهما" أو " تعال! إنني أكره كل ما فيك، أحبك، أحبك، أحبك" وسأعترف بأنَّ محاولاتي الأولى شعرا وقصة كانت تحذو حذو هذه الأجواء النَّاعمة، حتى اكتشفتُ لاحقا أنَّني لا أنتمي لهذا، وأنَّ البدويَّ الأرستقراطي غير موجود بداخلي. روايات السَّيدة السَّمان اللاحقة تحدثتْ عن حقوق المرأة، ولكنَّها المرأة التي تعرفها، أي سيدة الصَّالونات، وليست المرأة العاملة، أو المسحوقة، نساء الهامش، اللواتي يكافحن للبقاء على قيد الحياة. حرية الجسد، وأنواع العشق هما نوع من التَّرف الفائض عن الحاجة.


ظروف الأديبة السمان مكنتها من نشر نتاجها الغزير، من خلال امتلاكها لدار نشر خاصة، شعرها ناعم وعذب اللغة، لكنه شعر يلامس قلوب النُّخبة الدِّمشقية، ولواعج الحب، والحنين، والبعد، والفراق، ولا أدري هل هذه هي هموم السُّوريين ؟
ويتابع عباس قائلا: "أتحدَّث عن نتاجها الأدبي الإبداعي بين 1970- 2018، وأعني آخر عمل لها " تعرية كاتبة تحت المجهر" أظنُّ أنَّها مثلت طبقتها الاجتماعية بصورة نموذجية، لكنها ليست معنية بالآخرين، وهم الأكثرية التي تعاني، إذا استثنينا رواياتها عن الحرب اللبنانية، فلها حديث يطول.
في نفسي أشياء كثيرة حول رسائلها التي نشرتها، وقد تحدَّث غير واحد عن مدى موثوقيتها، وأختم بأن السَّيدة غادة السَّمان أديبة كانت صادقة في انتمائها الطَّبقي، مثقَّفة وعميقة المعرفة بالتَّيارات الأدبيَّة العالميَّة، وبالتأكيد تركت تأثيرا كبيرا في أجيال من الأدباء، أرجو لها الصحة والأمان".


تحطيم التابوهات
تقول الشاعرة رغداء العلي: ممّا لا شكّ فيه أنّ الأديبة غادة السّمان بصمة أنثوية سورية بل وعربية أيضاً، أثرت المكتبة العربية بإبداعها الأدبي الزاخر بتجديدها الفنيّ لتقنيات السّرد المتعدّدة للرواية ممازجة بين الرمزية والحداثة، والواقع بالخيال ومقدرتها على الغوص في أعماق شخصياتها لترسمها بتناقضاتها، لتنتقي شخصياتها من الواقع وتحلّق بها في تهويمات الخيال.


أعجبنا في أوّل الصبا بمجموعتها القصصّية (عيناك قدري) بأسلوبها الأدبي الرفيع بتصوير أرق المشاعر الإنسانية في بيئة محافظة تفضّل الذكور على الإناث وبهرنا بتمرّدها وكسرها القيود الاجتماعية لتنتصر لحرية المرأة، كما فعلت أيضاً في (أعلنت عليك الحبّ) محطّمة الحدّ بين النثر والشعر في التعبير، فكانت بحقّ روائية وشاعرة خرجت عن القوالب الأدبية والضوابط التقليدية للرواية. كما اتّسمت بجرأتها في التعبير وطرح القضايا وتصوير المشاعر متجاوزة كلّ محظورات مجتمعها آنذاك التي فيها الصحيح والمغلوط، وقد أُخذ عليها الإغراق في هذه الجرأة لتحاكم أدبها نظرة شرقية تتقوقع ضمن ما قاعدة (يصح ولا يصح) عندما حطّمت كثير من التابوهات التي تزعج المجتمع. وكنا نشجع طلبة العلم على قراءة أعمالها، قد تأثّر كثيرون منهم بأساليب الانزياحات اللغوية والشاعرية لديها، وبمقدرتها على استنطاق شخصياتها بلغة متفرّدة تعبّر عنهم. ومن الغريب أنها كتبت( يا دمشق وداعاً )التي صدرت 2015... تصف فيه حزنها لفراق دمشق وألمها لما حلّ بها بسبب الحرب. وهي التي كتبت قبل ذلك في عام 1976 رواية (كوابيس بيروت) وكذلك في عام 1986 كتبت رواية (ليلة الانهيار) ووثّقت فيهما رعب الحرب الأهلية اللبنانية بتبعاتها مصوّرة أصوات الرّصاص والقذائف والقناصين، ولكن لم تلفت نظرها الحرب ونظام الاستبداد والقمع في بلادها وهو يستخدم أبشع وسائل القتل الهمجية، والاعتقال في أقذر سجون العالم التي كانت من الممكن أن تكون مادة دسمة لإبداعها الروائيّ وهي التي تمتلك الحرية الكافية للتعبير، وبعيدة عن القبضة الأمنية التي بطشت بالكثير من الأقلام السورية. ومع ذلك فقد آثرت الصّمت ولم تعلن موقفاً مما جرى انطلاقاً من مسؤولية الأديب وقداسة الكلمة ودورها في تبنّي قضايا الشعوب الاجتماعية والإنسانية".


محط عتب
لم تظهر غادة السمان اليوم بشكل مكثف في المشهد الثقافي كما في العقود السابقة، ويقتصر على مقالات محددة بعد آخر عمل أدبي لها، خصوصا وأنها تجاوزت الثمانين من العمر، ولكن حضورها المؤثر في الوسط الأدبي لا يمكن أنكاره، وقد استطاعت خلال سنوات إبداعها من إعادة تشكيل علاقة الأدب العربي بالحرية الفردية والكتابة الذاتية، وفتحت مساحات جديدة للبوح في زمن كانت فيه كثير من الأسئلة مؤجلة.


الإجماع على أن أدب أسلوب غادة السمان الروائي مثّل تحولًا لافتا في الكتابة النسوية العربية، وكسر حدود السرد التقليدي، وفتح مساحة جديدة للتعبير عن الذات والحرية والاغتراب بلغة تميل إلى الشعر والانفعال الداخلي أكثر من البناء الروائي الكلاسيكي ما منح كتاباتها طابعا مختلفا في المشهد العربي.
يعتب السوريون عن غيابها عن المشهد السوري برمته وهو ينازع الحق من أجل الحرية، فلم تقاربه كما قاربت الحرب اللبنانية، وهذا عتب محب على كاتبة كبيرة بحجم غادة السمان تستطيع أن تكون مؤثرة في الرأي العام وفي قضايا الشعوب برمتها وهذا جل ما يمكن أن يفعله أي كاتب تجاه القضايا الإنسانية دون أن يكون حبيس دفاتر الغزل والحريات الشخصية فقط.