تتوالى أيامنا بين شروق وغروب في عالم تتشابك فيه الأحداث، وتملؤه التحولات، وتبقى ذات الشمس التي تشرق على دول تغيب في اللحظة ذاتها عن دول أخرى، حاملة خطرا هنا وفرصة هناك.

لكن من يرى في الظلمات نورا يجد أن الفرص تشرق من ظلمات المخاطر، كما تشرق الشمس وتغرب على زوايا الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية؛ حيث تنزوي سلطنة عمان متربعة في موقع جغرافي ومناخي استثنائي يضعها في بيئة جيوسياسية معقدة، محاطة بتوترات إقليمية وتقاطعات مصالح دولية من جهة، ونطاق مناخي محفوف بالمخاطر الطبيعية من جهة أخرى، فتقف صامدة على صفيح ملتهب سياسيا ومناخيا، وشامخة على أبواب الفرص في آن واحد.

في حين أن الوقوف على أبواب الفرص من فوهة المخاطر ليس بالأمر اليسير، ويتطلب أن يضع المجتمع يده بيد الدولة ليكون قادرا على رؤية النور في لحظات الغروب ويحوّل المخاطر إلى فرص ويسهم في دعم الأولويات بعقل استراتيجي يدفع بالابتكار والاستثمار والتنمية قدما.

وقد علّمنا التاريخ أن كل أزمة تحمل فرصا لمن يحسن قراءتها، فقرأت عُماننا ذلك برؤيتها وحيادها وفتحت لنفسها وللعالم آفاقا جديدة، كما أن اتزان المجتمع العُماني يمثل بحد ذاته فرصة تتسع آثارها محليا وإقليميا ودوليا، وذلك في ظل حالة مستمرة من عدم اليقين تعيشها المجتمعات لما هو آتٍ؛ حيث لم تعد المخاطر واضحة أو قابلة للتنبؤ وأصبحت معقدة وعابرة للحدود، ولم يعد العالم محكوما بقواعد الاستقرار التقليدية حين غزته المخاطر الحديثة.

وهذا ما عبّر عنه عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك في طرحه عن «مجتمع المخاطر»؛ إذ تجاوزت المخاطر حدود الطبيعة، لتشمل تعقيدات الأنظمة السياسية والاقتصادية والتقنية الحديثة، ما عزز شعور الحذر ودفع الأفراد للبحث عن الأمان والاستقرار في قراراتهم، سواء في السفر أو الاستثمار أو اختيار أماكن العيش.

وعند إسقاط حالة اللايقين التي تعيشها المجتمعات بسبب المخاطر الجيوسياسية نجد أن سلطنة عُمان -رغم ما يحيطها من توترات- حوّلت تعريف المخاطر من كونها مصدرا للتهديد إلى اعتبارها عاملا يوجّه حركة الأفراد والاستثمارات نحو البحث عن الاستقرار، فتحولت المخاطر المحيطة إلى فرص تعزز مكانة عُمان كوجهة آمنة؛ إذ أسهمت سياسة الحياد والتوازن في ترسيخ صورة عُماننا كوجهة سلام واستقرار، وتحولت صورتها إلى رافد اقتصادي يعزز جاذبيتها للسياحة والاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية، خاصة مع اضطراب بعض المسارات، فعززت مكانتها كمركز عبور للأفراد وتجارة الدول، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على خطوط الملاحة الدولية وثقة المجتمع الدولي بها.

وقد تجلّت مؤشرات هذا التحول في ازدحام المنافذ، وارتفاع حركة العابرين والباحثين عن بيئة آمنة إلى جانب امتلاء الرحلات الجوية وارتفاع نسب الإشغال الفندقي، مما يعكس قدرة عُمان على التعامل الإيجابي مع تداعيات المخاطر الإقليمية، واستثمارها في فرص اقتصادية وسياحية تعزز مكانتها كوجهة موثوقة.

أما المخاطر الطبيعية فقد حُوِلت الى فرص حين أصبحت دافعا للمؤسسات وأفراد المجتمع للتطوير وإعادة التخطيط والتحفيز للابتكار، حيث التعامل مع الأعاصير والسيول والتضاريس الصعبة فتح أبوابا لتحسين البنية الأساسية وتعزيز كفاءة المدن الذكية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والتقنيات المتقدمة، وتوظيف قوى الطبيعة نفسها كمصادر للطاقة ضمن رؤى تنموية ومستدامة.

ومن هذا المنطلق، تتسع آفاق الاستثمار في هذه المخاطر، خاصة في قطاع السياحة، عبر تحويلها إلى فرص توازن بين الإثارة والأمان، وتبرز تنوع الطبيعة العُمانية ضمن بيئات مدروسة، بما يعزز مكانة عُمان كوجهة رائدة قادرة على تحويل المخاطر الطبيعية إلى قيمة تنموية واعدة، وبما قد يفوق تجارب عالمية أخرى.

