في يناير من عام 1980، قطع الرئيس جيمي كارتر على نفسه وعدًا جريئًا، إذ قال إنه: إذا ما حاولت قوة أجنبية أن تسيطر على الخليج العربي أو الاحتياطيات النفطية الهائلة في المنطقة، فسوف تقابل بالقوة العسكرية الأمريكية.
ومن خلال ضمان الولايات المتحدة الأمريكية لحرية تدفق النفط عبر مضيق هرمز طوال السنوات الخمس والأربعين التالية، أظهرت أمريكا للعالم أن نفط الشرق الأوسط، برغم جميع تقلباته، رهان مضمون.
لكن في محض شهرين اثنين، تحولت الولايات المتحدة من حصن منيع لنظام الطاقة العالمي إلى أكبر أسباب انعدام الأمن فيه.
وفي حين أن الولايات المتحدة قد تخرج سالمة نسبيا من أزمة الطاقة التي تسببت فيها ببدئها هذه الحرب على إيران، فإن التداعيات بعيدة المدى بالنسبة لاقتصادها القائم على النفط قد تزعزع الاستقرار على نحو كبير.
والاقتصاد العالمي ـ من أوجه كثيرة ـ صنيعة أمريكية؛ ففي مطلع القرن العشرين، كانت شركات أمريكية كبرى هي التي اكتشفت النفط في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وظلت تسيطر لفترة من الزمن على الصناعات النفطية في المنطقتين.
وكانت الولايات المتحدة هي أكبر منتج ومستهلك للنفط خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وبعد الصدمة النفطية في سبعينيات القرن العشرين، قادت الولايات المتحدة الجهود الرامية إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية، ومن خلالها نسقت الاقتصادات الصناعية الكبرى سياساتها في مجال الطاقة.
وساعدت واشنطن أيضا في الدفع إلى تكوين نظام عالمي للاحتياطيات النفطية الاستراتيجية وتدابير أخرى رامية إلى زيادة مرونة اقتصاد الطاقة العالمي.
وبحلول وقت ما عرف بمبدأ كارتر، كان قد بات واضحا للولايات المتحدة أن أمنها الوطني يقوم على وصولها إلى طاقة الخليج العربي الذي كان في ذلك الوقت يوفر 25% من الواردات الأمريكية.
غير أن هذا الحافز الداعي إلى الدفاع عن الوصول إلى الشرق الأوسط أخذ يعتريه الضعف. إذ حدث، ابتداء من عام 2010، أن أدت طفرة إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على الواردات.
وبحلول عام 2020، لم يعد نفط الخليج يمثل إلا أقل من 10% من استهلاك النفط الأمريكي، الأمر الذي أدى إلى اعتقاد مفهوم لدى بعض الدوائر في واشنطن بأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى استمرار التورط في شؤون الشرق الأوسط.
ومضى دونالد ترامب بهذه الفكرة إلى مدى أبعد؛ إذ طرح في ولايته الأولى نظرية أدعى للارتياب مفادها أن الولايات المتحدة الآن «مستقلة في مجال الطاقة» وآمنة من الصدمات النفطية.
ونشأت من جراء ذلك الاعتقاد ثقة جديدة وخطيرة: ففي ظل عدم اعتمادها على سوق النفط العالمي، بات بوسع الولايات المتحدة أن تصوغه بما يخدم مصالحها الجيوسياسية. ففرضت عقوبات مغلظة على خصومها ـ من أمثال روسيا وإيران وفنزويلا ـ للحد من قدرتها على بيع النفط. وهددت الولايات المتحدة أيضا بفرض رسوم جمركية مشددة على كندا التي تمثل اليوم أكبر مصدر منفرد لوارداتها النفطية.
ثم انتقلت إدارة ترامب من العقوبات والرسوم الجمركية إلى مصادرة الحاويات في البحر الكاريبي والمحيط الهندي واعتقال الرئيس الفنزويلي وإطلاق حملة جوية على إيران تهدف جزئيا إلى «الاستيلاء على النفط» ـ على حد تعبير الرئيس ترامب ـ من خلال تنصيب نظام حكم أكثر انصياعا.
