عندما نشبت حرب إيران في 28 فبراير أدركت حكومة باكستان أنها تواجه ضغوطا اقتصادية مضاعفة؛ فهي لا تستورد احتياجاتها من الوقود عبر مضيق هرمز (المغلق حاليًا) فقط، بل هي أيضا، وهذا أمر بالغ الأهمية، تعتمد على مدخلات مستوردة لإنتاج السماد كالبوتاس.

لكن وزير المالية الباكستاني محمد أورنجزيب كان يرى عاملين يخففان قليلا من الصدمة؛ فباكستان شرعت في تطوير الطاقة الشمسية في السنوات الأخيرة.

كما بدأت شركاتها عام 2026 «بمخزونات سماد أكبر بكثير من مخزونات العام الماضي»، حسبما ذكر في اجتماع الربيع الذي عقده صندوق النقد الدولي الشهر الماضي. وأضاف قائلا «لقد كنا محظوظين.»

على ضوء ذلك، يدرس أورنجزيب الخطوة التالية وهي إيجاد «احتياطيات استراتيجية «لمواد كالأسمدة بجانب «احتياطيات تجارية.» هذا يعني بالواضح أن باكستان ربما تبدأ التخزين.

إذن مرحبا بهذا الاتجاه الجديد. ولا غرابة في ذلك؛ فاجتماعات الصندوق الأخيرة كشفت عن شيوع حالة من عدم اليقين المُضني بسبب الحرب في إيران، ودفع ذلك صندوق النقد إلى اتخاذ خطوة غير معهودة بإصدار ثلاثة توقعات اقتصادية بدلا من واحد. فقد توقع الصندوق أن يشهد كل من النمو العالمي والتضخم ارتفاعا إما بنسبة 3.1% و4.4% على التوالي في هذا العام أو 2.5% و5.4% أو 2% وما يقارب 6%. وكل ذلك يعتمد على طول فترة إغلاق مضيق هرمز.

لكن وسط ضباب الحرب هذا توجد نقطتان واضحتان؛ فالعالم يتوغل أكثر فأكثر في «حقبة جيو- اقتصاد» تتحوَّل فيها السياسة الاقتصادية إلى أداة للنزاع السياسي. وهنالك الآن حاجة مُلِحَّة للبلدان والشركات للتحلِّي بالمزيد من المرونة تجاه الصدمات مع تحويل الروابط الاقتصادية التي اعتمدنا عليها في الماضي إلى سلاح. ومن هنا نشأ الاهتمام الجديد بتخزين المواد.

للإنصاف هذا التحول ليس جديدا تماما؛ فبعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 شرعت بلدان عديدة متأثرة بها في تكديس المزيد من احتياطيات النقد الأجنبي واستمر ذلك. أيضا أثناء جائحة كوفيد-19 كان المستهلكون يخزنون كل شيء من أوراق التواليت وإلى كمامات الوجه.

في الواقع إذا استخدمنا الأداة الإحصائية المعروفة باسم» إن-جرام» والتي تستخدم المراجع اللغوية الإنجليزية كقاعدة بيانات لقياس وتيرة تداول الكلمات والتعابير سنجد أن حديث الناس عن التخزين كان يزداد ويقلّ عبر الزمن.

إحدى ذُرَى تداولِه كانت قبل فترة قصيرة من الحرب العالمية الثانية وأثناءها، لكن الحديث عنه زاد أيضا في السنوات الأخيرة.

في كلا الحالين كانت بعض البلدان تكدّس المزيد من مخزوناتها الحالية قبل فترة طويلة من حرب إيران.

ففي السنوات القليلة الماضية كانت الصين على سبيل المثال تزيد في هدوء مخزونات استراتيجية من المواد الضرورية من بينها الأسمدة، ويُذكَر أن احتياطياتها النفطية التي تصل إلى 1.4 بليون برميل ساعدتها على تحمل صدمة إيران.

