كتب ـ يوسف بن سالم الحبسي - تصوير: محمد بن سعيد الصبحي

في ممرات "حصن الغنيمة" الذي يضرب بجذوره في عمق التاريخ لأكثر من 160 عامًا، لا تتحدث الجدران وحدها، بل تنطق قطع "الذهب والفضة والنحاس" لتروي حكاية حضارة أمم، حيث استطاع الباحث حمد بن محسن العبري أن يحول شغف أربعين عامًا إلى صرح ثقافي نوعي تحت مسمى "متحف الحمراء للنقود"، هذا المتحف ليس مجرد خزانة للعملات، بل هو "مختبر للوعي" ووثيقة تقرأ تاريخ عُمان السياسي والاقتصادي والديني عبر مسكوكات نادرة، بدأت بـ "بيسة" السلطان فيصل بن تركي، ولم تنتهِ عند حدود التحول الرقمي الحديث، ليكون المتحف بذلك جسرًا يربط بين عراقة الماضي وآفاق المستقبل.

**media[3374325]**


وقال حمد بن محسن العبري، مدير متحف الحمراء للنقود: إن القطعة النقدية الواحدة هي حكاية تاريخ من حيث مكوناتها والبحث فيها تنبؤ بمعلومات قد لا تكون في غيرها وهي بلا شك دقيقة وذات موثوقية، وقد وفرت لي هذه القطعة مجالا ثريا لقراءة التاريخ من خلالها فقراءتها تُشبه قراءة صفحة من كتاب التاريخ؛ فهي تختصر معلومات سياسية واقتصادية ودينية وثقافية في مساحة صغيرة، مما يجعلها من أهم المصادر المادية التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة التاريخ الإنساني، والقطعة النقدية القديمة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل تُعد وثيقة تاريخية مصغّرة تحمل في طياتها كمًا كبيرًا من المعلومات التي تخدم دراسة التاريخ والثقافة، ومن خلال قراءة ما كُتب عليها وما تحمله من رموز ورسوم، يمكن استخلاص دلالات مهمة، من أبرزها تحديد الحقبة الزمنية والحاكم حيث إن النقوش التي تتضمن أسماء الحكّام أو الألقاب الرسمية تساعد في تأريخ القطعة وربطها بفترة زمنية محددة، مما يسهّل تتبع تسلسل الحكم والتغيرات السياسية، وكذلك فهم النظام السياسي والإداري حيث تظهر العملات طبيعة الدولة (خلافة، سلطنة، إمبراطورية)، وأحيانًا تعكس قوة الحاكم أو نفوذه من خلال الألقاب المستخدمة مثل "أمير المؤمنين" أو "السلطان الأعظم"، إضافة إلى التعرف على الهوية الدينية والثقافية فيكتب في العملة العبارات الدينية أو الرموز (كالآيات القرآنية أو الصلبان أو غيرها) تعكس العقيدة السائدة والهوية الثقافية للمجتمع في تلك الفترة، وأيضًا دراسة اللغة والخطوط نوع الخط المستخدم (كوفي، نسخ، لاتيني... الخ) وطبيعة اللغة تساعد في فهم تطور الكتابة وانتشار اللغات بين الشعوب، وكذلك الكشف عن الأوضاع الاقتصادية من خلال نوع المعدن (ذهب، فضة، نحاس) ووزنه، يمكن معرفة قوة الاقتصاد ومستوى الازدهار أو التراجع في تلك الفترة، كما يمكن تتبع العلاقات التجارية والتأثيرات الخارجية حيث إن وجود عملات أجنبية أو تأثيرات فنية غير محلية يدل على وجود تبادل تجاري أو احتكاك حضاري بين الدول، وأضف إلى ما سبق دراسة الفنون والرموز الحضارية الرسوم والنقوش (كالحيوانات، النباتات، المباني، الشعارات) التي تعكس الذوق الفني والرموز الحضارية التي كانت تمثل هوية المجتمع، وتحديد أماكن سك العملة (دار السك) أسماء المدن أو دور السك المكتوبة على العملة تساعد في معرفة مراكز السلطة الاقتصادية والجغرافية المهمة، وكل ما ذكر سابقا أعطاني اهتماما منذ ما يقرب من أربعين عاما بدأتُ ببيسة السلطان فيصل بن تركي وقرش ميري تريزا النمساوي ومنها انطلق الشغف إلى جملة عملات كنت احفظها في دولاب بالبيت، أما لحظة انطلاق المتحف وعرض مقتنياته للجمهور فكانت بعد التقاعد كان لابد لي من استغلال الفراغ وكان التفكير هو عرض الحصيلة في مكان يدعم الثقافة النوعية فكان المتحف الذي حصل على مباركة البنك المركزي العماني وترخيص وزارة التراث والسياحة.
