**media[3374417]**

تُعَدُّ السيول الجارفة في عُمان من الظواهر الطبيعية التي شكّلت -عبر تعاقب العصور- مكوّنًا راسخًا في الذاكرة الجمعية للمجتمع؛ إذ ارتبطت حياة الإنسان العُماني بالأودية ومجاريها، وما تحمله من أسباب النماء حينًا، ومن مظاهر الخطر حينًا آخر. وقد حفلت المصادر التاريخية، كما النقوش الحجرية، بتدوين أخبار “الجرفات” التي وقعت في أزمنة متباعدة، فخلّفت آثارًا عميقة في العمران والإنسان، وغدت شواهد حيّة تُستحضر للعظة والاعتبار. وفي امتدادٍ لهذا السياق التاريخي، شهدت بلدة السليف بولاية عبري حادثةً معاصرة تُدرج في سجلّ الوقائع الكبرى، وهي الجرفة العظيمة، والتي وقعت ليلة السبت، التاسع من شهر شوال لعام 1447هـ، الموافق 28 مارس 2026م.
ففي تلك الليلة -وعلى إثر أمطارٍ غزيرة- اندفعت سيول جارفة من عدة أودية جميعها تصبّ في مجرى وادي السليف، كوادي العين ووادي الهجر، إضافةً إلى الأودية المنحدرة من الجهة الشرقية للولاية، ولا سيما القادمة من سفوح جبل الكور، ارتفع منسوب المياه ارتفاعًا متسارعًا، حتى بلغ السيل غاية اندفاعه، متجاوزًا مجراه الطبيعي، ومقتحمًا نطاق البلدة بعنفٍ بالغ. وقد تجلّت في هذه الجرفة قدرة الله تعالى في تسخير عناصر الطبيعة، حين تخرج عن مألوفها، فتكشف عن طاقةٍ هادرة لا تقف في وجهها الحواجز.
وقد ترتب على هذه الحادثة أضرارٌ جسيمة، تمثلت في تهدّم معظم سور الحارة الخارجي، وانهيار جزئي لجسر السليف المؤدي إلى الجهة الشرقية، مما أدى إلى تعطل التواصل بين ضفتي الوادي. كما اقتحمت المياه داخل البلدة، فألحقت أضرارًا بالجامع والسبلة الحديثة، وامتد أثرها إلى الجهة الغربية حتى وصلت قرب مسجد الأسباط، في دلالةٍ بيّنة على سعة رقعة الفيضان وشدة جريانه. ولم تقف آثار الجرفة عند هذا الحد، بل شملت بلدة الوجاج والضواحي المحيطة على ضفتي الوادي، حيث تهدّمت جدران، وانجرفت ممتلكات، في مشهدٍ يجسد جسامة الحدث وعنفه.
ومن الظواهر اللافتة التي صاحبت هذه الجرفة، ظهور فلجٍ جديد في بطن الوادي من الجهة الشرقية محاذاة سور الحارة، لم يكن معروفًا من قبل، حيث تبعد ساقيته نحو ثلاثة أمتار فقط عن ثقبة فلج النقلي باتجاه الغرب. ولعلّ هذا الفلج يكون من جملة الأفلاج التي أشار إليها العم سيف بن بدر بن سالم المنذري في تدويناته، وهو ما يعكس قدرة السيول على إعادة تشكيل المعالم الطبيعية، وكشف موارد مائية ظلّت كامنةً عبر الزمن.
وعلى الرغم من جسامة الأضرار المادية، فقد سلِمَت الأرواح – بحمد الله – وهو ما يُعدّ من أعظم مظاهر اللطف الإلهي في مثل هذه الوقائع. كما برزت صورٌ مشرّفة من التعاون الاجتماعي، حيث هبّ الأهالي إلى نجدة بعضهم بعضًا، وتكاتفوا في مواجهة آثار الجرفة، في تجلٍّ صادق لأصالة المجتمع العُماني وقيمه الراسخة في أوقات الشدّة.
