أقيمت مساء أمس في النادي الثقافي الجلسة الثانية ضمن مشروع "عين الطائر على القصة القصيرة العمانية"، بمشاركة القاص الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي والقاص يحيى بن سلام المنذري، والقاص الدكتور يونس الأخزمي، فيما أدارت الجلسة الدكتورة منى حبراس، في مواصلة للمشروع نحو الاشتغال على قراءة المنجز القصصي العماني عبر استحضار النصوص في فضائها الحي من خلال قراءات سردية يقدمها كتابها المعاصرون، إضافة لتعليق نقدي يحاول مقاربة التجربة من داخلها، إضافة إلى النقاشات التي تستكشف طرائق الكتابة وتحولاتها ضمن مسار يسعى إلى تتبع ملامح القصة القصيرة في سلطنة عمان، والاقتراب من بنياتها الفنية وأسئلتها المتجددة


وبدأت انطلقت الجلسة بقراءة قصصية قدمها الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي قدم بداية نص "النقطة" توقفت بعده الدكتورة منى حبراس مديرة الجلسة عند البنية الرمزية التي ينطلق منها النص مشيرة إلى أن القصة تبدأ من فكرة بسيطة في ظاهرها قبل أن تنفتح تدريجيا على أفق أوسع، حيث تتحول "النقطة" من علامة كتابية هامشية إلى مركز فاعل يستحوذ على المعنى والسلطة، وهو ما يخلق مسارا تصاعديا يتتبع تشكل هذا الكيان من لحظة التكوين إلى لحظة الهيمنة، وأن هذا التحول لا يظل عند حد الإيحاء اللغوي لكنه يتجاوز ذلك ليطرح تمثلات متعددة تتصل بأصل المعنى وبنية الوجود، فتتكثف الدلالة في خطاب "النقطة" التي تعلن مركزيتها كبداية لكل شيء، وهو ما يفتح باب القراءة على مستويات لغوية وفلسفية واجتماعية، قبل أن ينقلب هذا التمركز إلى نزعة استحواذية تفرض نفسها على المحيط، لافتة إلى أن القصة تبني عالمها عبر تداخل عناصر الطبيعة مع الإنسان ضمن فضاء سردي متخيل، تتوالى فيه الأحداث بوصفها مراحل متتابعة لتضخم هذه السلطة، من لحظة الوعي إلى إعلان التفوق ثم فرض الإرادة، وصولا إلى لحظة الانهيار، وهو ما يمنح النص تماسكا داخليا يقوم على هذا التدرج، كما توقفت "منى حبراس"عند لحظة استجابة الشخصيات لخطاب "النقطة"، حيث يبدأ التحول الفعلي داخل النص عبر تفكيك عناصر الطبيعة تباعا، في مسار يقود إلى اختلال التوازن وانكشاف هشاشة هذا البناء، معتبرة أن ما يطرحه النص يتجاوز الحكاية إلى مساءلة أعمق تتصل بعلاقة الإنسان بالسلطة وبالطبيعة، وبالنتائج التي تترتب على الخضوع لخطاب يختزل العالم في رؤية أحادية، لتخلص إلى أن النص يشتغل على تحذير ضمني من هذا المسار، مع إبقاء الدلالة مفتوحة على تأويلات تتجاوز حدود القراءة الواحدة.