حصن الغنيمة
وأضاف: بعد البحث عن المكان المناسب لإقامة المتحف تم اختيار حصن الغنيمة الذي يتجاوز عمره ١٦٠ عاما مقرًا لـمتحف الحمراء للنقود لمنح التجربة المتحفية عمقًا يتجاوز العرض التقليدي، فالحصن، بوصفه مركزًا تاريخيًا للسلطة والإدارة، ينسجم مع دلالات العملة كرمز للقوة الاقتصادية والسيادة، مما يضع القطع النقدية في سياقها الواقعي، كما أن الممرات الضيقة، وسماكة الجدران، وتعدد المستويات داخل الحصن تخلق مسارًا تدريجيًا للزيارة، يجعل الزائر ينتقل بين العصور وكأنه يعيشها، ويضيف المكان عنصر الهيبة والموثوقية؛ إذ يعزز عرض العملات في حصن تاريخي من إحساس الزائر بقيمتها، مقارنةً بعرضها في مبنى حديث، كذلك، يسهم الحصن في تنويع التجربة السياحية، حيث يجمع بين التاريخ المعماري والتاريخ النقدي في آنٍ واحد، مما يطيل زمن الزيارة ويزيد التفاعل.
مراحل تطور المتحف
وأكد أن المتحف انطلق في البداية بثلاث مراحل تطويرية تعكس نموه المعرفي وتوسّع محتواه ففي المرحلة الأولى انطلقت فكرة المتحف بأربعة أركان رئيسة، هي: ركن تاريخ النقود العُمانية الذي يستعرض مسيرة النقود العُمانية ابتداءً من النقود التي سكّها السلطان فيصل بن تركي سنة 1311هـ، والتي من أبرزها قطعة الغازي، وهي قطعة سُكّت مرة واحدة فقط، وتُعد من أصغر الوحدات النقدية المتداولة آنذاك، إذ تساوي واحدًا من اثني عشر من الروبية، وتليها البيسة التي تعادل ربع الروبية، ثم ينتقل الركن إلى عرض النقود المعدنية، الفضية منها والنحاسية، التي أصدرها السلطان سعيد بن تيمور، إلى جانب الريال السعيدي الورقي الذي عُرف بأنه أول إصدار ورقي، وتميّز بظهور اسم سلطنة مسقط وعُمان على الورقة النقدية، وكان سكرتير النقد آنذاك سي. جي. بي. لي. وصدر عام 1970م، وفي مرحلة لاحقة، صدر الإصدار الثاني من الأوراق النقدية عام 1972م، والذي مثّل نقلة نوعية في تاريخ العملة العُمانية، حيث كُتب في أعلى الورقة اسم "سلطنة عُمان"، وحل البنك المركزي العماني عام 1974م محل مجلس النقد العماني كما حمل توقيع محمد محمود مراد، ليكون أول توقيع لشخصية عُمانية على الأوراق النقدية، أما الإصدار الثالث، فقد صدر عام 1976م، وتميّز بكتابة "البنك المركزي العُماني" في أعلى الورقة النقدية، وقد حمل توقيع السيد طارق بن تيمور، في دلالة على تطور المؤسسة النقدية في سلطنة عمان.
