عندما كنتُ عضوًا في مختبر الشعر التابع لبيت الزبير، كان من اهتمامات المختبر نقل تجربة الشعر العماني خارج عُمان، فكان من فعاليات المختبر إقامة ندوات عن الشعر العماني وأمسيات شعرية لشعراء عمانيين في دول أخرى، حتى نتمكّن من الوصول بالشعر إلى قُرّاء ومتذوقين يقفون باهتمام على تجارب شعرية عمانية شكّلت نصوصهم خصوصية للشعر العماني في مراحله المختلفة.
ومن الفعاليات التي أقامها المختبر أن أصدر في عام 2017م إصداره الشعري المترجم إلى اللغة الألمانية، والذي حمل عنوان (ثلاثون سدرة تحرس الجبل)، جمعه وحرَّر له كلٌّ من عائشة السيفي وأسماء القطيبي، وترجم نصوصه إلى الألمانية كلٌّ من إشراقة مصطفى وكورت ف. سفاتيك.
ضم الكتاب ثلاثين نصًّا شعريًّا لشعراء عمانيين معاصرين؛ إذ كانت صورة عُمان بأمكنتها بارزة في هذه النصوص، وهوية الذاكرة واضحة، فجاءت النصوص أشبه بسدرة تقف عليها عصافير المساء تحكي عن رحلاتها اليومية، وتصف مشاهد تحليقها اليومي.
ثلاثون نصًّا، أي ثلاثون سدرة تحكي عن المكان، وتحرس ذاكرته. هكذا أراد مختبر الشعر للكتاب في نقل صورة الشعر العماني إلى خارج الحدود الجغرافية. جاء في مقدمة الكتاب: «نأمل عبر هذا الإصدار أن يقرأ أحدهم قصيدة الشاعر في هذه المجموعة ويسرع باحثًا عن قصائد أخرى له يسافر معها في تكوين هذا الشاعر وسيرورته. نريد أن يقرأ أحدهم في صقيع أوروبي قصيدة عن شمس عُمان وجبالها فيشعر بخيط دافئ من الضوء يتسلل من نافذة تلك القصيدة.
نريد لقارئ مجهول أن يقرأ هذه المجموعة ويقرر أن تكون عُمان وجهة سفره القادمة ليختبر بنفسه خيال القصائد وسحرها.
نريد لسائح يزور عُمان أن يحرص على قراءة قصائد الشعراء العمانيين كحرصه على اقتناء تحف وهدايا يتذكر من خلالها التفاصيل الصغيرة والكبيرة عن رحلته في بلاد الشمس هذه. لقد كان من الصعب أن نلمَّ بكل التجارب الشعرية المدهشة التي أنجبتها هذه الأرض. وارتأينا في نسخة مشروعنا الأول أن نبدأ بالتجارب المعاصرة التي اتضحت ملامحها أكثر، وبدأت شجرة قصائدها في البزوغ من أرض التجربة وهويتها في النضوج، كما حرصنا على أن نختار تجارب لم يتسنَّ من قبل لقارئ الألمانية أن يقرأ شعرها مترجمًا للغته». (ثلاثون سدرة تحرس الجبل، ص4)
هنا كانت السدرة تعبيرًا عن هوية مكانية تشكّلت من الصحراء والجبل والذاكرة المتوارثة جيلًا بعد جيل، كون السدرة شجرة مرتبطة بمخيلة الإنسان العماني وذاكرته، فهل يمكن أن يكون للسدرة أيضًا ارتباطٌ شعريٌّ لدى الشاعر العماني ينطلق منها في كتابة نصوصه الشعرية؟
في طوافنا هذا عن رمزية السدرة في الشعر العماني المعاصر وجدنا تفاوتًا في استخدام مفردة السدرة في النصوص الشعرية، لعلَّ شعراء هذه النصوص قد وظفوا مرجعية حضورها في نصوصهم من الفكرة التي يكتبون عنها، وهنا تتشكّل السدرة متقاطعة مع الخيال الشعري الذي يعتمد عليه الشاعر في عملية التوظيف. ومعه نقرأ حضور رمزية السدرة عند ثلاثة شعراء معاصرين، مع علمنا التام أن للسدرة حضورًا أكبر عند كتاب الشعر والسرد معًا، كونها ذاكرة متشكّلة في عملية الكتابة وخيالًا خصبًا تقوم عليه عملية الكتابة.
يتخذ عوض اللويهي في نصه (سدرة السيل) ضمن ديوانه (المياه تخون البرك 2013م) من السدرة صورة لحارسة المدينة من الغرق. لكنَّ لفظة (انكسرتْ) في النص تعبير يُحيل على سطر سابق في أول النص حين قال: «لن أكون سدرة السيل». إن دلالة الانكسار هنا نابعة من التحمل ثم السقوط/ الغرق، أو هو تعبير عن السدرة التي ظلّت وفيّةً للمدينة وحارسة لها حتى ظلّت وحيدة تواجه الانكسار.