فمن كان يتخيل أن البراكين بما تحمله من دمار وخطر، يمكن أن تتحول إلى مصدر جذب سياحي واستثماري؟! ومع ذلك، استطاعت دول مثل آيسلندا أن تبني جزءا من اقتصادها السياحي حول الظواهر البركانية، فيما طورت اليابان صناعات متقدمة واستثمرت في سياحة الكوارث، مقدمة تجارب تعليمية وإنسانية مميزة، بما يبرهن أن أشد المخاطر يمكن تحويلها إلى فرص ورؤى مبتكرة.

وعُماننا وإن كانت على فوهة المخاطر فهي على أبواب الفرص، وجديرة بتحويل المخاطر إلى مكاسب، خاصة في قطاع السياحة، حيث تتحول الطبيعة بما تحمله من مخاطر إلى عنصر جذب في بيئة آمنة؛ فالجبال الشاهقة التي كانت مصدر رهبة أصبحت وجهات لسياحة المغامرات ببُنى آمنة وتجارب منظمة تمنح الزائر إحساسا بالإنجاز.

ويشمل ذلك تجارب أخرى كـموسم الورد بالجبل الأخضر حيث تحول الصعود إلى الجبال مع بزوغ الفجر إلى رحلة متكاملة، يتشارك فيها الزوار مع المزارعين ويصعدون المرتفعات ذات الطبيعة القاسية -التي كانت مصدر رهبة ذات يوم- وينحدرون نحو المدرجات الزراعية محاطين بنفحات الورد، لتغدو الطبيعة القاسية فرصة تعيد ربطهم بالإنسان والمكان.

ولا يمكن إغفال دور التراث والمجتمع العُماني في هذا التحول؛ فالمجتمع الذي عاش لقرون في بيئة صعبة، نجده قد طور أنماط حياة قائمة على التكيف والمرونة من إدارة المياه عبر الأفلاج إلى البناء المتناغم مع الطبيعة وصولا إلى القيم الاجتماعية التي تعزز التعاون والتكافل.

ويظل الرهان قائما على تكامل المجتمع والدولة لإدارة المخاطر واستثمارها بما يحقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع نفسه في الوظائف والمشاريع وتحسين جودة الحياة وتعزيز التماسك والانتماء، مع التيقّظ لحماية صورة عُمان كدولة محايدة وآمنة، وصولا إلى ترسيخ الاستقرار وتطوير البنية الأساسية ورفع جاهزية الوطن للمستقبل، ما يجعل إدارة المخاطر عملية متكاملة تتجاوز تقليل الخسائر إلى صناعة فرص مستدامة تدعم الإنسان والمكان والدولة، ويعزز فيها المجتمع العُماني هذا الدور بوعيه ومشاركته الإيجابية في إدارتها والحفاظ على قيم تجعل من عُمان بيئة جاذبة وآمنة.

كما يمكن لمختلف المخاطر أن تُحفز فرص الابتكار خاصة مع تصاعد حالة عدم اليقين، حيث تبرز الحاجة لأدوات ذكية في إدارة القطاعات الحيوية كقطاع السياحة، عبر تقنيات كالذكاء الاصطناعي لتحليل حركة السفر، وإدارة الازدحام -خاصة خلال فترات التوتر التي تتغير فيها سلوكيات المسافرين فيبتعد الكثيرون عن مناطق المخاطر بحثا عن وجهات آمنة- بجانب تطوير حلول للتنبؤ بالمخاطر الطبيعية وتقليل تأثيرها على المواقع التراثية والسياحية وتوجيهها نحو مسارات تدعم التنمية المستدامة ورؤية عُمان 2040.

ومن هنا تكمن قدرة عُمان لتحويل المخاطر إلى فرص ومنطلق نحو البناء والابتكار وترسيخ الثقة عبر منظومة متكاملة تتكامل فيها السياسة المتوازنة والاقتصاد الحيوي والمجتمع الواعي والتراث الراسخ والتقنيات المتقدمة، بما يعزز قدرتها على مواجهة تحديات المستقبل.

أخيرا ورغم ما يحيط بنا من مخاطر يبقى إيماننا يضيء نظرتنا المشرقة للمستقبل؛ فمع العسر يسرا ومع كل خطرٍ نجد فرصة وقد أكّد النور الإلهي هذه الحقيقة، بقوله تعالى في محكم كتابه العزيز: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا , إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» في إشارة إلى أن الشدائد لا تأتي منفصلة عن إمكانات الانفراج، لنمضي بعقول منفتحة ورؤى متفائلة وآفاق تتسع لما فيه خير مجتمعاتنا وأوطاننا والإنسانية جمعاء.