في خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الليل، تجلس أم وائل شلح تحدق في وجه طفلها كأنها تحرس آخر ما تبقى من الضوء في عينيه. وائل، الطفل القادم من شمال قطاع غزة، لا يطلب لعبة، ولا ينتظر مدرسة، ولا يحلم برحلة كبقية الأطفال. كل ما يريده أن يرى. أن يبقى الضوء في عينيه قبل أن تبتلعه العتمة.
وائل مصاب بمرض الجلوكوما أو ما يعرف بـ"المياه الزرقاء" في كلتا العينين، وهو مرض صامت يتسلل إلى العصب البصري ببطء، ويسلب النظر دون ضجيج، يحمل الطفل تحويلة طبية عاجلة نموذج رقم (1)، وهو التصنيف الأعلى في قوائم التحويلات الطبية، ما يعني أن حالته لا تحتمل التأجيل، وأنه بحاجة إلى سفر فوري للعلاج خارج غزة قبل أن يفقد بصره بالكامل، لكن غزة المغلقة لا تعترف بعجلة المرض.
تقول والدته بصوت مكسور: "كل يوم أراقب عينيه، وأخاف أن يكون هذا اليوم هو الأخير الذي يرى فيه وجهي، قالوا لنا إن حالته طارئة، وإنه يجب أن يسافر فورا، لكن المعبر يعمل ببطء شديد، ولا شيء يفتح إلا الانتظار، ابني لا يفقد بصره فقط، نحن نفقد معه كل شيء”.
قصة وائل ليست استثناء، بل واحدة من آلاف الحكايات التي يتقاطع فيها المرض مع الفقر، والإعاقة مع النزوح، والطفولة مع الحصار.
في غزة، لا يواجه الأطفال المرض وحده، بل يواجهون نظاما صحيا منهكا، ومستلزمات طبية نافدة، ومعابر مغلقة، وعائلات فقدت بيوتها ومصادر دخلها، ولم يعد لديها ما تملكه سوى الدعاء.
وفي أحدث تحذير لها، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن 86% من احتياجات المختبرات وبنوك الدم أصبحت "رصيدها صفر”، فيما نفدت مواد فحص غازات الدم بالكامل من مختبر مستشفى شهداء الأقصى، والكميات المتبقية في بقية المستشفيات لا تكفي إلا لأيام قليلة، ما يهدد إجراءات التشخيص، والعمليات، وحالات الطوارئ والعناية المركزة. هذا الانهيار لا يعني فقط نقصا في أدوات الفحص، بل يعني عمليا أن آلاف الأطفال المرضى أصبحوا خارج قدرة النظام الصحي على التشخيص أو المتابعة أو التدخل العلاجي.
أطفال لا يسمعون العالم في خيمة نزوح جنوب القطاع، حيث تجلس أم الطفلة مريم جنينة (8 أعوام) ممسكة بوجه ابنتها بكلتا يديها، تنطق الكلمات ببطء وتكررها أكثر من مرة، عل ابنتها تلتقط من حركة شفتيها ما عجزت أذناها عن سماعه.
مريم تعاني من ضعف سمع شديد، وكانت تحتاج إلى زراعة قوقعة منذ أكثر من عامين، لكن الحرب سبقتها إلى إغلاق كل شيء، المستشفيات، المعابر، والوقت.
تقول والدتها: "ابنتي لا تسمعني حين أناديها، لا تسمع صوت القصف، ولا الخطر، ولا صوتي وأنا أبكي. قالوا لنا إن زراعة القوقعة هي أملها الوحيد، لكننا لا نملك ثمنها، ولا نملك طريقا للوصول إليها”. وبحسب منظمة اليونيسف، يعاني نحو 10 آلاف طفل في غزة من ضعف سمع، بينهم قرابة 5 آلاف طفل من حالات فقدان السمع الشديد، فيما لم تتمكن المنظمة سوى من إدخال 148 سماعة فقط، وهو رقم ضئيل أمام حجم الكارثة.