اليابان أيضا سيطر عليها هاجس التخزين منذ أن ردَّت الصين في نزاع سياسي معها عام 2010 بوقف صادرات العناصر النادرة إليها.

وهي الآن حددت أهدافا لتخزين هذه العناصر وكوّنت احتياطيا نفطيا، ساعدها في ذلك التعاون الوثيق بين الكيانات الحكومية والشركات الخاصة وبين شركاتها التجارية الضخمة (التي تشكل ميزة استراتيجية رئيسية لليابان اليوم.)

على أية حال، تحاول أمريكا أن تتأسَّى بذلك؛ فهي لديها احتياطي استراتيجي منذ فترة طويلة (يوجد به الآن 415 مليون برميل وتشكل هذه الكمية 60% من سعته التخزينية). لكنها الآن أيضا دشنت ما أسمتها مبادرة «بروجكت فولت» لتعزيز مخزوناتها من العناصر النادرة.

كذلك يريد بعض المزارعين تكديس احتياطيات أسمدة استراتيجية نظرا إلى تضررهم الآن أيضا من الارتفاعات الهائلة في الأسعار.

أيضا تتحسَّس أوروبا طريقها في هذا الاتجاه ولو أنها بدأت متأخرة. في الواقع اتجهت بعض الشركات الألمانية حتى إلى المناداة بإيجاد شركات تجارية خاصة بها من النمط الياباني مع ازدياد الحاجة للدفاع الذاتي.

هل هذا التحول الثقافي شيء جيد؟ الإجابة بالنفي بناء على حكمة أكثر عراقة. ففي «جحيم دانتي» على سبيل المثال يُلقَى بمن يكنزون السلع في الدائرة الرابعة من النار (تُحيل الكاتبة هنا الى الكوميديا الإلهية وهي ملحمة شعرية شهيرة من تأليف الشاعر الإيطالي دانتي أليجيري 1265- 1321 – المترجم).

وأثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية شنَّت الحكومات حملات ضد تكديس السلع بشعارات مثل «أيها الأمريكيون اقتسموا اللحوم. ذلك ما تمليه ظروف الحرب.» وأيضا «الكنديون الوطنيون لا يكنزون الطعام.»

كانت هنالك مواقف مماثلة في واشنطن الشهر الماضي عندما حثت كريستالينا جورجيفا رئيسة صندوق النقد الدولي البلدان على تجنب تخزين الوقود. قالت جورجيفا «لا تفرضوا قيودَ تصدير تزيد الاختلال،» كما نادى بذلك أيضا فاتح بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية.

قد يقرُّ بذلك الاقتصاديون الذين يؤمنون بالقدرة السحرية للأسواق المحررة من القيود والعولمة والكفاءة الاقتصادية؛ فالاكتناز غالبا ما يؤذي الضعفاء ويقوض النمو. والنقود والسلع التي يغلق عليها في الخزائن لا يمكن استخدامها بطريقة منتجة.

لكن بصرف النظر عن موضوع «الكفاءة الاقتصادية» يجب ألا نتوقع اختفاء التخزين قريبا. فحتى إذا انتهت حرب إيران غدا سيكون من الصعب استعادة الثقة التي فقدت ليس فقط في القيادة الأمريكية ولكن أيضا في الفكرة القائلة بأن الأسواق العالمية والممرات البحرية ستظل دائما مفتوحة حسبما افترضنا قبل عقد مضى.

في الواقع، تميل النُّدوب الثقافية إلى البقاء، وعلينا فقط أن ننظر إلى الكيفية التي غيَّر فيها الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي السلوكَ الاقتصادي على مدى حياة جيل.

ربما يتقلب دانتي في قبره؛ لكن بالنسبة لنا في كل البلدان من باكستان والى بريطانيا، اللجوء إلى التخزين الاستباقي للمواد كالأسمدة يبدو معقولا؛ فهذا هو الواقع المؤسف في وقتنا الحالي.

جيليان تيت كاتبة رأي وعضو هيئة التحرير بصحيفة الفاينانشال تايمز