* مراجعي عن البلدة هي ذاكرتي وذاكرة كبار السن
* الأم والجدة والجارات دفعن بطلتي دفعًا لتصبح امرأة
* أعتبر القرية والصحراء والبلدة وعاء لما أريد أن أقوله
* ما زلت بعد التقاعد بسنوات أصحو في موعدي وأبدأ العمل!
عالم الكاتبة السعودية أمل الفاران مدهش، فرغم أنها تعود في معظم أعمالها إلى الماضي حيث كانت القرى شديدة البدائية وتفتقد إلى أقل الخدمات إلا أنها تمزج العالم بنوع من السخرية المحببة تجعل ثمة قابلية لتقبله أو ابتلاع مرارته.


في روايتها الجديدة "بنت عطشة" تسخر بطلتها من أقرانها وأهلها بلسان سليط يعرف متى ينطق وماذا ينطق ليكون جارحاً. لن تكف وأنت تقرأ عن الابتسام وربما تفلت منك ضحكات، لكنك تأسى طبعاً على الشخصيات التي تبدو كأنها تدور حول نفسها في عالم منسي، تمارس شرورها الصغيرة على بعضها، وتتحايل على الزمن بالحكايات.
لدى أمل الفاران ثلاث روايات سابقة هي "روحها الموشومة به" و"كائنات من طرب" و"غواصو الأحقاف"، بالإضافة إلى مجموعتين قصصيتين هما "وحدي في البيت" و"الفتاة التي لم تعد تكبر في ألبوم الصور"، لكن الحوار هنا يدور في مجمله عن روايتها الجديدة "بنت عطشة".


-لماذا اخترتِ أن تبدأ الرواية بأن تؤم بطلتها "بنت عطشة"، أقرانها من عيال الشارع وأقاربها وشقيقها وتخيِّرهم بين الصلوات؟!
بنت عطشة طفلة استثنائية، حتى على مستوى السرد هي تلعب في مناطق محظورة، والحقيقة إني فكرت في عدة أماكن أضعها فيها عند بدء الحكاية، وكل مرة كانت تختار الشارع..
رأيتها في الشارع، ولم أكن متأكدة إن كانت ذاهبة للمدرسة أم عائدة منها، لكنها في الشارع قولاً واحداً.. ربما هي اختارت الشارع لتظهر لي شخصيتها بلا حماية وبلا رقابة أيضاً، وما دامت في الشارع فهي مثل أي طفل ستلعب، وقد تتخيل أنت القارئ أي لعبة معتادة في بلادنا العربية لكن طفلتي ستلعب لعبة تناسب عبث ولا معقولية ما يحدث تحت أنظارها فبعد لحظات سيموت رجل للمرة الثانية ويعود للحياة على بعد خطوات منها، ثم يتهم والدها الذي تقدسه بأنه ساحر ولن تجرؤ على أن تحضن أمها ولو لمرة واحدة!


-ألم يكن لديكِ قلق من التأويل السيئ لتلك البداية الصادمة؟
في زمن تسمع فيه أن العرب لا يقرأون وأنهم يبحثون عن نصوص سهلة، وأن البعض ينبش النصوص مفتشاً في النوايا أنا فعلاً أثق في القارئ وأشعر أن هذه الثقة لن تخيب أبداً بعون الله!
-"بنت عطشة" نموذج لفتاة غير عادية لديها لسان مسنون وجارح كيف أقنعتِ القارئ بإمكانية وجود تلك الشخصية القوية في زمن قديم لم يكن المجتمع فيه منفتحاً أو يسمح للبنات بأن يكن نديدات للأولاد؟
لا أعرف إن كان ثمة سمات شخصية يمكن أن تكون قديمة أو حديثة، لكن بلا شك هناك لغة شخصية تناسب عصراً ما أو تبدو آتية من خارجه ويجب تبريرها أو الاستغناء عنها.. لو لاحظت فبنت عطشة كانت تقول كلمات تشبه مجتمعها، وهي في بيئة عدائية جداً، أو حتى لا أطلق حكماً قاسياً على المكان لأقل إنها في بيئة لم تسمع بمفردات من قبيل حقوق الطفل! فكيف تريد للبنت أن تنجو وتصبح بطلة لو لم تكن قوية، وقوتها تخفي هشاشة احتياجها للاحتضان، هشاشة احتياجها للحماية وللأمان!


