كثير من الشباب اليوم لم يختاروا المقعد الوظيفي التقليدي، ولكن اختاروا طريقًا مختلفًا وهو طريق العمل الحر، حيث يصنعون مشاريعهم الخاصة ويكتبون قصص نجاحهم بأيديهم، وهذا التحول امتد إلى ولايات محافظة الداخلية، حيث يشهد الوقت الحالي على طفرة لافتة في المشاريع الصغيرة التي أطلقها شباب طموح، استغلوا قوة المنصات الرقمية ووصلوا إلى الأسواق بسهولة لم نعهدها من قبل. هناك قصص نجاح ملهمة وفي المقابل تحديات قاسية، دخل غير ثابت، منافسة شرسة، وحاجة ماسة للدعم في التدريب والتسويق.
الاستدامة تقود التجربة
في تجربة تعكس توجه عدد من الشابات نحو العمل الحر، تقول عائشة بنت ودير البوسعيدي -رائدة أعمال- وصاحبة مشروع «نواة التمر» الذي يقوم على تحويل نواة التمر إلى منتجات صحية وتجميلية، إنها اختارت هذا المسار رغبةً في الاستقلالية المهنية وعدم التقيد بالعمل تحت إدارة مباشرة، موضحةً أن العمل الحر يمنحها مساحة أوسع لاتخاذ القرار وإدارة وقتها بما يتناسب مع طبيعة مشروعها.
وأضافت أن التحدي الأبرز الذي تواجهه يتمثل في جانب الترويج والتسويق، مؤكدةً أن الوصول إلى الجمهور وبناء قاعدة من العملاء يحتاج إلى جهد مستمر وخطط مدروسة، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين المشاريع الصغيرة.
وترى البوسعيدي أن العمل الحر يمكن أن يكون مستقرًا على المدى الطويل، بشرط أن يمتلك صاحب المشروع القدرة على إدارة ذاته وتحمل المسؤولية والالتزام، مشيرةً إلى أن الاستمرارية لا تعتمد فقط على الفكرة، بل على مدى جدية صاحب المشروع في تطوير عمله ومواكبته لمتطلبات السوق؛ واختتمت بالقول إن نجاح المشاريع الصغيرة يتطلب دعمًا أكبر، سواء من حيث الترويج أو التمكين، إلى جانب التشجيع المجتمعي، مضيفةً أن توفير بيئة محفزة يسهم على تعزيز فرص استمرارية المشاريع وتحقيقها نتائج إيجابية.
وفي الوقت الذي تتباين فيه تجارب الشباب بين التحدي والبداية، تبرز نماذج استطاعت أن ترسخ حضورها في السوق من خلال الاستمرارية والتطوير، مقدمةً صورة مختلفة عن إمكانات العمل الحر؛ يعكس يعقوب بن سالم الرواحي (صاحب مشروع كرك بيتنا) جانبًا آخر من تجارب العمل الحر، كأحد المشاريع التي استطاعت أن تحقق حضورًا في السوق من خلال تقديم منتج بسيط بروح مبتكرة صاحبها تطوير الفكرة والاستمرار في العمل، إذ يقول الرواحي إنه اختار العمل الحر لما يوفره من فرص مستمرة للتعلم واكتساب الخبرة، موضحًا: «العمل الحر يجعل الشخص أكثر تنظيمًا، حيث أحرص على جدولة مهامي من الصباح إلى المساء لإنجاز الأعمال بالشكل المطلوب، كما أنه يوسع دائرة معارفي سواء مع الجهات الحكومية أو أفراد المجتمع».
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي واجهته تمثلت في السيولة المالية، مؤكدًا أن الاستمرارية تظل العامل الأهم، وأضاف: «التحدي في البداية يكون في توفر السيولة، لكنها تتحسن تدريجيًا مع الاستمرار في العمل وتطوير المشروع».
ويرى الرواحي أن العمل الحر يمثل خيارًا مستقرًا على المدى الطويل، لما يتيحه من فرص متعددة، مبينًا أن التفرغ للمشروع يفتح آفاقًا أوسع للعمل والدخل، سواء من خلال فرص قصيرة أو طويلة الأمد، إلى جانب ما يحققه من خبرة ومعرفة متراكمة؛ وأوضح أنه يعمل حاليًا على تطوير مشروعه من خلال تجهيز خط إنتاج آلي، إلى جانب التوسع في إضافة منتجات جديدة، مع التوجه مستقبلاً نحو تصدير المنتجات إلى خارج سلطنة عُمان، مؤكدًا أن الطموح في العمل الحر لا يتوقف عند مرحلة معينة، بل يتطور مع تطور المشروع.
