تكدّست في الشرق الأوسط كل أدوات القوة حتى صار الأمن فيه أقرب إلى صناعة ثقيلة منها إلى معنى سياسي. قواعد عسكرية وأساطيل ومنظومات دفاع وشبكات استخبارات وتحالفات متحركة واتفاقات تُبنى غالبًا فوق الرمال المتحركة. طوال عقود، ظنّت العواصم الكبرى وبعض عواصم المنطقة أن مزيدا من الردع يكفي لصناعة الاستقرار وأن التفوق العسكري قادر على إعادة بناء التاريخ. لكن ما حدث كان شيئا آخر؛ فأزمات المنطقة تدار وتحرك من الداخل والخارج من غير أن تجد طريقها إلى سلام يلامس جذور الخوف والظلم.

تكمن هشاشة هذا التصور في جوهره الأخلاقي والسياسي معا. فهو يفترض إمكان بناء السلام مع تأجيل أحد أكثر أسئلة المنطقة عمقا: الوجود السياسي للشعب الفلسطيني. لا يستطيع أي نظام إقليمي أن يثبت فوق تصميم يطلب من جيران إسرائيل الاعتراف بها كحقيقة دائمة، بينما يُدفَع الفلسطينيون إلى هامش الصورة وينظر إليهم باعتبارهم ملفا إنسانيا أو هاجسا أمنيا أو عبئا تفاوضيا.

يتحدث العالم كثيرا عن حق إسرائيل والإسرائيليين في الأمن، لكنه يتردد طويلا أمام حق الفلسطينيين في الأمن والحياة. وحين يتحول أمن طرف إلى مبرر لاحتلال أرض طرف آخر وتوسيع المستوطنات وإطالة الحصار وتهجير الناس وإغلاق كل أفق سياسي أمامهم، يفقد الأمن معناه العميق، ويتحول إلى إدارة دائمة للخوف لا إلى طريق نحو السلام.

تطرح التصورات التي تُقدَّم للمنطقة بين حين وآخر شراكات استثمارية وتكنولوجية، وانفتاحات دبلوماسية، ومسارات تطبيع مع إسرائيل. غير أن الشعوب العربية وكثيرا من حكوماتها لا تستطيع النظر إلى هذه التصورات بعيدا عن الذاكرة والتاريخ وحقيقة الاحتلال. ومهما استطاعت إسرائيل أن تقنع بعض الدول بفتح أبواب التطبيع، فإن وهج تلك اللحظة سرعان ما يخفت حين يصطدم بصورة الفلسطيني المحاصر، وبالسؤال الذي لم يغادر ضمير المنطقة: كيف يُبنى سلام فوق حق مؤجل؟

لقد جرى توصيف القضية الفلسطينية طويلا بطريقة خاطئة حين اختُزلت في مسألة تقنية تنتظر ترتيبا أذكى للمراحل، بينما هي في أصلها مطالبة شعب بأرضه وكرامته وذاكرته وحقه في تقرير مصيره. وحين تُعامَل هذه المطالبة كأمر قابل للاحتواء إلى حين توفر لحظة أكثر ملاءمة، تتولد من ذلك الهشاشة نفسها التي يقال إن السياسات الأمنية جاءت لعلاجها.

وتتحمل الولايات المتحدة مسؤولية خاصة في هذا السياق. فقد قُدِّم دعمها لإسرائيل دائما بوصفه التزاما بأمن حليف. هذا يفسر جانبا من العلاقة، لكنه لا يفسر حجم الحصانة السياسية التي رافقتها. حين تمنح المساعدات العسكرية والحماية الدبلوماسية وقوة الفيتو دولة ما قدرة واسعة على تفادي كلفة أفعالها، تصبح الوساطة صعبة التصديق.

أما أوروبا فسجلها لا يبدو أكثر اتساقا. تتقن الحكومات الأوروبية لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان والنظام القائم على القواعد؛ لكنها غالبا ما تتباطأ وتتردد وتتجزأ حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية. تركت هذه المسافة بين اللغة والفعل أثرا عميقا يتجاوز فلسطين. فقد قالت للعالم الواسع إن القانون يمكن أن يكون عاجلا في ساحات وقابلا للتأجيل في ساحات أخرى.

العالم العربي نفسه غير معفي من جذور المشكلة. والحق أن مأساة الشرق الأوسط لها مؤلفون كثيرون، وتبقى محاولة بناء استقرار إقليمي حول فراغ سياسي العائق الأعمق أمام السلام. لا يمكن دفع الفلسطينيين إلى هامش التاريخ، ولا يمكن مقايضة حقوقهم بهدوء مؤقت أو ترتيبات عابرة، ولا يمكن تسليم مستقبلهم إلى قوافل الإغاثة وحدها.

ما زالت المنطقة تملك فرصة لبناء أساس مختلف؛ يبدأ من إدراك أن الأمن إما أن يكون متبادلا أو يبقى مؤقتا. ويتطلب ذلك إنهاء الاحتلال والتوسع الاستيطاني، وقيام مساءلة قانونية ذات صدقية، وحماية المدنيين، وبناء نظام إقليمي يطبَّق فيه القانون على الحليف والخصم بالمعيار نفسه. سيكون هذا السلام صعبا، لكنه الطريق الوحيد الذي لم تستنفده المنطقة بعد كما استنفدت أوهام القوة.

تستطيع القوة أن تفرض الصمت، تستطيع أن تبدل الحسابات، تستطيع أن تدفع حكومات إلى توقيع اتفاقات، لكنها وحدها لا تخلق شرعية. ومن دون الشرعية سيظل الشرق الأوسط يخلط بين فترات الهدوء والسلام، وبين هندسة القوة والاستقرار. وسيظل الجرح الفلسطيني، مهما غطي بخرائط التجارة وصفقات السلاح وبيانات الدبلوماسية، يرسل نبضه العميق تحت جلد المنطقة، مذكّرا الجميع بأن السلام الذي لا يعترف بالإنسان يظل جسرا بلا ضفة.