تعيدنا مواقف طارئة إلى ما يشبه الومضة في الذاكرة، فتثوّر معها الكثير من مواقد الذكريات التي لا تنطفئ إلا بالتعبير والبوح كأنها طقس ميثولوجي يُقدم لاسترضاء الطاقات الخفية والتقرب إليها. ولهذا فإن الكتابة عن السلف والتذكير بما قدموه للخلف، يُعد جزءا من تسديد الدين تجاه مآثرهم وأعمالهم الخيرة، فحياة الإنسان استلاف وتسديد وأخذ وعطاء، فطوبى لمن أعطى ولا ينتظر مقابل عطائه أجرا دنيويا أو جزاء ماديا.
منذ أيام كنت أرتب مكتبتي التي ضمت العديد من الكتب الناجية من الضياع في المدن ومحطات الإقامات المؤقتة والإعارات التي لا يعرف أصحابها قيمة الأمانات، إذ لا تمثل بعض الكتب قيمتها الثقافية بل تسحب معها سجلات من الذكريات، كالأمكنة التي قُرئت فيها، والإهداءات والتواقيع المكتوبة في الصفحات الأولى منها. وكذلك المسالك والمعابر التي أوصلت الكتب إلى رفوف المكتبة، كما حدث لبعض الكتب التي تركها الصديق الدكتور محمد الرحبي في تونس لدى صديقه اليمني، ثم أخذت بعضا منها بعد أن أوصلها لي صديق يمني آخر، لا أدري هل أخذ شيئا منها، أم أوصلها لي كما هي في عدة صناديق كرتونية.
أثناء ترتيب الكتب على الرفوف عثرت على عدة كتب مهداة من الكاتب عيسى الشعيلي بتاريخ يوليو 2001. فتذكرت الرجل والمناسبة ومكان اللقاء الذي لم يكن لأجل الكتب، لأني حينها لم أنشر إلا عدة مقالات في صحف محلية. ولكن شغف القراءة متوهج كالعادة، بل لأجل أمر يتعلق بالتعليم العالي، إذ كان المرحوم عيسى الشعيلي حينها مستشارا لوزير التعليم العالي، ومسؤولا عن ملف طلبة أبناء المناطق البعيدة الذين منحتهم وزارة التعليم العالي حينها فرصة الالتحاق بكليات التربية، بغية توطين الوظائف التعليمية في المناطق البعيدة، وقد نجح المشروع في خلق وظائف عمل وفي تنمية المناطق البعيدة وهذا مشروع يُذكر فيُشكر القائمون عليه.
كنت في مسقط في صيف 2001، ولدي ملف أحد الطلبة من المناطق البعيدة، وقد أخذني المشوار بداية إلى الدكتور محمد بن سليمان البندري مدير عام الكليات حينها. الرجل المعروف بطيبته ودمث أخلاقه، والذي رحب بي وأعلمني بأن أولى خطوات تقديم الطلبات وتسليمها إلى مكتب المستشار عيسى الشعيلي، والذي هاتفته طالبا اللقاء، الذي تم في بيته الكائن في منطقة القرم، قائلا: هذه جلسة للأحاديث والضيافة، وغدا تأتي للمكتب ومعك الطلب، وهذا ما جرى. في تلك الليلة أهداني كتابي «الميدان سيد الفنون الشعبية العُمانية»، و«البصراويان والعُماني».
زرته في اليوم التالي في المكتب واطلع على الملف، ليتصل بي بعد أسبوع مباركا قبول طلب الطالب الذي أصبح الآن معلما في منطقته. بعد أشهر التقينا في صلالة في الأسبوع الثقافي لكليات التربية في مارس 2002. ولم أكن أعلم أنه بعد ثمانية أشهر سأقرأ نبأ رحيله في لندن في ديسمبر 2002. لتنطفئ رحلة حياة بدأت في البحرين، إذ وُلِد في مدينة المحرق عام 1954، حين هاجر العُمانيون لأجل العمل والعلم، وفي البحرين تعلم الشعيلي وعمل، قبل العودة لسلطنة عمان في بداية السبعينيات. ولذلك تُمثل البحرين في ذاكرة العُمانيين منارة ثقافية ومكانة اجتماعية تترابط فيها أواصر العلاقات والمعارف.
تشكل إهداءات الكتب قيمة نفيسة بين المُهدي والمهدى إليه، فبعد مرور ربع قرن أعادتني الكتب والإهداء إلى تذكر الكاتب عيسى الشعيلي -رحمه الله- الذي بحرصه ودعمه حصل العشرات من الطلبة من أبناء المناطق البعيدة في كل أنحاء سلطنة عمان -كما أخبرني حينها- على فرص للتعلم والعودة للتدريس في مناطقهم والاستقرار فيها وتنميتها، وهذا مثال ناجح على تطبيق مبدأ المواطنة والعدالة الاجتماعية.