ويختتم بالقول: تعكس هذه التجربة جانبًا من قصص النجاح التي يحققها بعض الشباب، في حين تبقى تجارب أخرى تواجه تحديات مختلفة، ما يبرز الحاجة إلى دعم مستمر وبيئة محفزة تواكب تطلعات رواد الأعمال، فإدارة أي مشروع تتطلب جهدًا مضاعفًا، ليس فقط في تقديم المنتج، بل في التسويق والمتابعة اليومية، وهو ما يشكل ضغطًا في المراحل الأولى، مؤكدًا أن العمل الحر يحتاج إلى صبر وتخطيط وواقعية في التوقعات.
فرص واسعة للعمل
لا يقتصر النقاش على الشباب وحدهم، بل يمتد ليشمل الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لخيارات الأبناء وتوجهاتهم المهنية، ويبرز دور أولياء الأمور في توجيه هذه الخيارات بين الطموح والرغبة في الاستقلال، وبين الحرص على الاستقرار والأمان الوظيفي، في ظل واقع اقتصادي متغير، حيث يؤكد خليل بن محمد بن راشد الحوقاني -ولي أمر- أهمية تشجيع الشباب على خوض تجربة العمل الحر، وإبراز ما يمتلكونه من مهارات ومواهب، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تتيح فرصًا واسعة للاستفادة من التقنيات الحديثة ومنصات التواصل الرقمي في عرض المشاريع والتعريف بها، سواء كانت مشاريع تنموية أو اقتصادية أو رقمية، بما يسهم في بناء جيل قادر على الابتكار والمبادرة.
وأضاف أن توجيه الفتيان والفتيات نحو العمل الحر ينبغي أن يبدأ من استثمار مواهبهم وقدراتهم، والانطلاق من مشاريع صغيرة قابلة للتطوير التدريجي، موضحًا أن هذه الخطوات تسهم في بناء الثقة لدى الشاب وتمكنه من الاعتماد على نفسه مع مرور الوقت. وأكد أن دعم ولي الأمر ووقوفه إلى جانب أبنائه يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاحهم، سواء من خلال التشجيع أو المتابعة أو تقديم النصح، بما يعزز فرص استمرارية المشروع وتحقيق أهدافه.
وأشار الحوقاني إلى أن كل عمل، سواء كان حرًا أو وظيفيًا، لا يخلو من التحديات، مؤكدًا أن النجاح يرتبط بقدرة الإنسان على تجاوز هذه التحديات والتعامل معها بإيجابية. وقال إن من أهم ما ينبغي التركيز عليه هو حسن استغلال الوقت، والحرص على كسب رضا الزبون، إلى جانب التحلي بالصبر وعدم التوقف عند أول عقبة، مضيفًا أن لكل مشكلة حلولًا، وأن رائد العمل الناجح هو من يسعى لتجاوز الصعوبات والتعلم منها لتحقيق الأفضل؛ واستشهد في هذا السياق بقول الإمام الشافعي: «علمتُ أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأنّ قلبي، وعلمتُ أن عملي لن يقوم به غيري فاشتغلتُ به»، مشيرًا إلى أن هذه المعاني تعزز لدى الشباب الثقة والسعي والاجتهاد دون تردد.
وفيما يتعلق بالتوازن بين الوظيفة والعمل الحر، أوضح الحوقاني أنه لا يفضل الجمع بينهما في بداية الطريق، مؤكدًا أن على الشاب أن يحدد هدفه بوضوح منذ البداية، وقال: «إذا حصل الإنسان على وظيفة مستقرة، فمن الأفضل أن يركز عليها، وألا ينجرف وراء تجارب الآخرين دون دراسة»؛ وأضاف أن بإمكان الشاب التوجه إلى العمل الحر لاحقًا بعد اكتساب الخبرة وإجراء دراسة متعمقة، بحيث يكون المشروع داعمًا للدخل، مشددًا على أن النجاح يتطلب تركيزًا وتنظيمًا، وأن السعي للرزق ينبغي أن يكون ضمن ضوابط تتناسب مع الظروف والحاجة والوضع المالي.
