واشنطن "د. ب. أ": يرى المحلل السياسي جيت جيمس برويت أن الكثيرين سوف يتفقون على أن إدارة ترامب قد أحدثت بشكل كبير تغييرا في التوجه والتكتيكات والأهداف على المدى الطويل للسياسة الخارجية الأمريكية على مدار الأشهر الستة الماضية، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالحلفاء منذ أمد بعيد والمنظمات متعددة الأطراف ، وكان الأكثر تضررا هو حلف شمال الأطلسي(ناتو) والاتحاد الأوروبي.
وقال جيمس برويت ، وهو صحفي سياسي ومؤلف كتابين حققا أعلى المبيعات. ومؤسس ورئيس تحرير موقع TheGenZPost.com الإخباري السياسي الدولي، إن بعض حلفاء الولايات المتحدة تعلموا بسرعة منذ أمد بعيد الاستفادة من الإدارة المتقلبة.
وفي التاسع من شهر أبريل الماضي ،طرح وزير الدفاع التركي يشار جولر الحجة والأسباب من أجل إقامة تعاون أكبر بين بلاده والاتحاد الأوروبي قبل شهور من قمة الناتو لعام 2026 المقرر عقدها في أنقرة.
وأضاف جيمس برويت ، وهو مستشار متخصص في السياسة الأوروبية في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، أنه بينما تركيا عضوة في الناتو منذعام 1952، فإن استبعادها من الحصول على العضوية في الاتحاد الأوروبي قد تسبب في فجوة استراتيجية، لأنه لم يتم تطبيق الإصلاحات الفنية (مثل مشروع شنجن العسكري)التي تم تنفيذها في أوروبا، على تركيا. وزعم جولر أن الهيكل العسكري الراهن غير كاف لتلبية الاحتياجات الدفاعية لكل من تركيا وأوروبا التي نشأت جراء الحرب الأوكرانية المستمرة ، والتداعيات الاقتصادية لحرب إيران وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب بلاده من حلف الناتو.
وأكد جولر بشدة على "أن تركيا لم تعد دولة هامشية عند الأطراف الجنوبية الشرقية للناتو، بل إنها حليف رئيسي قادر على نشر الأمن في جميع أرجاء المسرح الأوروبي بأكمله". وبينما كانت وسائل الإعلام الدولية تركز في المقام الأول على التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا الناجمة عن الحرب الإيرانية ، فإنه لا يتعين إغفال تصريحات جولر. وبلا شك فيه أن تراجع القوة الناعمة الأمريكية في أوروبا سوف يعيد تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية على نحو يصب في مصلحة أنقرة. ويتمثل عامل رئيسي يعد القوة الدافعة وراء ظهور تركيا كجهة فاعلة مهمة بالنسبة لكل من الاتحاد الأوروبي والناتو ، في انتهاجها سياسة "صفر مشاكل مع جيرانها"، وإعلانها عن الرغبة في العمل كقوة استقرار مع شركاء في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. و تنخرط أنقرة اليوم في جهود وساطة بين الولايات المتحدة وإيران وتنقل رسائل بين الدولتين.
وتجرى أنقرة مشاورات أيضا مع دول مصر وباكستان والسعودية للتخفيف من التأثيرات الإقليمية للحرب ومن المحتمل الانضمام إلى حلف دفاعي إقليمي. وعلى مدار السنوات الأربع الماضية ، قامت تركيا أيضا بدور الوسيط بين كييف وموسكو وسط الحرب الأوكرانية وكانت تقدم أسلحة ونظم دفاعية ومساعدات إنسانية إلى أوكرانيا، بينما تحافظ على علاقات دبلوماسية واقتصادية مع روسيا.
ولا يعد دور تركيا كعامل توازن إشارة إلى تناقض داخلي ولكن يعتبر سياسة خارجية محسوبة تسمح لأنقرة بالسعي لتحقيق مصالحها الوطنية ، بعيدا عن أي تكتل جيوسياسي أو قضية أيديولوجية.