أطراف مبتورة وأحلام مؤجلة
في زاوية خيمة أخرى يجلس الطفل سليم محمود (11 عاما) يتأمل الفراغ حيث كانت قدمه اليسرى التي فقدها بعد إصابته في قصف استهدف منزل العائلة شمال غزة. نجا الطفل، لكن نجاته كانت ناقصة؛ خرج بجسد مبتور، وطفولة مبتورة أيضا.
يقول والده: "ابني لا يريد شيئا من الدنيا سوى أن يقف ويمشي وحده، كل يوم يسألني: متى سأركض؟ متى أرجع ألعب؟ وأنا لا أملك جوابا”. سليم يحتاج إلى طرف صناعي، وإلى جلسات تأهيل وعلاج طبيعي، وهي خدمات شبه منهارة في غزة اليوم.
وبحسب بيانات الإجلاء الطبي الواردة عن الأمم المتحدة، شكلت إصابات الأطراف والبتر 22% من الحالات التي أخليت طبيا، فيما كان 51% من مجمل الحالات أطفالا، وهي مؤشرات تعكس حجم الكارثة بين الأطفال الذين يحتاجون إلى تأهيل طويل الأمد لا يتوفر داخل القطاع.
المرض داخل الخيمة معاناة مضاعفة
لا يعيش هؤلاء الأطفال المرض فقط، بل يعيشونه داخل خيام النزوح، حيث الرطوبة، والصرف الصحي، والنفايات، والغبار، والازدحام، وسوء التغذية، وغياب المياه النظيفة.
يقول رئيس قسم الأطفال في مستشفى الرنتيسي بغزة الدكتور أحمد بصل: إن فقر الدم ونقص الفيتامينات يشهد انتشارا واسعا بين الأطفال في القطاع، إضافة إلى ظهور تشوهات في شكل الرأس نتيجة نقص فيتامين "د”، مؤكدا أن جميع المواليد منذ بداية الحرب يعانون من مضاعفات خطيرة بسبب سوء التغذية ونقص حليب الأطفال، تشمل ضعف المناعة، وضعف عضلة القلب، والتهابات تنفسية وهضمية، وتأخرا في النمو والحركة.
فيما حذر مدير قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي الدكتور أحمد الفرا من أن المستشفى يستقبل نحو 160 حالة سوء تغذية أسبوعيا، مشيرا إلى أن الأطفال دخلوا دائرة خطيرة من مضاعفات سوء التغذية التي ستلاحقهم مستقبلا، من تأخر النمو وقصر القامة إلى ضعف التحصيل العلمي.
وتؤكد تقديرات اليونيسف أن 5,119 طفلا أدخلوا للعلاج من سوء التغذية الحاد خلال شهر واحد فقط، في مؤشر على اتساع الكارثة الغذائية بين أطفال غزة.
معبر يعمل بقيود وطفولة معلقة
المرضى الأطفال في غزة لا يموتون فقط من المرض، بل من الانتظار. ووفق منظمة الصحة العالمية، جرى إجلاء أكثر من 10,700 مريض من غزة منذ أكتوبر 2023، لكن نحو 18,500 مريض ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل حتى نهاية 2025، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال.
وفي عام 2025 وحده، تم إجلاء 2,714 مريضا، بينهم 1,592 طفلا.
ورغم ذلك، ما تزال آلاف الحالات الحرجة، خصوصا الأطفال، عالقة داخل القطاع بانتظار فرصة علاج قد لا تأتي في الوقت المناسب.
في غزة، لا يحتاج الأطفال المرضى فقط إلى دواء بل إنهم يحتاجون طريقا إلى العلاج، يحتاجون معبرا لا يغلق في وجوههم، يحتاجون حقا بسيطا يشبه كل أطفال العالم؛ أن يعالجوا قبل أن يفقدوا ما تبقى منهم.
أما وائل، فما زال ينتظر حيث يجلس في خيمته، يفتح عينيه كل صباح على ضوء يتناقص، ويعلق نظره الصغير على باب مغلق، لعله يفتح قبل أن ينطفئ النور كله.