دعم وتمكين
وفي ظل التوجهات المتنامية للشباب نحو العمل الحر، وما تحمله هذه التجارب من طموح وتحديات، يبرز دور الجهات الرسمية في دعم هذه المسارات وتنظيمها، بما يضمن استدامتها وتحقيق أثرها الاقتصادي. فهذه المبادرات الفردية، رغم اختلاف مستويات نجاحها، تمثل جزءًا من منظومة أوسع تسعى إلى تمكين رواد الأعمال وتعزيز حضور المشاريع الصغيرة في المجتمع.
وفي هذا الإطار، يوضح عيسى بن صالح الصبيحي، مدير إدارة هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) بمحافظة الداخلية، رؤية الهيئة وجهودها في دعم الشباب وتمكينهم من تحويل أفكارهم إلى مشاريع مستدامة قائلاً: إن الهيئة تعمل على تقديم حزمة متكاملة من البرامج والمبادرات التي تستهدف تمكين الشباب وتعزيز ثقافة العمل الحر، بما يتماشى مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" في بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار وريادة الأعمال، مشيراً إلى أن هذه الجهود تشمل برامج تمويلية وتدريبية، ومراكز أعمال، واستشارات تخصصية، إلى جانب برامج التوجيه التي تربط رواد الأعمال بالخبرات، فضلًا عن تسهيل الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، ودعم التسويق والدخول إلى الأسواق المحلية والدولية.
وعن أبرز التحديات التي تواجه أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسّطة، أوضح الصبيحي أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الحصول على التمويل في المراحل المبكرة، وضعف الخبرة الإدارية والتشغيلية، إلى جانب التحديات التسويقية والمنافسة مع الشركات الكبرى أو المنتجات المستوردة، مؤكدًا أن الهيئة تعمل على معالجة هذه التحديات من خلال برامج بناء القدرات وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
وفيما يتعلق باستمرارية المشاريع، أشار إلى وجود تحسن ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تطور منظومة الدعم، مبينًا أن المشاريع التي تعتمد على التخطيط المسبق والتدريب تكون أكثر استدامة؛ بينما ترتبط حالات التعثر غالبًا بضعف دراسة الجدوى أو نقص الخبرة في الإدارة المالية والتسويق، وهو ما نركز عليه بشكل أساسي في "ريادة" ويتضح ذلك جلياً من خلال برنامج جاهزية رائد العمل للانتقال من مجرد دعم في مراحل التأسيس إلى دعم الاستدامة والنمو على المدى الطويل.
وعن أبرز إنجازات إدارة ريادة بمحافظة الداخلية خلال الفترة الماضية، اختتم الصبيحي الحديث بالقول:؛ إن إدارة الهيئة بمحافظة الداخلية حققت خلال الفترة الماضية عددًا من الإنجازات، من أبرزها تنفيذ المبادرات المعتمدة لدعم منظومة ريادة الأعمال، إلى جانب تدشين مشروع «مجمع مدائن الريادي» كأول مشروع من نوعه على مستوى المحافظات، فضلًا عن حصول الإدارة على جائزة الإجادة المؤسسية، بما يعكس جودة الخدمات المقدمة ورضا المستفيدين.
بين الطموح والتحدّيات
بين طموح الشباب في بناء مشاريعهم الخاصة، وتحديات الواقع التي تفرض نفسها في كل مرحلة، يظل العمل الحر خيارًا يحمل فرصًا واعدة، لكنه في الوقت ذاته يتطلب وعيًا وتخطيطًا ودعمًا متكاملًا؛ ومع تنامي هذا التوجه، تبرز الحاجة إلى بيئة أكثر تمكينًا، توازن بين الحماس الفردي والدعم المؤسسي، بما يسهم في تحويل هذه المشاريع من تجارب فردية إلى روافد حقيقية للاقتصاد المحلي.
وفي ظل هذا الحراك المتنامي نحو العمل الحر، تتشكل ملامح جيل جديد يسعى إلى بناء مساره المهني برؤية مختلفة، تجمع بين الطموح والرغبة في الاستقلال، وبين الحاجة إلى الاستقرار والتخطيط. وبين تجارب النجاح والتعثر، يظل العمل الحر فرصة واعدة لمن يحسن استثمارها، ويملك أدوات الصبر والتطوير والاستمرارية.
ويبقى التحدي الأهم في إيجاد التوازن بين المبادرة الفردية والدعم المؤسسي، بما يسهم في تحويل هذه المشاريع من محاولات فردية إلى نماذج مستدامة تعزز الاقتصاد المحلي، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب لتحقيق تطلعاتهم بثقة ووعي.