يبدو واضحا من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة أنه قد أخذ أمره على المضي قدما في طريق إنهاء الأزمة بين بلاده وإيران بالخيار العسكري وليس عن طريق المفاوضات، وأن المفاوضات التي تريدها واشنطن هي تلك التي تفضي إلى استسلام إيران وتذعن فيها للشروط الأمريكية خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي، وهو ما لا يمكن توقع قبوله من طهران في الوقت الراهن على الأقل.
وهناك الكثير من الشواهد على صحة هذا الزعم لعل أكثرها وضوحا إعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة بشكل هجومي وتعزيز عملية إحكام الحصار على الموانئ الإيرانية، هذا من الناحية العسكرية على الأرض.
ومن الناحية السياسية فإن تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة جاءت - على غير العادة - متناغمة ومتسقة مع بعضها البعض؛ إذ لم يكتنفها التناقض كحال تصريحاته السابقة، وجاءت كلها تصب في اتجاه واحد هو فرض الرؤية الأمريكية على إيران تحت ضغط القوة والحصار باعتبار أن طهران في أضعف حالاتها مما يسهل معه إملاء شروطها عليها، وفي هذا الصدد يقول ترامب أن الصف الأول والثاني من القادة الإيرانيين قد رحلوا وأن نصف الصف الثالث غير موجود حاليا، ويؤكد أن ما حدث هو تغيير نظام حقيقي، بل أكثر من ذلك زعم ترامب أنه يتلقى اتصالات من شخصيات إيرانية مختلفة تعرض إبرام صفقات!!
وقال ترامب فيما قال إنه منع إيران من استخدام مضيق هرمز كأداة تهديد وهو ما يعني أنه قد جرد إيران من أهم أوراق الضغط الفعالة التي تمتلكها وذلك بفضل الحصار الذي تضربه البحرية الأمريكية عليها.
ويقول أيضا إن بلاده فككت قدرات إيران العسكرية بالكامل، وسلاحها الجوي خرج عن الخدمة تماما ولم يعد له وجود، وقد باتت بلا دفاعات جوية أو أنظمة رادار، وإن البحرية الإيرانية التي كانت الأقوى إقليميا دُمرت هي الأخرى بالكامل و159 سفينة إيرانية أغرقت وتقبع في قاع البحر، وإن 85٪ من القدرة التصنيعية للصواريخ الجديدة في إيران قد دمرت، و82٪ من منشآت الصواريخ تم تحييدها، كما أن معظم مصانع الطائرات المسيرة قد تم ضربها!!
التحليل السليم والأكثر منطقية لهذه التصريحات التي أطلقها الرئيس ترامب يوم الجمعة وفي خضم تنامي الحديث اقليميا ودوليا عن ضرورة استئناف المفاوضات والحل الدبلوماسي، هو أن الرئيس ترامب قصد بهذه التصريحات أن يقول إنه انتصر في الحرب، وبالتالي فهو يملي شروطه التي هي في حقيقتها شروط إذعان وما على الجانب الإيراني إلا القبول بها دون نقاش!!
ويعزز هذه الفرضية التصريح الأكثر تعبيرا عن هذا الاتجاه وهو قول الرئيس ترامب «أي اتفاق سنبرمه مع إيران يجب أن يكون سيئا لها، وقد يكون من الأفضل لنا ألا نبرم صفقة على الإطلاق»!
وبهذا المنحى الذي اتخذه ترامب يكون قد وقع في الخطأ نفسه الذي ارتكبه في الثامن والعشرين من فبراير حين خرق سريان مفاوضات جنيف التي كانت بوساطة عُمانية وهاجم إيران في خضمها وقد كان الجانبان قاب قوسين أو أدنى من الوصول لاتفاق مرضٍ، وكان هذا الخرق مبنيا على تصور خاطئ وتقدير غير محسوب بأن القوة العسكرية هي الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف الأمريكية بزعم أن طهران في أقصى حالات ضعفها ولن تقوى على الصمود وامتصاص الضربات، لكن ثبت العكس تماما على النحو المعروف.
