اسمها سميحة خليل، امرأة فلسطينية عنيدة كان لها دور كبير في مواجهة الاحتلال خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات وفي تربية أجيال من النساء على مقاومة المحتلين ليس فقط بالجسد بل بتطوير الذات وبناء الروح الوطنية على أسس متينة، ومساعدة أسر الشهداء والجرحى والمعتقلين، كانت سميحة خليل أول امرأة فلسطينية تبادر إلى بناء مؤسسة فلسطينية نسوية هي (مؤسسة إنعاش الأسرة) تبني الأسرة وتعيل الفقراء، وتعلم البنات على مهن مهمة كالتطريز، والتمريض وغيرها. رشحت سميحة نفسها لمنافسة الرئيس ياسر عرفات في رئاسة السلطة، كانت تعرف أنها لن تفوز، لكنها كانت تريد أن تثبت أن للمرأة حقًا في الترشح.
وُلِدت في قرية عنبتا، قضاء طولكرم، عام 1923؛ تلك القرية ذات الكاريزما المتّفق عليها، التي تحبّ أن ترى أبناءها في المدارس يُنشدون ويتعلّمون، والتي تعجن كلّ صباح العلم بالحداثة، وتصنع منه نموذجًا مضيئًا لمستقبل فلسطين..
والدها يوسف القُبّج، ووالدتها حلمية طوقان. كانوا ينادونها بالأيقونة، وأحيانًا بسنديانة فلسطين، والمناضلة، والقائدة. كانت تشكرهم على حبّهم، لكنها كانت تُفضّل أن تُنادى، من الصغار والكبار، بـ"الخالة أم خليل". في هذا الاسم كانت تجد روحها، وتجدّدها، وتكتشف فلسطينيّتها الحقيقيّة. كانت تشعر أنّها ابنة الناس البسطاء، وصديقة مطر البلاد. لم تكن ترى نفسها أسطورة أو معجزة؛ بل امرأة فلسطينية قُحّ، موهبتها الوحيدة أن تتحسّس ألم شعبها، وتدافع بشراسة عن الحقيقة.
كانت عاديّة مثل جدول ماء يخترق وديان عنبتا، وبسيطة مثل تحيّة "صباح الخير" بين فلّاحين في فجر القرية. غير العاديّ داخلها كان الكبرياء، وتلك الطاقة التي تدفعها للقفز فوق الجسور، للوصول إلى أحلامها... وأحلام شعبها.
في السابعة عشرة تزوّجت من المربّي سلامة خليل، الذي كان معلّمًا للغة الإنجليزية، ثم مديرًا، ثم مسؤولًا في وكالة الغوث. تنقّلت معه بين المجدل، وبيروت، ودمشق، وعمّان، حتى استقرّ بها المقام في طولكرم. أنجبت خمسة أبناء: خليل، ساجي، سمير، سميح، وسائدة... مهجات قلبها.
نذرت نفسها للقضية الفلسطينية بكل الوسائل. وبحكم ريادتها للعمل النسائي، قادت المظاهرات، وشاركت في المجلس الوطني، وأسّست الاتحادات والجمعيات، وكانت في قلب العمل الخيري والتعليمي، جنبًا إلى جنب مع النضال السياسي.
من أبرز تلك اللحظات، مظاهرة عام 1956 ضد حلف بغداد، حين قادت مسيرة نسائية ضخمة من رام الله إلى القدس، شاركت فيها طالبات دار المعلّمات ونساء البيرة والقدس. وفي اليوم التالي، قادت مظاهرة ضمّت نساء 27 قرية. يومها قالت: "قتلنا حلف بغداد"... ولم تتوقف.
اعتُقلت مرارًا، وسُجنت، وفُرضت عليها الإقامة الجبرية، ومُنعت من السفر سنوات طويلة، لكن ذلك لم يوقفها.
في عام 1965، أسّست "جمعية إنعاش الأسرة"، لأجل أيتام النكبة وجرحاها وفقرائها. ثم جاءت نكسة 1967، واتّسع الجرح، فاتّسعت معه المسؤولية. لم يعد العمل خيارًا، بل ضرورة.
تروي أنّه أثناء الحرب، اقتحمت مع صديقاتها مقر محافظة القدس وهنّ يطالبن بالسلاح. أُعطين سلاحًا قديمًا لا يصلح. وبعد فرض منع التجوّل، ذهبت إلى رام الله، حيث بدأوا بتنظيم فرق إسعاف. خلال يوم واحد، أُنشئ نحو ثلاثين مركزًا، وكانت تعمل في مركز متنزّه البيرة، تحت الشجر.
لم تكن تفكّر أنها تبدأ حكاية.
في البيرة، في الخمسينيات، وضعت يدها في يد نساء أخريات، محاولات فتح نافذة في جدارٍ بلا نوافذ. هكذا وُلد الاتحاد النسائي العربي. ثم، في الستينيات، جاء الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، كأنهن يكتبن أسماءهن على ماء.
في عام 1964، كانت قريبة من البدايات الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم شاركت في أول مجلس وطني في القدس. بعد 1967، لم يعد السؤال ماذا نفعل، بل كيف نستمر.
في 1973، كانت ضمن الجبهة الوطنية الفلسطينية، تحاول مع رفيقاتها ورفاقها جمع ما تفرّق. وفي 1978، ساهمت في لجنة التوجيه الوطني، في محاولة لتنظيم ما لا يُنظَّم. كانت تدرك أن الطريق مراقب، وأن الكلمات قد تصبح تهمًا... وقد حدث.
لكن ما فاجأها لاحقًا كان قرارها في 1996 الترشّح. لم تفعلها لتفوز، بل لتقول إن الخسارة نفسها قد تكون معنى. حصلت على 11% من الأصوات؛ رقم صغير سياسيًّا، لكنه بالنسبة لها مساحة أمل.
لم تكن تزاحم أحدًا، بل تزيح فكرة.
أن تقف امرأة في هذا الموضع لم يكن حدثًا عابرًا، بل سؤال مفتوح: من قال إن هذا السقف هو النهاية؟
لم تبحث عن دور أكبر من قدرتها، بل عن أثر صغير... كنافذة في جدار.
من هي أم خليل؟
هي البسيطة مثل رغيف الطابون الساخن في فجر فلسطين.
لماذا هي؟
لا أحد يعرف تمامًا، لكنها وجدت نفسها في مواجهة الظلم، لبؤة مهمّتها تصحيح الأخطاء، وتضميد الجراح، والدفاع عن كرامة بلادها.
أين هي الآن؟
في الجمعيّة... لم تغادر. جسدها رحل، لكن صوتها ما زال هناك. تجلس في حفلات التخرّج، تبتسم، وتضحك مع الموظفات. كانت تحب الفرح، رغم صرامتها.
ماذا توصي؟
أن تبقى البوصلة: منح الأمل لمتعبات فلسطين.
وماذا تقول للمتطوعات؟
لن تشكرهن... هل يشكر الإنسان نفسه؟
وهل تريد شيئًا؟
كأنها تقول: تعالوا، لنتجوّل في مرافق الجمعيّة، نصافح الناس، ونأكل كعكة من مطبخها... بالزيت البلدي والقمح والتمر..