ولم تثبت الحرب على إيران نجاحها بمثل ما أثبتت عملية فنزويلا. وما كادت الولايات المتحدة تعزف عن الاستمرار في حماية مرور النفط عبر مضيق هرمز حتى هوى الاقتصاد العالمي إلى أتون الاضطراب.
وبالنسبة للولايات المتحدة، قد تكون الآثار قريبة الأجل لتقليل إمدادات النفط العالمية أمرا يمكن التعامل معه. فبامتلاكها لقدر هائل من النفط الخاص بها لن تواجه أمريكا مثل ما تواجه دول أخرى من نقص وارتفاع كبير في الأسعار. لكن الفكرة التي ترى أن الولايات المتحدة آمنة تماما في مجال الطاقة فكرة خاطئة. لأنها لا تزال تستورد قرابة ثلث ما تستهلكه من النفط الخام. ولأن السعر المحلي لبعض المنتجات النفطية ـ من قبيل وقود المركبات ـ يتأثر بتغيرات السعر العالمي، ولأن السوق العالمي سوف يتشكل لبقية العام الحالي ـ إن لم يكن لأمد أبعد ـ بآثار هذه الحرب المدمرة.
وأهم من ذلك أن انهيار مبدأ كارتر يقوض أمن الاقتصاد النفطي العالمي؛ فحتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز، سوف تبقى الأسواق على الحافة، في انتظار أن تقوم إيران بإغلاق المضيق مرة أخرى.
وسوف يعد نفط الخليج أشد خطورة ـ وربما أعلى سعرا ـ من جراء ذلك. ومؤكد تقريبا أن بلادا في العالم سوف تعيد النظر في خطط أمن الطاقة الخاصة بها فتحول اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد على الواردات، ومنها النفط والغاز الطبيعي.
وقد يتبين أن لهذا أشد العواقب على الولايات المتحدة. ففي ظل حكم الرئيس ترامب يبدو أن الولايات المتحدة تبنت وضع الدولة النفطية، فتخلت عن حوافز وبرامج تشجيع إنماء مصادر الطاقة المتجددة من قبيل طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وفي الوقت الراهن، ثمة سوق لما لدينا من النفط والغاز، ولن يتغير هذا الوضع في المدى القريب، لأن انعدام الأمن في الخليج يجعل الولايات المتحدة مصدرا أكثر جاذبية للإمدادات.
لكن على المدى المتوسط والمدى البعيد، سوف تؤدي هذه الأزمة إلى مزيد من انعدام الأمن في استقرار مصادر الطاقة هذه؛ إذ ستسعى مزيد من البلدان إلى بدائل، من بينها تقنيات الطاقة النظيفة التي تحظى فيها الصين بميزة حاسمة. وقد تشهد الولايات المتحدة تقلص سوقها التصديري مع تباطؤ الطلب على النفط والغاز بما يهدد صناعة محلية تقدر قيمتها بتريليون دولار وتوفر آلاف الوظائف. وقد يبقى المستهلكون الأمريكيون ثابتين على أنواع من الوقود الملوث المعرضة لارتفاعات الأسعار بينما ينجو باقي العالم من هذا.
قد يثبت للولايات المتحدة أن وقوعها في أسر هاجس الإنتاج والاستهلاك والسيطرة على السوق يؤدي في نهاية المطاف إلى أولوية خاطئة تتمثل في الاندفاع إلى السيطرة على موارد طاقة القرن العشرين في الوقت الذي تتبنى فيه بقية العالم تقنيات أنظف تكون مصدر الطاقة في القرن الحادي والعشرين. وبرغم أن أهمية مبدأ كارتر قد تكون تراجعت، فإننا سوف نفتقد كثيرا ما كان يمثله من استقرار.