-تقدِّم الرواية رحلة مغادرة عائلة "بنت عطشة"، وكلِّ جيرانها في قرية "نجدية"، الحياة التقليدية إلى الحداثة، كيف خططت لذلك؟ وهل تعتمدين على ذاكرتك في رسم مشاهد الحياة القديمة أم أنك تعودين إلى الأرشيف؟
تعرف أن بدء كتابة عمل جديد قائمة على الانتقاء والحذف: نختار مكانا محدداً دون سواه، شخصيات، حالة، أحداث، لغة.. في عملية تجريب طويلة تبدأ مع الكتابة ولا تنتهي إلا مع آخر تحرير.. لكن العنصر الذي أظن إنك ستتفق معي في إن الكاتب يختاره قبل أول حرف هو الزمان (لحظة الحدث) هذا أولي جداً.. حين أردت الكتابة هذه المرة قلت سأعود لطفولتي، كانت مرحلة مدهشة وصول الطفرة المتأخر للبلدات البعيدة، لو كانت الأحداث في الرياض لكانت مختلفة جداً، ولو كانت في الرياض لأمكنني العودة للأرشيف، لكن مراجعي في حكاية البلدة هو ذاكرتي وذاكرة كبار السن وأراجعه بما يمكن تحصيله في التوثيق المؤسسي: دخول الكهرباء، الهاتف، التلفاز، شق الطرق..


-ما الاختلافات التي أبرزتِها في شخصية الفتاة وهي تغادر مرحلة الطفولة إلى الصبا؟!
في تلك الفترة لم يكن مصطلح المراهقة مثلاً قد دخل لغتنا اليومية، وتعرف مثلي أنه في المناطق النائية عن التمدن إلى اليوم ما زال الطفل يقفز من الطفولة للرجولة مباشرة، والبنت مثله، بطلتي لو لاحظت كانت أمها والجدة والجارات يدفعنها دفعاً باتجاه الدور: أن تصبح امرأة، تعاون أمها في أعمال المنزل، حتى صديقتها التي تقاربها عمراً كانت تبدو مقارنة بها امرأة (تقوم بالدور وتلزم البيت وتتعجل حديث الزواج) بنت عطشة قابضة بإصرار على روحها الطفولية: تريد اللعب، تريد الشارع، تريد الاكتشاف، تريد حرية الحركة، وكل محاولات تكييفها مع الدور لا تنجح، وضغط الأقران الذكور يفشل كذلك، حتى جسدها يربكه هذا التعارض بين إرادتها وما يفرضه المحيط فنجد أن أحد ثدييها يكبر قبل الآخر..


-في روايتك السابقة "حجرة" ومن قبلها "غواصو الأحقاف" والآن "بنت عطشة" ثمة مجتمع بدائي على الدوام، إما في قرية أو في صحراء.. هل معينك لم ينضب من ذلك العالم القديم؟
أعتبر القرية والصحراء والبلدة وعاء لما أريد أن أقوله، لكنه الوعاء الذي أملك، إنني هنا أذكرك برد ابن الرومي لمن طالبه بأن يكتب كما يكتب ابن المعتز فقال: وا غوثاه! هذا ابن خليفة يصف ماعون بيته!
-بماذا يمدُّكِ الماضي؟ وكيف تحوِّلين جفافه وقسوته إلى مادة أدبية؟