ثم انتقلت الجلسة إلى القاص يحيى بن سلام المنذري الذي قدّم قراءتين قصصيتين بعنوان "بعيدا عن شاطئ الإسكندرية" و"رسالة من تلك البلاد"، وأعقبت الدكتورة منى حبراس القراءتين برؤية نقدية توقفت عند التحول المكاني في القصة الأولى، مشيرة إلى أن الانتقال من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق لا يأتي بوصفه تغييرا في المكان فحسب، بل يحمل دلالة تتصل بطبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم الذي يتحرك داخله، حيث يتحول السوق إلى مساحة مشحونة بالتوتر، تتكرر فيها أفعال القتل ضمن إيقاع يومي اعتيادي، مع حضور شخصية البائع التي تتحرك داخل هذا الفضاء ببرود واضح، تمارس الفعل ذاته دون انشغال بما يحيط به من أسئلة، وهو ما يتقاطع مع مركزية السؤال الذي يطرحه السارد حول عدم الهروب رغم انفتاح الأقفاص، وهو سؤال رأت أنه يمثل محور النص، إذ يتجاوز الحدث المباشر إلى ما يختزنه من دلالات تتصل بالخضوع والاستسلام، كما لفتت إلى أن تكرار هذا السؤال داخل السرد يعكس حالة من التورط، حيث يظل السارد داخل المشهد دون قدرة على تغييره، مكتفيا بإعادة طرحه في محاولة لفهم ما يحدث.


كما أشارت الدكتورة منى حبراس في انتقالها إلى القصة الثانية إلى أن النص يقوم على مفارقة إنسانية واضحة تتشكل من التباين بين لحظة الحنين التي تحملها الرسالة وما تنطوي عليه من استعادة لعالم بعيد، وبين انقطاع هذه اللحظة بشكل مفاجئ عبر فعل خارجي يبدد هذا الامتداد، مؤكدة أن حضور العامل الآسيوي في تجربة يحيى المنذري يتكرر في أكثر من نص، ضمن اهتمام واضح بتفاصيل حياته اليومية وما يرافقها من مشاعر تتصل بالغربة والانتظار، كما توقفت عند صورة الدمع التي تنتهي إليها القصة، حيث لا تترك أثرا يذكر، في إشارة تفتح القراءة على معنى أوسع يتصل بغياب الأثر في عالم لا يلتفت إلى هذه التفاصيل، وهو ما يمنح النص بعده الإنساني ويجعله متماسكا في بنائه رغم اقتصاده اللغوي، مع احتفاظه بقدرته على إنتاج دلالات متعددة تتجاوز لحظة الحكاية نفسها.


بعد ذلك قدم القاص الدكتور يونس الأخزمي نصين بعنوان "حالة تربص" ونص آخر من مجموعته "حمى أيار"، وتوقفت الدكتورة منى حبراس فيه عند طبيعة الحالة التي يطرحها النص، مشيرة إلى أن العنوان منذ البداية يضع القارئ داخل جو مشحون بالقلق، يتصاعد مع تقدم السرد دون أن يخرج من فضاء واحد، حيث تبقى الشخصية داخل الغرفة في مواجهة خوف لا يتراجع، وأوضحت أن هذا الانغلاق المكاني يعمّق الإحساس بالملاحقة، إذ لا يترك مجالا للابتعاد عن مصدر التهديد، وهو ما يمنح النص توترا متصاعدا يقوم على تكرار الإحساس ذاته في أكثر من صورة، كما لفتت إلى أن السارد يتحرك داخل هذه الحالة من موقع لا يملك فيه تفسيرا كاملا لما يحدث، فيكتفي بترديد السؤال ومحاولة الإمساك بشيء يتشكل في داخله، وهو ما يعكس حضور تجربة سابقة أو أثر ممتد يتجدد داخل النص، في حين تظهر شخصية الأم بوصفها جزءا من هذا السياق، تتعامل مع الحالة باعتبارها معروفة لديها، دون حاجة إلى تفسير مباشر، ما يعزز الإحساس بأن ما يحدث يتجاوز لحظة السرد إلى ما يسبقها.


كما توقفت عند البناء اللغوي للنص مشيرة إلى أن التكرار يلعب دورا في تكثيف الإحساس بالخوف مع اعتماد جمل قصيرة تتتابع بإيقاع سريع يعكس تسارع الحالة الداخلية، وهو ما يجعل القارئ قريبا من التجربة يتابعها من الداخل لحظة بلحظة، مؤكدة أن تماسك عناصر السرد بين الشخصية واللغة والمكان يمنح النص قدرة على نقل هذا التوتر بشكل مباشر، بحيث يتحول إلى تجربة شعورية متكاملة يعيشها المتلقي أثناء القراءة.


