بعض الملبوسات كالساعة أو السوار المطلية بالذهب، هل تأخذ حكم الذهب في البيع والشراء، أو يمكن أن تُطلب مثلا عن طريق الإنترنت، أو عن طريق التطبيقات، والدفع يكون متأخرا؟

أما إذا كان هذا الطلاء من الذهب أو الفضة لا يشكل جرما مؤثرا في المادة نفسها التي طُليت بهما أو بأحدهما، ففي هذه الحالة لا تجري عليهما أحكام بيع الذهب والفضة، وهذا هو الغالب أن هذا الطلاء لا يشكل جرما يُعتد به ويُعتبر، فإذا جُمعت هذه المادة فإنها قد لا تشكل إلا رقاقا خفيفة في وزنها، يكاد لا قيمة لها منفردة.

فالتابع في هذه الحالة، لأنها تابعة للأصل، والأصل ليس من الذهب والفضة، فيكون الاعتبار للأصل لا لهذه الزيادة؛ لأنها لا تشكل شيئا يمكن أن يُصدق عليه أنه جرم لذهب أو لفضة.

فمن أجل ذلك يُتساهل فيها، يعني يجوز للرجل أن يلبسها، ولذلك تساهل بعض الناس في شيء من الذهب أو الفضة في سيف الرجل أو خنجره أو في عصاه؛ لأنها لا تشكل شيئا مؤثرا بالنظر إلى ما وُضعت عليه، فتساهلوا فيها، لكن هذا أيضا مما لا يليق، لكن عند بيان الحكم الشرعي، فإنها إن كانت لا تشكل جرما، فإنها مغتفرة

وفي الملاعق والأواني المطلية بالذهب، إذا كانت مطلية، نفس هذه القاعدة، لكن هناك أوانٍ تكون من الذهب ومن الفضة، هذه منهي عنها، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأكل أو الشرب في آنية الذهب والفضة.

هذه إذا كانت من الذهب، أو كان أكثرها من الذهب أو من الفضة، فحكمها الحرمة، على خلاف في بعض التفاصيل، لكن المبدأ العام هو المنع من استعمالها، أما إذا كانت مجرد طلاء، فهذا الطلاء لا يعدو أن يكون رقاقات، وقد رأيت رقاقات هذا الطلاء، تأتي كأوراق خفيفة جدا، حتى بأي نفخة هواء تطير، لا تبقى، ليس لها وزن، إلا إذا جُمعت أعداد كبيرة منها، مما يمكن أن تُطلى به، على سبيل المثال مئات الساعات أو مئات الأواني، يمكن أن يكون لها وزن، أما هي منفردة، أو عشرات منها، فيكاد لا وزن لها إلا بالمليجرام، والله تعالى أعلم.

البنات اللواتي يعطين والدهن مبالغ مالية مستمرة تتجمع مع مرور الأيام، ولا يفعل أبناؤه الذكور ذلك، فهل له أن يوصي لهن من بعض فضل ذلك المال؟

لا وصية لوارث، وإنما إذا كان ذلك على سبيل الضمان، فهذا من الحقوق، أو ما أشبه الضمان من المعاوضات، أي كالتعويض عن مزيد رعاية وقيام بخدمة وتفرغ لرعاية الوالدين أو أحدهما، فأراد أن يوصي لإحدى بناته التي قامت بذلك في مقابل تفريغها لنفسها، والتفاتها لوالديها، وقيامها بشؤونهما، وتخليها عن بعض ما كان يخص نفسها، فهذا أقرب إلى المعاوضة، أما محض العطاء بعد الوفاة بوصية، فهذا قد نُهي عنه بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتقدم ذكره، والله تعالى أعلم.

المسلمون يقولون إن البشرية كلها مخاطبة بالإسلام، وأصبح في ظل هذا التواصل الكبير كل الناس قادرة أن تصل إلى الإسلام، ولكن يقول: كيف تصل الناس إلى الإسلام وهم يتبنون مللا وشرائع مختلفة وأديانا، إن صح التعبير؟ هل الجميع مخاطب؟ وكيف يبحث عن الإسلام في ظل هذا التداخل الشديد بين الأديان والثقافات؟

الدين الحق ظاهر المعالم، بيّن الحجج، ساطع البراهين، ولئن كان هناك في عالم اليوم، كما هو الشأن في تاريخ هذه البشرية، ضلالات أديان وتعدد ملل، فإن تبين الحق منها ليس بالأمر العسير، ويبدأ ذلك بالعودة إلى مصدر هذا الدين الذي يتبعه هذا الإنسان. ما مصدره؟ هل يمكن تتبع مصادره؟ وهل مصدره مصدر إلهي، أو أن مصدر هذا الدين مصدر بشري؟

فالخطوة الأولى لفحص ما يزعم الناس أنه دين ينتسبون إليه، وأنه صواب وحق، وأن ما عداه باطل، يبدأ بمراجعة مصدر هذا الدين الذي ينتحلونه. فإن كان له مصدر، حُدد هذا المصدر، وتبيّنت أدلته، فكل مصدر لا بد أن تتبين وتُتبع هذه الأدلة التي تثبت أن هذا الدين يعود ويرجع إلى هذا المصدر، فإن عدم الدليل فهذا يعني أن المدلول باطل. إن لم يمكن تتبع هذا الدين بمصادره التي يزعم أنه ينتسب إليها، فلا أدلة، لا أثارة من علم، ولا أدلة عقلية ولا نقلية يمكن أن تثبت مرجعية هذا الدين ومصدريته، فانعدام الدليل يعني أنها مجرد دعوى فارغة، لا برهان لصاحبها عليها، فيسقط مثل هذا الدين، وهذا أمر ليس بعسير.