وجاء الإصدار الرابع عام 1985م، حيث استمر البنك المركزي العُماني في إصدار العملة، وتميّز هذا الإصدار بحمل صورة وتوقيع السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ في تجسيد للهوية الوطنية وترسيخ رمزية القيادة في العملة العُمانية، واستمر البنك في إصداراته، حيث أصدر عام 1995م الإصدار الخامس بفئاته المختلفة، والذي عكس تطورًا ملحوظًا في التصميم والعناصر الأمنية للعملة، وقد تزامنت جميع هذه الإصدارات مع طرح عملات معدنية مساعدة (مُساندة) بفئات مختلفة لتلبية متطلبات التداول اليومي، مضيفًا: إن المتحف واجه تحديات كبيرة في اقتناء هذه القطع، يأتي في مقدمتها ندرة العملات؛ فكلما كانت العملة أقدم زمنًا، ازدادت صعوبة الحصول عليها وارتفعت قيمتها، كما تلعب أعداد السكّ دورًا مهمًا في تحديد الندرة، فكلما قلّ عدد القطع المسكوكة، زادت قيمتها وصعوبة اقتنائها، ولعل قطعة الغازي المعروضة في المتحف تُعد من أندر القطع وأعلاها قيمة من حيث الجهد المبذول في الحصول عليها، لما تمثله من أهمية تاريخية ونقدية مميزة، إضافة إلى ذلك لدينا ركنان لتاريخ نقود دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والدول العربية الأخرى إذ يُعنى هذا الركن بعرض تاريخ النقود في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي تُعد شريكًا مهمًا في المنظومة الاقتصادية، نظرًا لما يجمعها من علاقات وثيقة في مجالات التجارة وتبادل العملات، وقد حرص المتحف على اقتناء أقدم الإصدارات النقدية، سواء الورقية أو المعدنية، لهذه الدول، بهدف إبراز تطور أنظمتها النقدية عبر الزمن، وعكس أوجه التشابه والاختلاف بينها، بما يعزز فهم الزائر للدور الاقتصادي المشترك الذي يجمع دول المجلس في إطار تاريخي ونقدي متكامل، كذلك هناك ركن لتاريخ النقود لبعض الدول الصديقة وقد شكّلت هذه الأركان أساس العرض، مقدّمةً تصورًا عامًا لتاريخ النقود إقليميًا ودوليًا.
التداول التجاري
وذكر أن المرحلة الثانية للمتحف شهدت توسعًا في المقتنيات، بإضافة عملات جديدة إلى المعروضات السابقة، إلى جانب استحداث ركن خاص للباحثين، تمثّل في مكتبة متواضعة تضم عددًا من الكتب والموسوعات المتخصصة في النُّقود العُمانية والإسلامية، مما أضفى بُعدًا علميًا داعمًا للزوار والمهتمين، والمرحلة الثالثة تميزت بإضافة ركن نوعي جديد، وهو ركن النقود المستخدمة في عُمان قبل سك أو طباعة عملتها الخاصة، ويعرض هذا الركن عملات تعود إلى دول وحضارات متعددة، استُخدمت في التداول التجاري منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى استقلال عُمان بعملتها الوطنية، مقدّمًا بذلك تسلسلًا تاريخيًا مهمًا يربط عُمان بشبكات التجارة والحضارات المختلفة ومن أهم هذه الحضارات الحضارة الحميرية في اليمن والرومانية واليونانية والساسانية والأموية والعباسية وما تبع ذلك من حضارات كان لها دور تجاري مع عمان اكتشفت من خلال كنوز مختلفة وجدت في عمان.
دراسة التعامل التجاري
وذكر أن من أهداف المتحف دراسة التعامل التجاري منذ بدء الخليقة من خلال اكتشاف كيفية التعامل البشري في تبادل السلع مرورا بسك العملات النقدية المعدنية فالورقية وصولا في عصرنا الحالي هذا إلى النقود الإلكترونية وبطبيعة الحال فإن هدف البحث عن مختلف العملات العالمية وتنوعها ليس عشوائيًا، بل نتيجة سعي منهجي لإبراز امتداد عُمان والعالم الحضاري عبر شبكات التجارة والتواصل الثقافي، ومن هنا حاول المتحف خلق مصادر اقتناء المقتنيات سواء الاقتناء المباشر عبر أسواق ومزادات العملات القديمة أو المجموعات الخاصة التي تم استقطابها أو ضمها للمتحف وكذلك الإهداءات من مهتمين وباحثين داخل وخارج عُمان والتبادل الثقافي مع هواة ومؤسسات، أما فيما يتعلق بمنهجية الاختيار فيتم بالتركيز على العملات التي كان لها تداول فعلي في عُمان أو مرتبطة بطرق التجارة العُمانية مثل عملات زنجبار وغيرها (الامتداد الأفريقي) الساسانية وغيرها (العمق الآسيوي) والأموية (الهوية الإسلامية)، وتعد عُمان كمركز تلاقي حضاري من الموقع الجغرافي لعُمان جعلها محطة تجارية بحرية رئيسة وحلقة وصل بين الشرق والغرب لذلك ظهرت على أرضها عملات متعددة الحضارات والعملة كشاهد تاريخي فكل عملة تمثل مسار تجارة وعلاقة سياسية وتواصل ثقافي وبذلك يصبح المتحف خريطة حيّة لحركة التاريخ عبر النقود.