وتسمح هذه المرونة الاستراتيجية لتركيا بالعمل في نظام جيوسياسي غامض بينما تكسب مصداقية ورصيد دبلوماسي لدى مجموعة متنوعة من الدول. وفي بروكسل ، اكتسبت تركيا مصداقية من خلال تعزيز التعاون الدفاعي مع أوكرانيا والتوافق مع أولويات التكتل بشأن إدارة الهجرة وعمليات مكافحة الإرهاب.
ودعا بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى انخراط أكثر عمقا ، واقترحوا أنه يتعين على بروكسل وأنقرة إنشاء منصة مهيكلة لحماية البنية التحتية وتسوية النزاعات في جنوب القوقاز والارتقاء بمستوى المشاركة في المعلومات الاستخباراتية في البحر الأسود لمراقبة العمليات البحرية الروسية في المنطقة. وعلى أساس فردي ، تتطلع الدول الأوروبية إلى تركيا بوصفها شريكا أمنيا موثوقا ، مع بيع المملكة المتحدة 20طائرة يورو فايتر للبلاد في شهر أكتوبر عام 2025 .ورحب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بهذه الصفقة بوصفها "مكسبا للعمال البريطانيين ومكسبا لصناعتنا الدفاعية ومكسبا لأمن الناتو".
وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخرا الأهمية الاستراتيجية لتركيا في عمليات جوية وبرية وبحرية بقيادة الناتو ، حيث صرح في مقابلة حديثة مع وكالة الأنباء الأوكرانية أنه "بدون أوكرانيا وتركيا ، لا يمكن أن تكون أوروبا ندا لروسيا". ويتمثل عنصر رئيسي في صعود تركيا على الصعيد الجيوسياسي في استثمارها الضخم في إنتاج الطائرات المسيرة،حيث صدرت شركة بايكار ،(وهى شركة دفاعية خاصة لها صلات وثيقة بالحكومة ) طائرات مسيرة بقيمة 8ر1مليار دولار في عام 2024فقط. وتم نشر النموذج الأولي الرائد للشركة بايراكتار تي بي 2 في أكثر من 30 دولة ويستخدمها مقاتلون في السودان وإثيوبيا وأوكرانيا وليبيا وجيب ناجورنو كاراباخ (أذربيجان).
وبينما ربما يبدو أنه ليس لهذا صلة بقضايا الأمن الأوروبية من الناحية الظاهرية ، اكتسب المنتجون الأتراك للطائرات المسيرة تفوقا تنافسيا على نظرائهم الأمريكيين. وتتميز الطائرة المسيرة بايراكتار تي بي 2 بأنها أرخص كثيرا من الطائرات الأمريكية الصنع بما في ذلك إم كيو - 9ريبر وأثبتت أنها أداة فعالة في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، والهجمات الدقيقة ومهام الاستطلاع في مختلف المجالات.
وتابع جيمس برويت أنه مع إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فون دي لاين مؤخرا تأييدها لإنشاء حائط أوروبي من الطائرات المسيرة يمتد من شمال فنلندا إلى جنوب بلغاريا ، فإن من المرجح أن يتطلع المقاولون الدفاعيون الأوروبيون إلى قطاع التصنيع التركي المنتج والناشئ كمصدر جديد للطائرات المسيرة. وسوف يوضح الزمن فقط الكيفية التي سوف تؤثر بها الصراعات المستمرة وتراجع شعبية الولايات المتحدة في أوروبا على الوضع الجيوسياسي لتركيا.
غير أن الناتو والاتحاد الأوروبي ينظران الآن إلى تركيا على أنها عنصر لا يمكن الاستغناء عنه في الأمن القاري وليس مجرد شريك هامشي.
واختتم جيمس برويت تقريره بالقول إنه لهذا السبب ، ربما تتطلع بروكسل ولندن وباريس وبرلين على نحو متزايد إلى أنقرة للمساعدة في إعادة هيكلة المنظومة العسكرية للقارة حال انسحاب واشنطن من حلف الناتو أو تقليصه قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة في شهر نوفمبر عام 2028.