كما لا يفوت في هذا المقام الإشادة بالجهود المباركة التي بذلتها حكومة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم – حفظه الله ورعاه – حيث تجسدت عناية الدولة وسرعة استجابتها في التعامل مع تداعيات هذه الحادثة بصورة تعكس نهجًا راسخًا في الاستجابة الفاعلة وإدارة الأزمات بكفاءة عالية؛ إذ وصلت إلى الموقع لجنة ميدانية رفيعة ضمّت عددًا من أصحاب السعادة وكلاء الوزارات المختصة، يرافقهم سعادة محافظ الظاهرة وسعادة الشيخ الدكتور والي عبري؛ وذلك للوقوف ميدانيًا على حجم الأضرار، وتقييم الاحتياجات العاجلة للبلدة وسكانها، في خطوة تعكس حرص الجهات المختصة على المعالجة المباشرة والدقيقة للأوضاع على أرض الواقع.
وقد باشرت الجهات المعنية أعمالها بكفاءةٍ ملحوظة وسرعة لافتة، حيث أُعيدت خدمات الكهرباء والمياه، وفُتحت الطرق خلال فترة وجيزة، إلى جانب اتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة لمعالجة الأضرار والحد من آثارها، بما يعكس مستوى الجاهزية العالية للأجهزة الحكومية، وكفاءة التنسيق والتكامل بين مختلف الجهات، وحرصها المستمر على سلامة المواطنين واستقرارهم. كما تؤكد هذه الجهود قدرة المنظومة الوطنية على التعامل مع مختلف التحديات الطارئة بكفاءة ومرونة، وتخفيف آثار الكوارث بأقصى سرعة ممكنة، بما يعزز ثقة المجتمع ويجسد قيم المسؤولية الوطنية والعمل المؤسسي المتكامل.
ومن أقدم ما أُرِّخ له، جرفةٌ وقعت ليلة الخميس الثالث من شهر صفر سنة 999هـ، خلّفت دمارًا واسعًا، وكان من آثارها تهدّم مسجد العبّاد – ولعله ما يُعرف اليوم بمسجد المدرسة – والذي كان يقع في الضفة الغربية من مجرى الوادي، ضمن أوقاف المناذرة، ثم أُقيم بدلاً عنه المسجد الحديث في الضفة الشرقية من البلدة، في دلالة على استجابة المجتمع لمتغيرات الطبيعة وسعيه لإعادة البناء بما يضمن الاستقرار والسلامة.
كما وقعت جرفةٌ عظيمة أخرى ليلة الأحد الثالث من ذي القعدة سنة 1142هـ، عمّت حارة القلعة، وحارة الحقب، وحارة أولاد خنجر بن عيسى، وأدّت إلى تدمير عددٍ من المساجد، منها مسجد العرنين ومسجد البريخا وبيت البريخا، إضافةً إلى بيوتٍ وجدران وأموالٍ أخرى، في مشهد يعكس حجم الأثر الذي خلفته تلك الحادثة في البنية العمرانية والحياة الاجتماعية آنذاك. ولم يثبت من البناء في الجهة الغربية إلا القليل، بينما اندفع السيل في الجهة الشرقية بقوة حتى ارتطم بالجبل عند مقبرة (الجمّة)، فهدم الجدران والبيوت، ما اضطر الأهالي إلى الاحتماء بالكهوف طلبًا للأمان.
ولعل من أبرز تلك المواقع التي احتمى بها السكان كهف خميس بن مالك، وكهفٌ آخر يسبقه من جهة الشمال الشرقي، يعرفه أهل البادية بـ(الكن)، فيما يسميه بعض الأهالي كهف (المقرقاع)، وربما عُرف بأسماء أخرى لم يتسنَّ الوقوف عليها، وهي جميعها شواهد طبيعية ارتبطت بذاكرة المكان، وتحولت إلى رموزٍ للصمود والبقاء في وجه قسوة الظروف.
