عندما تدخل في مشروع حضاري برغبة يأخذك الشغف نحو تتبع أبعاده في مختلف الأزمنة والأمكنة؛ لأنَّك تؤمن بأنَّه يأخذ طريقه في تبلور خارطة حضارة الوطن وثقافاته المتنوعة. وهذا ما يحصل في مشروع بحثنا عن «حضارة سَلُّوت»، وتوثيق ما نستطيع مِن عناصرها الثقافية الموغلة في أعماق التاريخ.

الجمعة؛ 3 أبريل 2026م حَمَلَنا فضولُ المعرفة صوب الدقم، وكان معي الصديق أحمد بن مبارك النوفلي الذي سخّر للرحلة مشكوراً سيارته الجديدة ذات الدفع الرباعي، والابن عبدالرحيم الزميل في البحث والتوثيق. هدف رحلتنا.. معرفة وادي نفون بالدقم آثارياً.

أتت رحلتنا عقب «منخفض المسرّات» الذي عمَّ معظم عُمان.. فسلكنا طريق سناو الدقم؛ لكونه أقصر مِن الطريقين الصحراوي والساحلي، مستمتعين بالأجواء، على غير عجلة مِنَّا في طيّ الطريق. فبعد توقف مرات عدة، وتناول القهوة وأخذ قيلولة عند وادي شتال -الذي لا يزال يجري- بمحافظة الوسطى، وصلنا مقصدنا قبل المغرب، فاستغللنا ما بقي مِن نهار، ودخلنا وادي نفون، الذي يسبق الدقم قليلاً؛ كأنَّه بوابة حضارية للمستقبل الاقتصادي. فما لبثنا إلا ساعة حتى خرجنا مِنه بإظلام الليل، ثم واصلنا مسيرنا إلى الدقم؛ وكانت نيتنا أنْ ننام في الفضاء؛ بيد أنَّ ظرفاً صحياً طرأ على أحدنا، دفع بنا أنْ نستأجر مكاناً بتنا فيه.

اليوم التالي.. خرجنا مِن النُزُل، وتناولنا الإفطار في مطعم قريب مِنه، ثم تحركنا صوب القبور البرجية، وهي قبور مضفورة بالحجارة تحولت بمرور القرون ركاماً فعُرفت بـ«القبور الركامية»، وهذا النوع.. يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد مِن «حضارة سَلُّوت»، والتي كنا نحددها جغرافياً من خصب بمسندم إلى رأس الحد بالشرقية، إلا أنَّ عناصرها متمددة على كافة أرضنا العمانية. تشير الدلائل إلى أنَّ خطاً صخرياً طويلاً يحاذي ساحل الدقم انتصبت عليه هذه القبور.

الشمس.. قاربت على الاستواء في كبد السماء، لكن الطقس المنعش أغرانا بالعودة إلى وادي نفون، والذي اكتشِفتْ فيه عشرات المواقع الآثارية المؤرخة بالعصر الحجري المديد، ويبدو أنَّ استيطان الوادي وما جاوره استمر إلى أوقات متأخرة، إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد من العصر البرونزي؛ على أقل تقدير. لم نتمكن مِن التعرّف على تفاصيل الوادي، فالسيول قطّعت أوصال الدروب، والأودية غيولها تجري، والأرض رخوة بانهمار الأمطار عليها، فآثرنا القفول إلى الشمال، على نية العودة في الشتاء القادم.

في طريق العودة.. وبينما نستمتع بالمناظر الجميلة المتعاقبة؛ مِن بقع رطبة ولجج أشبه ببحيرات؛ خلّفتها السيول، وأشتات أشجار تكافح البقاء، وجبال أشبه بالتلال؛ تتناثر في صحراء صهباء، وبحكم ممارسة البحث عن الآثار؛ استوقفْنا زميلَنا النوفلي عند أشباه جبال، كأنَّنا شممنا فيها رائحة مواقع قديمة. نزلنا مِن السيارة واتجهنا إلى الشمال، وبحثنا حوالي نصف ساعة، ولم نعثر على شيء. ثم قال عبدالرحيم: المواقع في الجنوب والدليل هذا. وأرانا مواقعها على جوجل، فاتجهنا نحوها، وبالفعل؛ عثرنا عليها، وأخذنا جولة في المكان، كانت مغرية بتتبعها، بيد أنَّ النهار أغمض عينه فداهمنا الظلام، وانصرفنا على نية الرجوع إليها في أقرب وقت.

الخميس 16 أبريل 2026م في الساعة الخامسة والنصف مساءً تحركنا أنا وعبدالرحيم وأحد إخوته متجهين إلى بطن الصحراء في محافظة الوسطى؛ حيث الحافة الجنوبية لرمال الشرقية «رمال وهيبة» إلى الموقع الذي وقفنا عليه قبل أسبوعين. سكت محرك السيارة حوالي العاشرة ليلاً، قبل الموقع بحوالي 35كم، حططنا رحلنا في مكان ليس بعيداً عن الدوار المتجه نحو محوت، فهو آخر محطة بها وقود وخدمات. نمنا قرب مسجد، في جو صحراوي أقرب إلى طقس الشتاء، لنصحو بأذان الفجر ونصلي. وبعدما تنفس الصبح تحركنا إلى تناول الإفطار، ثم اتجهنا إلى موقع الآثار، وبدأنا استكشافه الساعة السابعة صباحاً، كان جواً صحراوياً منعشاً.

