ماذا كان يدور في ذهن الجاحظ وهو يترك راحة بيته وملازمة الأهل والصحب والخلاّن، ويدخل سوق الوراقين، يستأجر منه الدكان، يبيت فيه ويُقضي الليل وحيدًا من البشر، في صحبة الكتب ينهل منها طوال الليل وآناء النهار، يسهر في سوقٍ تعمر بالنهار بالكتاب، والراغبين في الكتاب، ينسخون منه ويبيعون منه ويشترون منه، لكن الجاحظ لا يرتضي العبور والمرور ولا الشراء بما يقدر على حمله، وإنما اتخذ قرارا أن يبقى الليالي يُعمر سوقًا يأتيه الناس بالنهار ويعتكف فيه ليلا، ينظر في الكتب ويفلي سطورها حتى ينتقي منها ما يصلح للامتلاك، ويُدرِك منها العلم والمعرفة.

يعجز الجاحظ عن حمل كلّ سوق الورّاقين إلى بيته، فيتنقّل هو له، ويُقيم فيه، وعوض أن يحمل الكتاب إليه، يُحمَل هو إلى الكتب، يُقيم معها، ويسكن في دارها، يكتري الدكان المكتظ بالأسفار يسيح فيه ويصطفيها خلاًّ ورفيقًا وأنيسًا، وسَهير ليلٍ، يختلي بالكتب، فيصفو ذهنه، وتبدو له الفكر العجب، ولذلك كان الجاحظُ حدثًا لا مثيل له في تاريخ الحضارة العربيّة.

الجاحظ وهو يجول في صفحات الكتب والناس في فُرشهم نيام، لم يكن «يمسح» البيانات ولا يجرد الأفكار، وإنما كان يبني عقلا يحفر في المعرفة لتنحفر فيه، يُنقِب ويتأمل ويتبع خيوط الأفكار. هو لا يجرد ولا يُجمع الشواهد والملخصات، علمه كان علما عميقًا، علم الحفريات، والتزوّد بزاد باق على مرّ الدهور، ولذلك تشكّل ذهنه وتكون موسوعيّا عالمًا بدقائق الفِكر، خابرًا بما تخفى عمّن تخلّى عن مداومة الكتب.

يُمثّل الجاحظ وأجيال من قبله ومن بعده صُورة عن واقعٍ ذهنيٍّ قرائيّ بحثيّ عالم، يُقيم المعرفة على تكوين الذهن وتغذيته وتنميته وبنائه وبالتالي فقد اكتسب هذا العقل على مرّ التاريخ قدرة على التحليل والبناء والإدراك، وتشكّل عقلاً مبدعًا، مبتكرًا، له فسحة النظر في الظواهر وتفكيكها وإعادة بنائها، وله القدرة على دخول عوالم بكر وافتتاق مواضيع يخوضها بعقله وفكره ورؤيته.

فهل ما زال العقل البشريّ حرّا في التدبير والتفكير والتحصيل؟ تُقرّ تقارير عديدة أمرين خطيرين، أولهما تراجع القراءة والاطّلاع على الكتب ومزيد التعويل على العقل الاصطناعي، فقد أفادت تجارب إحصائيّة اختبارية في أمريكا وبريطانيا تراجع نسبة قراءة الكتب إلى النصف تقريبا، وثانيهما مدٌّ وارتفاع كبير لإقبال الإنسان على استخدام الذكاء الاصطناعي بنسب تصل إلى التسعين بالمائة، ربع هذه النسبة على الأقل يُدمن التفاعل اليومي مع هذا الذكاء، وقد أجرت الرابطة الأمريكيّة للجامعات استطلاعًا عام 2026 كشف أن 95% من أعضاء هيئة التدريس يخشون الاعتماد المفرط للطلاب على الذكاء الاصطناعي، وما يفضي إليه ذلك من تعطيل للعقل البشري، أمّا في وطننا العربيّ، فالحال أدهى وأمرّ رغم غياب الإحصائيات الدقيقة والدراسات العميقة التي تهتم بتدجين العقل وتسطيحه، إلاّ أن الثابت في الممارسة العمليّة أن طلبتنا صاروا يتواكلون بنسب عالية ويتّكلون على التفكير الاصطناعي، ويزيدون عزوفًا على عزوفهم السابق عن مداومة القراءة وإدمان الكتب.

