العُمانية: افتتحت سلطنة عُمان اليوم جناحها الوطني في بينالي البندقية الدولي للفنون في دورته الـ 61 المقام في مدينة البندقية الإيطالية، مقدّمةً عملًا فنيًّا غامرًا بعنوان "زينة" في خطوة تعكس حضورها المتنامي في المشهد الثقافي العالمي، وتؤكد التزامها بتفعيل التراث الثقافي غير المادي بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة العالم.
رعى حفل الافتتاح معالي السّيد سعود بن هلال البوسعيدي وزير الثقافة والرياضة والشباب، بحضور عدد من أصحاب السمو والمعالي والسعادة، وبمشاركة واسعة من الفنانين والمثقفين وممثلي المؤسسات الثقافية الدولية.
وقال سعادة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب للثقافة المفوض العام للجناح في كلمته: إن مشاركة سلطنة عُمان في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية الدولي للفنون 2026 تأتي امتدادًا لالتزامها بتعزيز حضورها الثقافي على الساحة الدولية، وترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في المشهد الإبداعي العالمي، انسجامًا مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" والاستراتيجية الثقافية لوزارة الثقافة والرياضة والشباب.
**media[3376780]**وأضاف سعادته أن هذه المشاركة تسعى إلى تقديم خطاب فني معاصر ينطلق من الخصوصية العُمانية، ويتفاعل مع القضايا الجمالية والفكرية الراهنة، بما يسهم في بناء جسور الحوار والتبادل الثقافي، وفتح آفاق جديدة للتجربة والتأويل، ويؤكد في الوقت ذاته على دور الثقافة بوصفها رافدًا للتنمية، ومنصة لإبراز الطاقات الإبداعية الوطنية ضمن سياق عالمي متعدّد ومتحوّل.
وأكد أن سلطنة عُمان تنطلق من رؤية ثقافية راسخة، ترى في الثقافة أحد أبلغ تجليات الحضور الحضاري للأمم، وفي الفنون فضاءً إنسانيًّا رحبًا لاستكشاف العالم وتأمّله، لتقدّم من خلال هذه المشاركة تجربة متجذّرة في تاريخها، ومنصتة في الوقت ذاته للأسئلة الجمالية والفكرية التي يتناولها الفن ضمن سياقاته المعاصرة، بما يعكس حيوية الممارسة الإبداعية وقدرتها على إعادة تشكيل المعنى والواقع، وفتح آفاق جديدة للتأويل والتجربة، وتعزيز الحوار والتلاقي بين الشعوب.
وأشار وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب للثقافة المفوض العام للجناح إلى أن جناح سلطنة عُمان في هذه الدورة يقدّم مشروعًا فنيًّا يستلهم إحدى المفردات المتجذّرة في الذاكرة البصرية العُمانية، وهي "الزّانة" كجزء من الزينة الفضية المرتبطة بعالم الخيل، بما تنطوي عليه من كثافة رمزية تتجاوز حدود الزخرفة والوظيفة، لتغدو تجسيدًا لمنظومة من القيم المتصلة بالجمال والهيبة والحركة والانتماء.
وذكر أن هذه المشاركة تمثّل في جوهرها، تجسيدًا لتوجّه وطني يرسّخ مكانة الثقافة العُمانية ضمن مسارات الحضور الدولي، ويعزّز تمكين المبدع العُماني من التواجد المؤثر في المنصات العالمية، والإسهام في الحوارات الفنية والفكرية التي تصوغ ملامح المشهد الثقافي المعاصر.
وأوضح أنه في الوقت ذاته يفتح هذا الجناح نافذةً على جانب من التجربة العُمانية في امتداداتها الرمزية والجمالية والإنسانية، ويتيح لزوّاره مجالًا للتأمل في قدرة الفن على أن يسمو بالمفردة المحلية إلى أفق إنساني مشترك، وأن يجعل من الذاكرة الثقافية منبعًا متجددًا للابتكار، وسبيلًا إلى حوار أكثر عمقًا واتساعًا بين الثقافات.
**media[3376778]**ويقدّم الجناح العُماني عملًا تركيبيًّا للفنان والقيّم الفني هيثم البوصافي، يستلهم تقليد "الزّانة" المرتبط بتزيين الخيل بالفضة، ليعيد تقديمه بوصفه تجربة حسية معاصرة تتكامل فيها عناصر الرمل والفضة والصوت وحركة الجسد.
ولا يقف الزائر أمام العمل بوصفه متلقيًا، بل يصبح جزءًا منه؛ إذ يمشي على أرضية رملية مستوحاة من البيئة العُمانية، فيما تتفاعل فوقه تكوينات فضية معلّقة تُصدر أصواتًا تتشكّل مع كل خطوة، في تجربة فنية تحوّل الحضور الإنساني إلى عنصر فاعل في تشكيل المعنى.
ويستند العمل إلى مفهوم جمالي عميق، حيث لا تُقدَّم "الزينة" بوصفها زخرفة سطحية، بل باعتبارها تعبيرًا عن الكرامة والاعتزاز واستحقاق الجمال، في قراءة معاصرة لمفردة متجذّرة في الذاكرة العُمانية.
كما يطرح الجناح تجربة قائمة على الإصغاء والتأمل، بعيدًا عن الاستعراض البصري، انسجامًا مع ثيمة المعرض "المقامات الصغرى" التي تدعو إلى التفاعل مع الفنون عبر الإحساس والهدوء.
ويمتد البعد المفاهيمي للعمل ليقدّم قراءة نقدية لفكرة الصحراء، بوصفها فضاءً مولِّدًا للثقافة والإبداع، لا مجرد فراغ جغرافي، مستحضرًا تاريخ الفروسية العُمانية والعلاقة العميقة بين الإنسان والخيل، حيث تتحوّل "الزّانة" من أداة وظيفية إلى تعبير جمالي وفلسفي يعكس منظومة من القيم الإنسانية.
ويتسم العمل بطابع جماعي، إذ شارك في تنفيذ عناصره عدد من الفنانين وطلبة الجامعات والكليات والمدارس، ما أضفى عليه بُعدًا تشاركيًّا يعكس روح العمل الجماعي.
وتأتي هذه المشاركة امتدادًا لمسار ثقافي متصاعد لسلطنة عُمان في المحافل الدولية، حيث سبق لها المشاركة في دورات سابقة من بينالي البندقية، إلى جانب حضورها في بينالي لندن للتصميم، في سياق يعكس توجهًا استراتيجيًّا لتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، وترسيخ مكانة الثقافة كقوة ناعمة وجسر للتواصل الحضاري.
ويُعد جناح سلطنة عُمان في بينالي البندقية 2026 بيانًا ثقافيًّا معاصرًا، يقدّم رؤية عُمانية للجمال بوصفه قيمة إنسانية قائمة على الرعاية والكرامة والإصغاء، مؤكدًا أن التراث ليس ماضيًا يُعرض، بل طاقة حيّة تُعاد صياغتها لتسهم في تشكيل مستقبل أكثر عمقًا واتساعًا للحوار بين الثقافات.