تردد الكتابة
بعد ذلك بدأت الدكتورة منى حبراس الجلسة الحوارية متوقفة عند القاص الدكتور محمد بن علي البلوشي حول توقفه عند إصدار مجموعة قصصية واحدة، وهو السؤال الذي أشار إلى أنه طُرح عليه أكثر من مرة دون أن يجد له إجابة واضحة، موضحا أنه كتب نصوصا بعد مجموعته الأولى وفي مراحل مختلفة منها ما كُتب أثناء دراسته، ومنها ما تفرق ولم يعد يعرف أين ذهب، خاصة ما كتبه في بريطانيا، وأضاف أنه لم يكن مخلصا للقصة القصيرة مع بقائه قريبا منها عبر القراءة والتفاعل معها، مشيرا إلى أنه كان يميل إلى إبقاء النص في حالة مراجعة وتأجيل في محاولة للوصول إلى مستوى عال من الإتقان، إلى جانب انخراطه في العمل الأكاديمي الذي استهلك جزءا كبيرا من وقته، مختتما حديثه بالإشارة إلى أنه لا يملك إجابة حاسمة لهذا التوقف.


وإجابة على سؤال طرحته مديرة الجلسة حول التحولات التي شهدتها القصة القصيرة في مرحلة التسعينيات، وانتقالها من الكتابة الواقعية إلى أشكال أكثر ميلا إلى التجريب والاشتغال على اللغة، وما إذا كان يمكن النظر إلى تلك المرحلة بوصفها سمة جامعة لعدد من الأسماء، أوضح "البلوشي" أن هذه التحولات لم تكن متأخرة عمّا كان يحدث في السياق العربي، مشيرا إلى أن التجربة في سلطنة عمان شهدت انتقالا سريعا دون المرور بمراحل تدريجية طويلة، حيث ظهرت أنماط جديدة من الكتابة تجاوزت الشكل الواقعي الذي كان سائدا في البدايات، والذي انشغل بقضايا اجتماعية ووطنية معروفة، كما استعاد جانبا من تجربته الشخصية، موضحا أنه كتب في هذا الاتجاه في بداياته قبل أن يلمس بنفسه هذا التحول مع نصوص لاحقة، رغم محدودية قراءاته آنذاك، مؤكدا في ختام حديثه أن ملامح الكتابة الجديدة بدأت تتشكل في أواخر الثمانينيات، لتفتح المجال أمام تطور مختلف في بنية القصة القصيرة.


وعن دور أستاذ الجامعة في دعم القصة القصيرة، على ضوء ما أثير عن تأثير هذا الدور في التسعينيات في دفع أسماء جديدة إلى المشهد، تساءلت منى حبراس عما إذا كان هذا الحضور ما يزال قائما اليوم، فأشار "البلوشي" إلى أن هذا الدور لم يعد بذات الفاعلية، معتبرا أن انكفاء الأستاذ الجامعي على تخصصه الدقيق أضعف من تواصله مع ما يصدر في الحقل الثقافي، وأضاف أنه كان يتمنى حضورا أوسع من قبل الأكاديميين في متابعة النصوص والكتابة عنها، رغم كثافة الإصدارات وصعوبة الإحاطة بها، مؤكدا أن طبيعة العمل الأكاديمي تقتضي تفاعلا أكبر مع السياق الثقافي المحيط، وهو ما لا يتحقق بالقدر الذي كان عليه في مراحل سابقة، ليخلص إلى أن ما أُشير إليه من حيوية في ذلك الدور لم يعد واضحا اليوم، مع دعوة ضمنية إلى استعادة هذا الحضور بشكل أكثر عمقا.