ولنفترض أنه أمكن إثبات مصدرية هذا الدين الذي ينتسب إليه أحد البشر، أو مجموعة أو طائفة أو أمة من البشر، فيأتي الأمر الثاني، وهو الدين نفسه: ما صفة هذا الدين؟ ذات هذا الدين، هل يشمل كل الوجوه التي يحتاج إليها الإنسان فردا وجماعة وأمة وبشرية؟ هل يلبي حاجات هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا؟ هل يتناول كل اهتماماته وقضاياه؟ هل يوازن بين هذه المطالب، ويضع منهاجا ونظاما تشريعيا واجتماعيا وخلقيا؟

ما صفة هذا الدين؟ يتعرف عليه من ذاته، فيفحص، ويوضع تحت الدراسة والبحث والتحري والتمحيص، فإن كان لا يصلح أن يكون دينا أصلا؛ لأنه لا يلبي حاجات هذا الإنسان، أو لا يوازن بين مطالبه، أو لا يشمل نظاما شاملا لهذه الحياة صالحا للبشر في مختلف أعصرهم، سقط الانتساب إليه؛ لأن هذا ما هو إلا هوى من وضع بعض البشر أو تواطؤهم عليه.

فالدين إذن لا بد أن يكون صالحا ليكون قوام الحياة، ولتلبية حاجات الناس أفرادا وجماعات، ولوضع نظام متكامل متزن يحقق هذه المطالب التي يسعى إليها بنو البشر، يجلب لهم الخير والصلاح والرشد، وينفي عنهم الفساد والباطل والظلم والبغي والعدوان، ويؤسس حياتهم على نظام تشريعي متكامل، وعلى نظام اجتماعي عادل، وعلى منظومة خلقية قيمية رفيعة عالية، يضبط لهم حقوقهم وواجباتهم، ويتأتى فيه أن يحصل الفرد على رغباته ومطالبه باعتدال واتزان، والجماعة كذلك، والدول والأوطان والأمم والبشرية.

الآن عندنا دليلان: دليل المصدر، ثم دليل ذات الدين نفسه. بقي أن يُجاوز هذا الذي وُضع تحت الدراسة والبحث كل هذه المراحل، فيُنظر: هل أمكن تطبيقه أو لا؟ هل كان مجرد نظريات لا يمكن تطبيقها في أرض الواقع، كانت مجرد أوهام وأحلام من واضعيها، كانوا يتمنون أن لو وجدت طريقها للتطبيق والتنفيذ، ولكن ذلك لم يحصل أبدا في تاريخ بني البشرية في أي مرحلة من مراحل بني الإنسان؟ أو أنه أمكن تطبيقه، وظهرت نماذج لتطبيقه، وكان التطبيق موافقا لما يدعو إليه هذا الدين من مقاصد وغايات، لما يزعم أنه سيحققه لبني البشر، فكان التطبيق مثبتا لصحة الدين وصدقه، ولأنه حق في مصدره وفي ذاته، ولأنه متناول لهذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا في مختلف أطوار حياته، وحيثما كان هذا الإنسان.

نعم، بهذا المنهج القائم على فحص هذه الأدلة الثلاثة، لا يبقى إلا الإسلام. نعم، أكثر هذه المزاعم من الملل والشرائع والأنظمة الوضعية، أو ما تسمى بالأديان، تسقط عند الدليل الأول، لا مصدرية لها. نعم، وإن كان لها مصدرية، كأن تكون من الملل السماوية التي أوحى الله تبارك وتعالى بها إلى أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، فإثبات صلاحية بقائها إلى يومنا هذا هو الذي سيكون وجه الخلل فيها؛ لأنها لبنات هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ما جاءوا إلا بالإسلام نبيا بعد نبي، ورسولا بعد رسول، جاءوا بتوحيد الله عز وجل، والأمر بعبادته وحده جل وعلا، مع اختلاف شرائعهم، فكل رسالة منها تفضي وتؤكد ما يأتي بعدها، والتي تأتي بعدها تصدق ما قبلها، وهكذا إلى أن جاءت الدعوة الخاتمة، دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فالمنصف، حتى عند الدليل الأول في الملل السماوية السابقة، سيصل حتما إلى إثبات صدق الإسلام ودعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته إن كان منصفا، وإلا فإن الخلل سيأتي في الدليل الثاني، وهو فحص الدين نفسه من داخله: ما الذي يشتمل عليه؟ ما الذي يتناوله؟ ما مقاصده؟ ما أهدافه وغاياته؟

ثم من خلال الدليل الثاني سيثبت إن كان فعلا يمكن تطبيقه، وأنه من مصدره، وأنه حجة، وأنه صالح للتطبيق، وأنه يسعى إلى المقاصد والغايات التي رسمها لأتباعه، لن يبقى كما تقدم إلا هذا الدين الحنيف. فلنحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعمة العظيمة، وعلى هدايته جل وعلا لهذه الأمة، بأن أكرمها وجعلها من أمة خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل دينها قائما على الدليل والبرهان، وعلى الحوار والمجادلة، وإقامة الأدلة ونصب البراهين، ولها مما يثبت صدق الدين وأنه الحق من عند الله تبارك وتعالى الكثير من الأدلة والبراهين.