يطرح مقال السفير الأمريكي السابق في مسقط مارك سيفرز وويليام ويكسر مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في المجلس الأطلسي عن الدبلوماسية العُمانية والمنشور في دورية «The Jerusalem Strategic Tribune» حكما متعجلا عن سلطنة عمان. واللافت في هذا الحكم أنه يصدر بنبرة واثقة أكثر مما تسمح به مقدماته. فالمقال يبدأ بتقدير تاريخي لدور عُمان في الوساطة داخل الإقليم ثم ينتهي إلى إدانة سياسية واسعة، كأن الفارق بين النجاح والفشل في الدبلوماسية العُمانية يقاس بدرجة رضا واشنطن عنها في لحظة حرب. وفي الطريق إلى هذه الخلاصة يقع النص في تناقضات منهجية عديدة. ففي الوقت الذي يطالب عُمان بالحياد نجده يعاتبها لأنها لم تتبنّ القراءة الأمريكية والإسرائيلية للحرب. ويمدح وساطتها حين تخدم حاجة أمريكا إلى قناة تواصل مع إيران ثم يضيق بالقناة نفسها حين تستخدمها عُمان للدفاع عن إمكان التسوية. ويعامل الحرب كدليل على فشل الوسيط، متجاهلا أن قرار الحرب تتخذه الأطراف التي تملك السلاح والنية السياسية لا الدولة التي تحاول إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا.
وهذه القراءة، مهما كان وزن كاتبها، لا تمثل بالضرورة الرؤية الأمريكية كلها؛ فداخل واشنطن أكثر من مدرسة في فهم الشرق الأوسط. هناك من يرى في الحلفاء قيمة بمقدار انضباطهم داخل الاستراتيجية الأمريكية، وهناك من يعرف أن شبكة المصالح الأمريكية تحتاج أحيانا إلى شركاء يمتلكون استقلالا كافيا كي يتحدثوا مع الخصوم. كانت عُمان، لعقود، من النوع الثاني حيث حافظت على استقلالها ولم تكن نسخة صغيرة من أمريكا على شاطئ الخليج.
تكمن مشكلة المقال في أنه يقرأ دبلوماسية عُمان من زاوية المنفعة الآنية لواشنطن وهي زاوية ضيقة. ومن هذه الزاوية تبدو الوساطة ناجحة حين تفتح قناة تحتاج إليها الولايات المتحدة، ومريبة حين تستخدم القناة نفسها للدفاع عن التسوية ومنع اتساع الحرب. هنا يبدأ الخلل المنهجي في المقال.
وأول تناقض في المقال أنه يخلط بين فشل الوساطة وقرار أطراف الحرب الذهاب إليها. لا يملك الوسيط، أيا كان وزنه، حق الفيتو على الصواريخ. ولا يستطيع أن يلزم قوة عظمى أو قوة إقليمية بخيار التسوية السلمية عندما يختار بقناعته وإرادته خيار الحرب الشاملة. يستطيع الوسيط أن يقيم حوارا مع أطراف الحرب، وأن يشرح لها مخاطرها بعيدا عن أوهام القوة والنصر التي تسيطر على المتحاربين في لحظة احتدام المعارك، وأن يحاول تقريب وجهات النظر بينها. أما الحرب فتولد من حسابات مختلفة بعضها ناتج عن تصور موازين القوى، وضغوط الداخل وطموحات الردع.
وقامت عُمان بما يستطيع الوسيط الجاد أن يفعله، صنعت مساحة للحوار وخففت سوء التقدير وذكّرت الأطراف بأن الحرب ليست الطريق الوحيد.
ويقدم التاريخ أمثلة كافية على حدود الوساطة، حتى عندما تمارسها القوى الكبرى في العالم. الولايات المتحدة نفسها، بما تملكه من نفوذ عسكري ومالي وسياسي، دخلت في وساطات عديدة انتهت إلى الفشل أو إلى نتائج ناقصة. فقد رعت مسارات سلام في الشرق الأوسط ثم عجزت عن منع الحروب والانتفاضات. وفاوضت في فيتنام لسنوات طويلة، وخرجت الحرب من يد الدبلوماسية قبل أن تستعيد السياسة أنفاسها. حاولت بناء ترتيبات سياسية في أفغانستان بعد عقدين من القوة ثم انهار البناء بسرعة غير متوقعة. وسعت، بقدراتها الهائلة، إلى إدارة صراعات لا تنتهي في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وبقيت النتائج أقل كثيرا من حجم القوة المبذولة.