وحول طبيعة القلق التأويلي في نصوص "البلوشي"، وما إذا كان يتعمد وضع القارئ في حالة من عدم اليقين عبر الصور المتتابعة والتحولات المفاجئة داخل السرد، فأوضح أن هذا الاشتغال يرتبط بسمات القصة الحديثة، خاصة ما يتصل بالرمزية وفتح المجال أمام التأويل، مشيرا إلى أن هذا النوع من الكتابة يقوم على تفكيك البنية التقليدية للنص، عبر كسر المسار المتوقع والابتعاد عن الشكل المألوف، وأضاف أنه كان حريصا على منح القارئ مساحة واسعة للتأويل، مع اعتماد النهايات المفتوحة التي تتيح استمرار النص في ذهن المتلقي، إلى جانب اشتغاله على شعرنة الحدث داخل القصة، واستخدام عناصر تحمل دلالات تتجاوز معناها المباشر، مؤكدا أن هذه الخيارات جاءت ضمن توجه يقوم على التجريب، وهو ما يظهر في مجموعته "مريم" التي انشغلت بهذا المسار، حيث تتقاطع النصوص في روابط غير ظاهرة، مع اختلاف في أساليب البناء، بما يفتح المجال أمام قراءات متعددة يمكن أن تتغير من قراءة إلى أخرى، في سياق يسعى إلى زحزحة اليقين داخل النص وإبقاء معناه مفتوحا.


إيقاع التجربة
وفي انتقالها إلى القاص يحيى بن سلام المنذري طرحت مديرة الجلسة سؤالا حول ما الذي بقي راسخا في تجربته القصصية الممتدة منذ "نافذتان لذلك البحر" حتى "وقت قصير للهلع"، وما الذي تغير خلالها، في إشارة إلى استمراره على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فأجاب "المنذري" أن قراءته لتجربته تنطلق من حرصه على التأني في إصدار مجموعاته، مع ترك مسافة زمنية تتيح له تطوير أدواته، مؤكدا أنه يسعى في كل مجموعة إلى تقديم تجربة مختلفة عن سابقتها، من حيث الفكرة والمعالجة مع اهتمام واضح بالتجريب والبحث عن مسارات غير مألوفة داخل النص، وأضاف أن ارتباطه بالقصة القصيرة جاء من محبة هذا الفن، وهو ما جعله يستمر فيه دون أن يتجه إلى جنس أدبي آخر، رغم تكرار التساؤلات حول عدم انتقاله إلى كتابة الرواية، موضحا أن لكل جنس أدبي خصوصيته، وأن القصة القصيرة تظل مجالا قائما بذاته، يتيح له الاشتغال على ما يريده ضمن هذا الإطار.


وحول مسألة التجريب في كتابته القصصية أوضح "المنذري" أنه لا ينطلق من التفكير في قارئ محدد أثناء الكتابة، ولا يسعى إلى استهداف شريحة بعينها، مشيرا إلى أن الكتابة تبدأ لديه من دافع داخلي يرتبط بما تمنحه له من إحساس، إلى جانب رغبته في تقديم إضافة جديدة داخل النص، وأضاف أنه يتعامل مع أعماله بوصفها مغامرات متواصلة بدأها منذ مجموعته الأولى "نافذتان لذلك البحر"، حيث يقوم التجريب لديه على طرح ما هو مختلف وغير مألوف، مؤكدا أن وضع قارئ معين في الذهن قد يدفع الكاتب إلى الانسياق نحو أساليب سائدة، وهو ما يتجنبه في تجربته.