ماضيي الشخصي؟! لو رأيته بعيني ما سألتني هذا السؤال! هو عالم مدهش واسع كثيف، يكفي أني أمتح منه من سنوات ولا ينضب!
-ما الشخصية الأقرب إليك في كل أعمالك ولماذا؟
شخصية أقرب؟ فلنقل إن هناك شخصيات لم أشبع أنا شخصياً منها، ما زلت أتخيل لو كانت في هذا الموضع أو ذاك ماذا ستفعل؟ وكيف ستتصرف؟
أتخيل كيف سيكون حكم فرجة على ملفات أبستين؟ وهل ما زالت نفلا ترقص وقد بلغت من العمر عتياً؟ وهل ظهر عامر أو أي خبر حقيقي عنه؟ أفكر في فيحان هل ما زال يريد مشيخة آل فواز؟ وهل تعنيه مسابقات مزاين الإبل؟ أم يريد أن يكون عضو شرف في نادٍ رياضي؟


أتساءل هل كبر جهيمان شقيق بنت عطشة وصار شاباً وسيماً أم أن الرؤيا التي رآها كانت نبوءة بموته!
-ماذا أضاف العمل في التعليم إلى شخصيتك وكتابتك؟
التعليم علمني الانضباط، فما زلت بعد التقاعد بسنوات أصحو في موعدي وأبدأ العمل!
وقد علمني عزل نفسي عن المحيط حين أريد الكتابة أو القراءة، كنت أقرأ في غرفة معلمات لا تهدأ الحوارات فيها أبداً، وفي حصص الاحتياط، وفي سيارة صغيرة بأجساد متراصة منهكة من دوام طويل وأنا عائدة من الجامعة..


المدهش بالنسبة لي أني لم أكتب عن التعليم إلا في قصصي المبكرة، ثم أعرضت عنه تماماً.. مع أني لا زلت أخطط لكتابة عالم المدارس، ربما ما يجعلني أبتعد أن التعليم بيئة استقطابات عالية فأخشى أن يصبح النص منبراً لأي خطاب!
كتبتِ العمود الصحفي فما الفارق بين الأدب وكتابة المقال؟ وهل يأخذان من بعضهما؟
كتبت العمود الصحفي مبكراً جداً، في سن صغيرة وتآلف هو والتعليم في تبديد أي أوهام لديَّ عن طقوس الكتابة والوحي! فكان عليَّ أن أكتب في مكان غير مناسب وفي زمن محدد وأن أسلم المادة متى طلبت مني..


ما أخذته الكتابة في الصحف من الأدب هو انحيازي للذاتية في الكتابة، ومهما حاولت خلافها فأنا أعود لها، وسأفشي سراً هنا حين أقول إن أسوأ مقالين لي ولا أحب الإشارة لهما إطلاقاً هما مقالان حُرِّرا بموضوعية جعلتني أنفصل عنهما تماماً..
-كيف ترين روايتك الأولى "روحك الموشومة به"؟ ولماذا احتجت إلى أعوام طويلة لإنهاء روايتك الثانية "كائنات من طرب"؟


الأولى كانت تجربة لذيذة وبريئة، خضتها بلا معرفة وبلا توقعات، ثم حين فازت وتوِّجت خفت.. حسبت أني قلت كل شيء، ولم يعد لديَّ ما يمكن كتابته، وبعد سنوات وفي أصعب توقيت (كنت للتو قد استلمت إدارة مجمع تعليمي كبير) بدأت بواكير كائنات من طرب، فحصلت بصعوبة على إجازة دون راتب لثلاثة أسابيع وكتبت المسودة الأولى.. من السادسة صباحاً للسادسة مساء كتابة مستمرة محمومة حتى أنهيتها وعدت للعمل!
-أخيراً.. ما الرسالة التي تودين إيصالها من خلال أعمالك؟
ربما من المناسب هنا أن أستعير توني موريسون.. صدقاً لا أظن أن لديَّ رسالة محددة لأوصلها، لكن لديَّ قصص كثيرة لم أجدها في الروايات والقصص التي قرأتها ولم أشأ أن أغامر بانتظار أن يكتبها غيري.