إنَّ السدرة عند اللويهي ليست شجرة عابرة في ذاكرة القصيدة، إنها رمز التحمل والثبات والقوة، صورة تُحدّد مكامن القوة والثبات في مواجهة الآخر. لماذا هي السدرة بالتحديد التي كانت رمزًا على هذا التعبير؟ أراد اللويهي في رمزية السدرة ثبات الهوية والذاكرة والوقوف على معانيها المستمرة؛ إذ إن تعبير «غرق المدينة» بعد لفظة السدرة تعبير شامل ومنفتح على دلالات الهوية والذات والآخر، نقرأ النص كما في المجموعة:
لن أكون سدرةَ السيلْ
السدرةُ التي اقتلعها السيلُ في طريقه
السدرةُ التي احتجزتِ
السيلَ وراءها
عند المضيقْ
السدرةُ التي
انكسرتْ
فأغرق السيلُ
المدينة. (ص11)
ويأخذ خالد البلوشي في قصيدته (حتى سدرة المنتهى) في مجموعته (سماوات دامسة 2013م) رمزية البُعد في تأويله الشعري؛ إذ يُحيل في مقطوعته القصيرة على لفظ (سدرة المنتهى) متقاطعًا فيها مع الموروث الديني في القرآن الكريم. وتأخذ السدرة هنا رمزية البُعد، إذ يتخطى الشمس إلى ارتباط أكبر في سماوات أبعد، كما هو الحال في سدرة المنتهى في السماء السابعة إذ ذكرها القرآن.
هنا تتقاطع المسافات بين السماء والأرض، وبين الحلم والقبر، وبين الاتساع والضيق، وهو تعبير قائم على المسافات البعيدة التي يعبّر عنها الشاعر في صورة شعرية قائمة.
رَافَقْتُ الشَّمْسَ
حَتَّى سِدْرَةِ المُنْتَهى
حيثُ شَمَمْتُ رَائِحَةَ
إلهٍ
كنْتُ أَتَأَبَّطُه تارةً
وأضمه إلى جفوني تارةً
رائحةً لقطتها
وجَرَرْتها نحو قَبْرِي
لأتوسدها وأحلم
بسماءٍ أُخْرَى
تعيرني إِحدَى عَيْنَيها
فأرى من قَبْرِي ما تَرى! (ص43)
أما طلال الزعابي، ففي قصيدته (بين عهدين) ضمن مجموعته (سدرة المعنى 2023م)، فإنه يتخذ من رمزية السدرة بابًا ينفتح على تأويل الكلمة، فالسدرة بأغصانها رمزٌ ينفتح على عهدين عاشتهما عُمان: عهدٍ ماضٍ وعهدٍ قادمٍ، ومعهما امتدّت أغصان السدرة راسمة صورة عُمان النهضة والإنسان الحديث.
ترد رمزية السدرة هنا كونها شجرة وارفة الظلال، تمدُّ أغصانها بالأمن والأمان، ويمكن أن نقطف من أغصانها الخضراء ما يتناسب مع الوصف لهذه الأرض التي كانت في تاريخها واحة السلم والأمان.
أتيت أحمل حرفي
بين كفينِ
أدنو من الشعر أدنو
قاب قوسينِ
قطفت من سدرة المعنى مخيلتي
فلا تمارونني. أبصرتُ عهدينِ
عهد الوفاء الذي ما زال
مرتسمًا
من أول الوصل
حتى آخرِ البَينِ
وعهد مُستقبل
تبدو ملامحه
مخضرة الطلع
تَسْبِي مُقلَةَ العَينِ
ما بين قلبين
هذا الحب نقّلني
وأصل كل الهوى
ما بين قلبين
لا تسألوا الشعر
ماذا في مخيلتي
رويُّ شعري مقصور
على اثنين
قابوس نبع الوفا
يسري بأنفسنا
وهيثم العز.
أكرم بالمثيلينِ
آمنت بالوطن الجاري
بأوردتي
إني أراه هنا....
ما بين ضلعين. (ص113)
يأخذ التركيب اللفظي لكلمة (سدرة) عند الشعراء الثلاثة تركيبًا إضافيًّا، تعبيرًا على أنها لفظة تستمدُّ من إضافتها هذه معانيَ تأويليةً في الاستخدام الشعري ليكون أكثر شمولية في تقاطعاتها الدلالية.
إذ تنفتح السدرة على الخيال والمعاني والمسافات والارتباط الوثيق بالشيء، وهو ما تحيل عليه نصوص الشعراء ودلالاتهم التعبيرية للفظة.