أما عن طبيعة حضور الهويات المختلفة في نصوصه في ظل تقاطع لغات وثقافات متعددة داخل أعماله دون أن يتجه إلى خطاب مباشر عن الاختلاف، والذي أشارت له مديرة الجلسة مستشهدة بنماذج من شخصياته التي تتحرك في فضاءات متباينة وعن علاقة السرد بهذا الاشتغال الذي يبتعد عن التنميط والتفسيرات الجاهزة، أوضح "المنذري" أن هذا الحضور يرتبط أساسا بتجربة الكاتب في الحياة واحتكاكه اليومي بالبيئات التي يعيش فيها أو يمر بها، مشيرا إلى أن ما يلتقطه من مشاهد وأشخاص يتحول مع الوقت إلى مادة للسرد، حيث تتشكل القصة من تفاصيل قد تبدو عابرة في لحظتها، لكنها تترك أثرا يدفعه إلى إعادة صياغتها داخل النص، وأضاف أن السفر والدراسة والتقارب مع ثقافات مختلفة كلها عناصر تدخل في بناء هذه التجربة، بحيث تصبح الشخصيات والفضاءات جزءا طبيعيا من الكتابة دون الحاجة إلى تقديمها ضمن إطار مباشر أو تفسير مسبق، وهو ما يجعل حضورها في النص أقرب إلى الامتداد اليومي للحياة.


حنين المكان
أما الدكتور يونس الأخزمي فأجاب بداية على سؤال حول موقع جيله ضمن تطور القصة القصيرة في سلطنة عمان قائلا: إن تطور الكتابة القصصية يأتي ضمن سياق طبيعي يرتبط بتغير الأجيال وتبدل أدواتها، مشيرا إلى أن البدايات في الثمانينيات كانت تميل إلى الطرح المباشر والاشتغال على قضايا اجتماعية واضحة قبل أن تتجه التجربة لاحقا إلى مسارات مختلفة مع انفتاح الكتّاب على تجارب عربية متنوعة خاصة من المغرب والبحرين وغيرها، وهو ما أسهم في تطوير اللغة وتوسيع أفق الكتابة، وأن الأجيال اللاحقة واصلت هذا المسار مع قدر أكبر من الاشتغال على اللغة وتجاوز بعض النزعات التي كانت حاضرة في البدايات، مؤكدا أن هذا التدرج يمثل طبيعة تطور أي تجربة أدبية، لافتا في الوقت ذاته إلى أن حضور النقد في مراحل سابقة كان أكثر تأثيرا، وكان يسهم في توجيه الكاتب ومساعدته على مراجعة مساراته مقارنة بما يراه اليوم من تراجع في هذا الدور.


وفي رده على سؤال طرحته الدكتورة منى حبراس حول قوة الحضور النقدي في التسعينيات، والعوامل التي أسهمت في خدمة القصة القصيرة في تلك المرحلة، وما إذا كان ذلك يرتبط بمنابر النشر أو بمناخات الجامعة أو بطبيعة المرحلة نفسها، أوضح "الأخزمي" أن المشهد آنذاك كان مختلفا من حيث عدد الكتّاب وحجم التفاعل، مشيرا إلى أن قلة العدد كانت تتيح متابعة أدق للنصوص، إلى جانب حضور واضح للنقد في الصحف والملاحق الثقافية، حيث كانت النصوص المنشورة تعقبها قراءات نقدية خلال فترة قصيرة، وهو ما كان يخلق حوارا مستمرا حول الكتابة، وأضاف أن تلك المرحلة شهدت مشاركة أسماء نقدية معروفة من داخل سلطنة عمان وخارجها، إلى جانب وجود جلسات نقاش مباشرة بين الكتّاب أنفسهم، ما أتاح مساحة لتبادل الآراء ومراجعة التجارب، مؤكدا أن هذا المناخ ساعد على الانتباه إلى جوانب في الكتابة، سواء في اللغة أو في طرائق البناء، من خلال نقاشات اتسمت بالوضوح والصراحة، وهو ما منح التجربة آنذاك قدرا من الحيوية في المتابعة والتقويم.


وعن حضور الصمت في تجربته القصصية قال الأخزمي: إن اشتغاله يتجه أكثر إلى الصوت، مشيرا إلى أن تجربته في هذا الجانب ظهرت بوضوح في عمله "الصوت" الذي اعتمد فيه على بناء يقوم على تنويع الإيقاع، وأضاف أن انتقالاته بين مجالات وتجارب مختلفة في حياته تركت أثرا في كتابته، حيث يتقاطع ما يعيشه مع ما يكتبه، لافتا إلى أن بعض النصوص جاءت من لحظات شخصية ارتبطت بحالة معينة، كما حدث في نص "يوم صمت في مطرح" الذي كتبه في لحظة معيشة بعيدة عن المكان، مؤكدا أن هذه التجارب تتشكل من تداخل الحياة اليومية مع الإحساس الداخلي الذي يتحول إلى كتابة.