كانت الدبلوماسية العمانية تحاول على الدوام منع انهيار السياسة، وهذا أمر مختلف عن منع الحرب بقرار أحادي. قدمت إيران في المفاوضات التي سبقت التصعيد وفق ما ظهر من مسارات التفاوض ومواقف الوسطاء، إشارات واستعدادات لم يكن سهلا انتزاعها بعد بدء الحرب. وعندما اشتعلت المواجهة تراجع الهدف الأمريكي العملي من تسوية أوسع إلى مطلب بقاء مضيق هرمز مفتوحا وآمنا. وقد كان المضيق مفتوحا وآمنا قبل الحرب. وهذه مفارقة استراتيجية لا يجوز تجاوزها في فهم المشهد الكامل في هذه الحرب.
وهنا يضع المقال الوسيط في موضع غير عادل؛ فهو يسائله على نتيجة لم يكن يملك وحده منعها، ويتجاهل أن عُمان هيأت شروط التفاوض وفتحت الطريق أمام خيار سياسي كان يمكن أن يكون بديلا للحرب. وخلال المواجهة أبقت قنواتها مفتوحة مع واشنطن وطهران، من غير ادعاء بقدرتها على صناعة إرادة الطرفين، انطلاقا من إدراكها خطورة اللحظة التي تنقطع فيها الرسائل بينما تشتعل النيران.
يتسع التناقض في المقال حينما يطلب من عُمان حيادا شكليا ثم يطالبها ضمنيا بالانحياز إلى التفسير الأمريكي والإسرائيلي للحرب. يريد الكاتبان من عُمان أن تكون وسيطا صامتا وأن تقيس لغتها بحيث لا تزعج واشنطن وأن تقرأ إيران كما تقرأها إسرائيل، وأن تنظر إلى الحرب من المسافة نفسها التي تنظر منها عواصم بعيدة. ثم يقدمان ذلك بوصفه وساطة، فيما هو أقرب إلى مطالبة الوسيط بأن يصادق على الرواية الأقوى.
تقع عُمان في قلب الخطر؛ فهي دولة مجاورة لمنطقة الحرب بحكم الجغرافيا والممرات البحرية وحسابات الطاقة. وحين تكون الحرب قاب قوسين أو أدنى لا تستطيع قراءة عُمان لها أن تكون بمنطق الدولة البعيدة أو المحلل السياسي. من حق عُمان، بل من واجبها، أن ترى الحرب من زاوية الخطر على المنطقة وعليها وأن تقول ذلك للجميع بشكل واضح.
ثمة خلل آخر في المقال حين يختزل السياسة العُمانية في الصمت. هذه قراءة فقيرة لتاريخ طويل. صحيح أن الدبلوماسية العُمانية عرفت قيمة الهدوء، لكن الهدوء كان أداة لا عقيدة كاملة. في عهد السلطان قابوس، طيب الله ثراه، خدمت السرية أغراضا محددة من بينها حماية عُمان نفسها ومنح الخصوم فرصة للقاء دون أن يدفعوا ثمنا سياسيا مبكرا. تلك بيئة دبلوماسية فرضتها ظروف تلك المرحلة. أما البيئة الإقليمية التي ورثها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، فهي مختلفة تماما وأول اختلافاتها السياسة الأمريكية نفسها التي باتت تضع كل ملفاتها على وسائل التواصل الاجتماعي. في مثل هذه البيئة قد لا يعود الصمت كافيا لحماية الدبلوماسية، وقد تصبح الكلمة المحسوبة أداة لمنع السياسة من التلاشي.