وتعكس هذه الوقائع التاريخية عمق العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف استطاع أهالي البلدة عبر العصور التكيّف مع التحديات الطبيعية، وإعادة بناء حياتهم بروحٍ من العزيمة والإصرار، لتبقى هذه الأحداث جزءًا من السردية التاريخية التي تؤكد قدرة الإنسان العُماني على مواجهة الصعاب وصناعة الاستقرار من قلب الأزمات.
وقد وثّق سيف بن بدر بن سالم المنذري (ت 11 ربيع الأول 1363 هـ) بعض هذه الوقائع في نقوشٍ صخرية، جاء في أحدها:
“ليلة 29 القعدة سنة 1352هـ جاءت جرفة عظيمة، ودخلت ينقل، ومات منها 16 نفسًا، ودمرت فدى ودوت وضنك، كتبه الشيخ سيف بن بدر بن سالم المنذري السليفي بيده”.
كما نقش في موضعٍ آخر:
“تاريخ الجرفة العظيمة التي أظهرت المدفع والرصاص وخمسة أفلاج لا يُدرى بهن، يوم الأحد 5 من شهر ذي القعدة سنة 1353هـ، كتبه سيف بن بدر المنذري بيده”.
ومما وجدته من تدوينه: {جاءت جرفة يوم الأحد نهار خامس من شهر ذي القعدة 1353 من الهجرة، وذلك بتقدير الله تعالى، ومن رحمته وفضله أن نزل الوادي من أقصاه وظهر الجشم والحصى من الشريعة إلى أسفل البلاد وأراد دخول البلاد من عند السبلة القديمة فسجره الله ودخل البلد من سافل ودخل العوابي بعضها وأظهر خمسة أفلاج لا يدرى بهن ولا ندري في أي موضع سقيهن سوى الوجاج فيما نظن، والبقية لا ندري بأسمائهن وأين أهلها ومن سقى بها ومن أكل من ثمرها وكفى بها موعظة وهكذا تفعل الدنيا بأهلها، وأظهر هذا السيل من الرصاص المصبوب العماني أعني البنادق ما لا يحصى فالتقطه الناس وفي التقدير يزيد عن عشر قلائل الذي وجدوه تحت الجشم حذو مسجد المدرسة القديم وشيء من أعلاه، وظهر مدفع صغير جدا كان قد ذهب على أهلنا في البرج الذي في حارة الوادي، ولله عاقبة الأمور ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، وكتبه العبد الفقير المعترف بالتقصير المفرط في حق الواحد الكبير؛ سيف بن بدر بن سالم المنذري السليفي بيده الفانية عن قريب، حررته بتاريخ السابع من شهر محرم من شهور سنة 1359 من الهجرة الإسلامية}.
ولعل من تلك الأفلاج القديمة المندثرة التي ذكرها الشيخ (فلج النقلي وفلج العجاج وفلج الأسود وفلج الراكب وفلج سلطان) وهذا ما نقلته عن الوالد عبدالله بن محمد بن سباع الصوافي.
ومما يُستأنس به في توثيق هذه الوقائع، ما رواه الوالد عبدالله بن محمد بن سباع بن سعيد الصوافي – وهو من كبار السن المهتمين بتدوين تاريخ البلدة – نقلًا عن الوالد سيف بن علي بن سالم بن علي المنذري؛ إذ ذكر أنه في شهر ربيع الأول من عام 1301هـ، أخبره أحد المعمّرين بوقوع جرفة عظيمة اجتاحت الجهة الشرقية المعروفة بـ(الخطوة الشرقية)، فهدمت مسجد سالم بن نوح، وكان القائم على شؤون الأوقاف آنذاك رجل يُدعى محمد بن طالب بن حميد المنذري، وهو أخ عامرة بنت طالب بن حميد المنذرية، جدة الوالد محمد بن سعيد بن محمد بن حمد المنذري.