وأضاف الأخزمي حول ما أشارت له مديرة الجلسة إلى مسألة الاغتراب المكاني وحضور المدن في الكتابة: أن هذا الشعور لا يرتبط لديه بالإقصاء أو الانفصال، بل يأتي في سياق تجربة حياة تتنقل بين الدراسة والعمل، مع بقاء الصلة بالمكان الأول حاضرة، مشيرا إلى أن الحنين يظل قائما رغم هذا التنقل، حيث يستعيد علاقته بالأماكن التي عاش فيها من خلال زيارات متكررة، مستحضرا تفاصيلها في ذاكرته، وهو ما ينعكس في كتابة ممتدة من هذه العلاقة التي لا تنقطع.


مداخلات ونقاشات
وفي ختام الجلسة استعادة المداخلات سياق التحولات التي شهدتها القصة القصيرة في سلطنة عمان حيث انشغلت بطبيعة التأثيرات الثقافية التي أسهمت في تشكل جيل التسعينيات، وعلاقته بما سبقه من تجارب، مع الإشارة إلى تقارب المؤثرات العربية التي انعكست على مسارات الكتابة، كما حضرت ملاحظات تتصل بتغير دور النقد، في ظل انتقاله من صورته التقليدية المرتبطة بالملاحق الثقافية والدوريات إلى أشكال متعددة، الأمر الذي غيّر من طبيعة التفاعل مع النصوص، مقابل استحضار فترة سابقة كان فيها النقد أكثر حضورا وتأثيرا في توجيه التجربة ومتابعتها، وفي سياق متصل، طُرحت قراءات ربطت تحولات السرد بالاتجاه نحو أشكال جديدة من الكتابة، تتجه إلى تفكيك البنية التقليدية والانشغال بالذات والبحث عن أفق مختلف، إلى جانب مداخلات توقفت عند بعض الرموز والدلالات داخل النصوص المقروءة، في محاولة لإعادة قراءتها من زوايا متعددة، كما برزت تساؤلات حول انتقال القصة العمانية من الموضوعات المحلية إلى أفق أوسع يتصل بالقضايا الإنسانية، في ظل تزايد حضور هذه الثيمات داخل التجارب الحديثة، قبل أن تعود الجلسة إلى استئناف الجولة الأخيرة من القراءات.


جولة أخيرة
تجدر الإشارة إلى أن الجلسة اختتمت بجولة أخيرة شهدت قراءات قصصية أعادت توجيه النقاش نحو بنية النص نفسه، حيث افتتحها الدكتور يونس الأخزمي بنص جديد رأت فيه مديرة الجلسة أنه عودة واضحة إلى الاشتغال على القصة القصيرة، قبل أن تفتح معه سؤالاً حول استئناف هذا المسار بعد انقطاع، وما يكشفه ذلك من تحولات في تجربته بين الأجناس السردية.


وتواصلت القراءات مع القاص يحيى بن سلام المنذري الذي قدّم نص "الابتسامة الصينية" من مجموعته "حليب التفاح"، أشارت فيه "مديرة الجلسة" إلى أن التعايش في النص يتشكل من الاعتياد اليومي لا من الفهم، حيث يتكون القبول عبر التكرار والتجربة، في انعكاس هادئ لطبيعة العلاقة مع الآخر، واختُتمت الجولة بقراءة للأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي قدّم خلالها نصين قصيرين توقفت الدكتورة منى حبراس عند هذا الإيقاع الذي يعيد تشكيل علاقة المتلقي بالنص عبر الصوت والنبرة.