الموقع الذي يقع قريباً مِن منطقة الثبانية بولاية محوت.. عبارة عن سلاسل صخرية سطت عليها رمال الصحراء، ولم تبقِ مِنها إلا قممها المنبسطة؛ كأنَّها لوح طافٍ على بحر لجي مِن الرمال؛ مِن فوقه موج مِن الكثبان. فوجدناه ليس موقعاً واحداً.. بل مواقع شكّلت مستوطنة على صفائح صخرية ممتدة طولياً، أثّرت عليها التعرية الجوية، فأدت إلى تفتت صخورها على هيئة ألواح رهيفة، وبعضها قِطْع جلمودية مربعة، كأنَّما حُزّتْ بسكين مِن مائدة جبن كبيرة فرشت على رمال لا نهاية لها.

لعل مما أهّل المكان أنْ يستوطنه البشر في الأزمنة المطيرة؛ أنَّه كان على مشارف وادٍ خصيب. ولا أستبعد أنَّ بطن صحراء الربع الخالي يحبل بمستوطنات تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، تتكامل مع الحضارة العمانية القديمة «حضارة سَلُّوت»، أو رُبَّما أنَّها مِن ثقافات ما قبل العصر البرونزي، وهذا الموقع أحدها. وما نرجوه من الجهات المعنية بالتنقيب في سلطنة عمان أنْ تسلط أضواءها الكاشفة على هذه الصحراء العظيمة.

ما استكشفناه ووثقنا بعضه هو صفيحتان فقط مِن أشباه الجبال؛ وبعض الجزر الصخرية المجاورة، بيد أنَّ المنطقة بها سلاسل من الصفائح، لا أستبعد أنْ يكون قد تمدد الاستيطان البشري عليها. خلال ساعتين ونصف.. استكشفنا إحدى الصفيحتين؛ وعند التاسعة والنصف توقفنا للاستراحة وتناول القهوة تحت ظل شجرة غاف، تؤنسها بعض أشجار مِن فصيلتها؛ واستأنسنا كذلك بتعليقات الأبناء. ثم تابعنا عملنا حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً، فطردتنا الشمس بأشعتها اللاسعة مِن المكان، فاتجهنا بالسيارة نستكشف السلاسل الصخرية الممتدة طويلاً؛ التي غيّبت إرسال هواتفنا، فخشينا أنْ تغيّبنا في مسايل أوديتها، ولا يسعفنا بترول سيارتنا على الخروج منها، فرجعنا نتتبع آثار العجلات حتى وصلنا الطريق العام.

إنَّ الموقع لا يكفيه استكشاف عابر مِن غير مختصين في علم الآثار.. بل يحتاج إلى مسح وتنقيب شامل، وهذا بعض ما شاهدناه فيه:

- القبور البرجية.. عثرنا على حوالي 15 قبراً، تسعة مِنها تقريباً متجاورة، أطلت بأطلالها على وجه الرمال، والباقي متناثرة على سطح الصفيحتين الصخريتين، وقد ضُفِرت بحجارة المنطقة مِن غير تشذيب. وهي بتقديرنا مِن القبور البرجية الأقدم؛ لأنَّها استوت على سطح الصفيحتين.

- الحجارة المُشذَّبة.. ذات الاستعمال اليدوي اليومي؛ مثل: السكاكين والخناجر والأسهم والهاونات «الأسفنة؛ جمع سَفَن»، تكاد تملأ الموقع، مما تشي بأنَّ الاستيطان فيه تطاول مئات السنين، ورُبَّما الآلاف.

- الأدوات الحجرية المحروقة.. لم نجد ما يدل على صهر النحاس، ولا قطعاً فخارية، وإنَّما استعملوا النار لصهر ألواح وقطع حجرية ذات تركيبة معدنية، أو استعملوا أدوات حجرية لأغراض تحتاج إلى نار حامية، فقد وجدنا حجارة خفيفة الوزن نسبياً مقارنة بالحجارة حولها، عليها آثار إذابة بالنار.

- الأسوار الحجرية.. وجدنا نوعين مِنها: سوراً ممتداً يبرز عُرْفُه على ظهر الرمال؛ رُبَّما أنَّه يحيط بـ«حارة سكنية»، أو أنَّه قطعة مِن سور يحيط بالمنطقة. وسوراً يبدأ طرفاه مِن عند جدار جبل، وكأنَّه سور غرفة بها باب، وقد فقد جزءٌ مِنه مِن الجهة المقابلة للجبل.

- الصخر المحيط.. وهو قطع مربعة كبيرة، ترقد على الرمال مشكلةً سفوحاً للصفائح الصخرية مِن جهاتها الأربع، وكذلك للجزر الصخرية. وكنا نحسبها مِن فعل التعرية، وهذا صحيح في بعضها، لكن بعضها يبدو أنَّه مِن عمل الإنسان؛ فقد لاحظناه في إحدى الجزر؛ باختلاف الصخر المشكّل لها عن الصخور المسدوحة على سفحها؛ ما قد يدل على أنَّها مجلوبة مِن مكان مجاور، ولاحظناه كذلك مِن تركيب بعض الصخور فوق بعضها.

ختاماً.. إنَّ هذه الملاحظات التي أبديتها عن هذا الموقع الكبير والقديم؛ تتطلب أنْ يتحقق مِنها علماء الآثار والجيولوجيا، لمعرفة الحقبة التي يعود إليها، وطبيعة حياة سكانه.