ومن يعرف الدبلوماسية العمانية عن قرب ووعي يعرف أن جوهرها يكمن في الحفاظ على القنوات المفتوحة. وهذا الجوهر يصبح أكثر أهمية عندما تتبادل الأطراف لغة المحو، وعندما يعلو صوت من يتحدث عن إنهاء «حضارة» الآخر أو كسر إرادته نهائيا.
أما النقطة الأكثر حساسية فتتمثل في قراءة علاقة عُمان بإيران من منظور التودد. تتجاهل هذه القراءة الجغرافيا والمصلحة والاستقرار. إيران بالنسبة إلى عُمان جار على الضفة الأخرى من الخليج، وهي شريك بحكم الجغرافيا في أمن مضيق هرمز، وهي طرف لا يمكن شطبه من معادلة الخليج مهما بلغت درجة الخلاف معه. والدول لا تختار جيرانها لكنها تختار كيف تدير جوارها، واختارت عُمان منذ عقود أن تدير الجغرافيا بالحوار لا بالصدام أو الإنكار.
تبقى هناك مسألة شديدة العمق وهي أن قيمة أي وسيط لا يمكن أن تقاس بمقدار رضا واشنطن عنه وإلا لن يكون هذا الوسيط مستقلا. تحتاج الوساطة إلى رصيد من الثقة لدى الأطراف المتخاصمة وإلى مسافة كافية من الجميع، وقدرة على قول ما لا يريد أي طرف سماعه. وأتصور أن وزن عُمان كان في أنها تستطيع قول ذلك للجميع.
من حق واشنطن أن تختلف مع مسقط، ومن حق مسقط أن تمتلك قراءتها الخاصة للحرب؛ قراءة دولة تنظر إلى الخليج من ذاكرة المكان ومصالح الناس وخبرة العيش الطويل على حافة الممرات القلقة. فالشراكة بين الدول لا تكتمل حين تتطابق المواقف، وإنما حين يبقى الاختلاف ممكنا من غير أن يتحول إلى اتهام. لم تبنِ عُمان سياستها الخارجية كي تكون صدى لقوة كبرى، ولا كي تمنح الحرب لغة مريحة. بنتها كي تحمي لنفسها وللإقليم مساحة عقلانية في منطقة تختبر العالم كثيرا بجنونها.
على أن هذا لا يعني أن الدبلوماسية العُمانية فوق المراجعة. وعُمان تراجع دائما المتغيرات في سياستها أما الثوابت فهي باقية وتحافظ عليها حتى لو عرضها ذلك لبعض التحديات. وتعمل عمان على طمأنة شركائها دائما، وتقول لجيرانها إن علاقاتها مع طهران جزء من أمن الخليج، لا بديل عنه. وعلى أمريكا أن تعي أن التحذير من الحرب لم يكن عداء لها بل دفاع عن سياسة أكثر اتزانا.
إن أكثر ما ينقص الشرق الأوسط هو ذلك النوع من الدول القادرة على إبقاء نافذة صغيرة مفتوحة حين تضيق الغرفة بالدخان. وعُمان من الدول القليلة القادرة على أداء هذا الدور؛ ولا مصلحة لأحد في إغلاق النوافذ القليلة التي تتيح للسياسة أن تتنفس.
قد لا تنقذ الجسور المدن من الفيضان لكنها تحفظ للناس طريق العودة عندما تنحسر المياه. لذلك يبدو لوم عُمان لأنها لم تمنع الحرب فكرة خاطئة من أساسها خاصة عندما تأتي من دبلوماسي ومن محلل استراتيجي.
قدر عُمان أن تكون في هذا الموقع الجغرافي، وقدر عُمان أن تكون أحد أقدم الكيانات السياسية في المنطقة ما أكسبها فهما عميقا للسياسات والثقافات والطموحات التي تحيط بالمنطقة وأخطار الحرب فيها. وهذا القدر من الفهم والوعي بالمنطقة هو الذي صنع دبلوماسية عُمان وصنع استقلالها وحذرها. وحين تلتهم الحرب لغة السياسة، تبقى قيمة عُمان في أنها تعرف كيف تحفظ للكلام طريقا وسط النيران.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عُمان»