وها هو ترامب يكرر الخطأ نفسه وهذه المرة في ظروف أكثر تعقيدا من سابقاتها حيث جرت مياه كثيرة تحت جسر الأزمة لم يضعها ترامب في حسبانه بل اعتمد على تقدير وحساب مبني على تفكير رغبوي Wishful thinking وسوء تقدير under estimation للقدرات العسكرية الإيرانية، وهي قدرات يؤكد خبراء عسكريون متخصصون في الشأن الإيراني أنها لا تزال لديها الفاعلية والقدرة على الصمود في مواجهة أي أعمال عدائية قد تشنها أمريكا وإسرائيل بما يشكل مفاجأة غير متوقعة لدى الجانب الأمريكي.
والواقع أن طول أمد القطيعة والعداوة بين طهران وواشنطن والذي امتد أكثر من أربعة عقود ونصف أقام حاجزا منيعا أمام واشنطن حال دون وصولها لمعلومات حقيقية بشأن القدرات العسكرية الإيرانية، فضلا عن أن طهران ظلت حريصة على أن تضرب سياجا منيعا من السرية على أنشطتها الصناعية العسكرية.
وقد ظهر ذلك جليا في حرب الاثني عشر يوما في يونيو العام الماضي، وفي هذه الحرب الأخيرة حيث تفاجأت كل من تل أبيب وواشنطن بقدرات صاروخية إيرانية لم تكن بالحسبان.
تكرار الخطأ بشن ضربات ضد إيران سيكلف إدارة ترامب الكثير وسيجعلها عالقة في مستنقع يصعب عليها الخروج منه بسلام، فالحصار الذي تعول عليه أمريكا لتحقيق بنك الأهداف الذي حددته وأدناه فك إغلاق مضيق هرمز، وأعلاه الوصول إلى اليورانيوم الإيراني المخصب لن يكون ممكنا دون أن يكون هناك نشر لقوات برية أمريكية داخل الأراضي الإيرانية وهي أعلى نقطة ضعف أمريكية، وبالمقابل هي أعلى نقطة قوة بالنسبة لإيران التي تقول كل الشواهد إن لها فيها ميزة وتفوق كبير.
ومع تنامي الأصوات الرافضة للحرب في أمريكا فإن وقوع خسائر قلّت أو كثرت وسط القوات الأمريكية كفيل بإجبارها على الانسحاب، ويعتبر ذلك هزيمة لها ونصرا لإيران.
لهذا كله، ولتجنب المزيد من التعقيد وتفاقم الأزمة يتعين على ترامب شطب الحل العسكري من أجندته والإقبال على مائدة التفاوض للوصول إلى حل وتسوية ترضي جميع الأطراف المحبة للسلام بالمنطقة.
على واشنطن التقاط الإشارات الإيجابية التي بدأت تطلقها طهران في اتجاه تقريب وجهات النظر وردم هوة الخلاف مع الجانب الأمريكي.
وفي هذا الصدد أتوقع أن تذهب طهران شوطا أبعد بموافقتها على الشرط الأمريكي بمزامنة النقاش حول البرنامج النووي مع بقية الموضوعات على مائدة التفاوض في حزمة واحدة عبر تفاوض مباشر؛ وهو أمر إن حدث يعني أن طهران راغبة في السلام، وهو اختبار لجدية الجانب الأمريكي في التوصل لحل يوقف الحرب وينشر السلام في المنطقة.
فهل تصغى إدارة ترامب لصوت العقل والحكمة وتتصرف ببراجماتية وواقعية وتجنب نفسها والمنطقة الانزلاق في صراع يطول أمده وتطول معه الأزمة الاقتصادية التي بدأت حلقاتها تستحكم وآثارها تظهر حتى على الداخل الأمريكي.
أم أن الأجندة الحربية الإسرائيلية هي التي ستسود وتتصدر القائمة..!
الركابي حسن يعقوب .. كاتب سوداني