نحن في حالةٍ من تجفيف منابع العقل، وتكوين جيل يعول على المحفوظ في النظام الرقمي، وله ثقة تامة في أنه واجد ما يريد من معلومات في الذكاء الصناعي، غير أن هذا الجيل بباحثيه وطلبته وأساتذته لم يفقه أنّ المعلومة ليست هي العلّة والمقصد، وإنّما بناء العقل هو المشكل، وهذا لا يتأتّى إلاّ بالقراءة الصعبة، وقديمًا قال صاحبنا الجاحظ في كتاب الحيوان، في مقام مختلف، وهو يتحدث عن الصلة بين اللفظ والمعنى، وعن القدرة الإبداعية في إنتاج الشعر، وكأنه، يتبصّر واقعنا، ويُدرك يسر تحصيل المعلومة وعسر البناء والسبك وإقامة الفكر: «والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللّفظ وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفى صحّة الطبع وجودة السبك، فإنّما الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير».

الاختلاء بالكتاب ومساررته والفراغ له أمر بات عزيز المنال في عصْرٍ آثر ثقافة الركون والاتكاء إلى مخزون المعلومات الافتراضي، في ذاكرة البرامج الذكية الواعدة بعوالم مفتَّحة أبوابها، عصر سكن فيه الإنسان ذاكرة افتراضية سكنتْه وتلبّسته، وشتّان بين سكن الجاحظ دكاكين الورّاقين، يملأ منها العقل والرّوح، وبين سكن الخوارزميات المُجهِدة للفكر، المُفرغة للعقل، يخرج منها ساكنها خالي الوفاض يجول من بحر لبحر دون أن يروى أو يُسْقَى.

الذكاء الاصطناعي، لا يُعطّل المعلومة، بل هو فيض من المعلومات، وإنّما هو معطِّل لقدرة البشر على الحفر والاجتهاد العقلي المخصب في بناء الفكر، يوقف الأذهان ويعوق فكر الباحثين والدارسين، ويهجّن الأرضيّة المعرفيّة ويسطّحها. العالم بصدد قتْل المعرفة الإنسانيّة وتغذية المعرفة الصناعيّة. لا شكّ أن لمخزون الذكاء المصنوع فائدة وتيسيرا للمعرفة، ولا شكّ أيضًا أنّ إعماله والعمل به يُكسب الإنسان زمنا وييسّر البحث ويفيد الذهن، ولكن دون أن يسير العقل البشريّ إلى الركون والخمول والتعويل على الآلة، التي صار ذكاؤها ينمو بفعل غباء البشر.

لم يُخلق العقل البشريّ للحفظ أو لاستعمال صندوق معلومات افتراضي، بل هو عقل منتج مجبول على التدبير والتفكير، وقراءة الكتب قراءة واعية، ليست فقط فعلا لتحصيل المعلومة بل هي نفاذ إلى طريقة التفكير وإلى وعي حيوات من البشر، عاشوا الحياة بمرها وعسلها، ببؤسِها وبهجتها، ونحن نعايش حالاتهم، نشتم من الجاحظ سخريته، ومن التوحيدي شكوته، ومن المتنبي علوه وأنَفَتَه، ومن الليالي تغذية العقل القصصي. نُدرك من الكتب نفسها رحلتها، عذابها وسلامَها، نأنس إلفَنا بها، ونُقيم صلة حميمة بالكتاب أوراقه، ملمسه، رائحته.

لا يتشكّل عقل البشر وروحه بآلة تغذّي بحثَه، بل بأرضية متينة من كتبٍ خبرها واختبرها منها يتشكّل هذا العقل ليدخل في غمار الإبداع والاختراع، فإذا فقدنا النسيج الأوليّ، وسلّمنا الأساس للعقل الصناعي، وتعاملنا معه ذهنا حافظًا للمعلومات أو قدرة فائقة في تجميعها أو طاقة مثلى في التخطيط والتقدير والبرمجة، نكون بذلك قد اقتصرنا على دورٍ من الدورين، إمّا دور السلبيّ المتواكل، الآخذ للفكر والمنهج والمعلومة من العقل الاصطناعي، وهو الدور الذي يقوم به القسم الأوفر من طلبتنا اليوم ومن باحثينا ومن أساتذة الجامعات على اختلاف التخصّصات. وإمّا دور فاقد المعلومة الباحث عنها في أنظمة التفكير الاصطناعي يُحصّلها ويُعوّل على نفسه في تبويبها وترتيبها، وفي كلتا الحالتين فإنّي أخشى فقدان الرحم المعرفيّ للبشر، فلنفترض يومًا انقطاع أنظمة الذكاء الاصطناعي، فكيف ستكون حال المتواكلين المتّكلين عليه؟