ويُروى أن هذا الوكيل، لما رأى ما حلّ بالمسجد من خراب، شدّ رحاله إلى زنجبار طلبًا للعون لإعادة إعماره، حيث التقى هناك بالشيخ محمد بن سليمان المنذري، الذي كانت له أملاك في الخطوة تُعرف بـ(الجليدية)، فأعانه بمبلغ مائة قرشٍ من الفضة، ومنحه تلك الضاحية، فجعلها محمد بن طالب بن حميد وقفًا على مصالح المسجد. كما دار بينهما حديث عن المسجد القائم شرقي مقام الخضر، المعروف بمسجد (السد) وقيل إنه يسمى في السابق مسجد (طوي السدرة)، والذي يُعرف في الوقت الحاضر بمسجد المطاوعة؛ وقد دون هذه القصة الوالد عبدالله بن محمد الصوافي في مذكرته الخاصة.
وتكملةً لهذه الرواية، يُذكر على ألسنة بعض كبار السن أن رجلًا قدم من زنجبار نزل يومًا ليتوضأ من شريعة فلجٍ يمرّ بجوار ذلك المسجد القريب من مقام الخضر، وكانت على ساقيته شجرة (أمبا) عظيمة: أي (مانجو) فسقطت ثمرة منها على رأسه، في واقعةٍ طريفةٍ ظلت تُروى، ولا يُستبعد – على سبيل الظن – أن يكون ذلك الزائر هو الشيخ محمد بن سليمان المنذري نفسه (حي 1314هـ).
ويذكر الوالد عبدالله بن محمد بن سباع بن سعيد الصوافي أن هذه الجرفة اشتهرت عند كبار السن في بلدة السليف باسم “سنة السنة”، وهو مسمّى يعكس رسوخها في الذاكرة لما خلّفته من أثرٍ بالغ وشدةٍ استثنائية. وقد بلغ السيل في اندفاعه الجارف الجانب الغربي من البلدة، فلم يثبت في وجهه إلا مسجد الأسباط وموضع يُعرف بـ(ند المسباخ)، حيث غدا المسجد ملاذًا للناس ومفزعًا لهم، احتموا به بعد أن داهمت المياه دورهم وجرفت اموالهم، في مشهدٍ يجسّد هول الواقعة وعنفها. وكان المسجد آنذاك مشيّدًا على تلةٍ مرتفعة، مما أكسبه منعةً وحمايةً من بطش السيل، فصار مأوى للناجين ومَعْلَمًا شاهدًا على عِظم تلك الحادثة. وقد أعاد الأهالي بناءه في الوقت الحاضر، غير أنه لم يبلغ في ارتفاعه ما كان عليه في سالف عهده، فظلّت هيئته القديمة حاضرةً في الذاكرة، تُروى مع أخبار تلك الجرفة العظيمة.
وإذا ما نُظر إلى هذه الجرفة الحديثة في سياقها التاريخي، فإنها تستحضر إلى الأذهان ما دوّنه المؤرخون عن سيولٍ مماثلة شهدتها عُمان عبر العصور، حيث تتكرر السمات العامة لهذه الظواهر الطبيعية؛ من اندفاعٍ شديدٍ للمياه، واتساعٍ في مجاريها، وتهدّمٍ في العمران، إلى جانب تشكّل معالم جديدة في تضاريس الأرض. وهي بذلك تمثل حلقةً جديدة في سلسلة الأحداث الطبيعية التي تعاقبت على هذه البلاد، مؤكدةً أن ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل امتدادٌ لنمطٍ بيئيٍّ معروفٍ في تاريخ المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية استحضار الدروس المستفادة من الماضي، وتعزيز الوعي بطبيعة الأودية وسلوكها، خاصة في أوقات التقلبات الجوية، إلى جانب التأكيد على ضرورة التخطيط العمراني الرشيد الذي يراعي مجاري السيول ويأخذ في الحسبان مخاطرها المحتملة.