أشعلت دعابة أطلقَها الملك البريطاني تشارلز -في خطابه المتزامن مع احتفالات الولايات المتحدة الأمريكية بالذكرى الـ250 لاستقلالها عن التاج البريطاني- مواقع التواصل الاجتماعي لتتصدر نقاشات متصلة حول براعة الملك البريطاني في تضمين الرسائل المبطنة، وقراءة تاريخ البلدين: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فخلال حفل عشاء على شرفه ردّ تشارلز بذكاء ودبلوماسية على تصريح شهير سابق للرئيس ترامب كان قد قال فيه: «لولا الولايات المتحدة لكانت أوروبا تتحدث اللغة الألمانية اليوم» ليرد عليه الملك في خطابه مازحا: «إنني أتجرأ على القول بأنه لولا إنجلترا، لكنتم الآن تتحدثون الفرنسية».
ورغم أن أغلب النقاش دار حول قصدية التذكير بأفضال بريطانيا على أمريكا تاريخيًّا، لا سيما مع التوتر الحاصل في علاقات البلدين بعد الحرب الأمريكية الإيرانية، وموقف بريطانيا من الحرب، في غضب الرئيس الأمريكي من رئيس وزراء بريطانيا لعدم مشاركته (الواجبة من وجهة نظره) في حربهم على إيران، ورغم سخريته من الأسطول البحري البريطاني وعدم جدواه، فإن كل ذلك ليس موضوعًا لمقالة اليوم، الموضوع هو اللغة في ارتباطها بالسلطة والتفوق، حمولة اللغة السياسية والاجتماعية التي تصيرها مؤشرا تاريخيا للنصر أو الهزيمة؛ فالأسوأ (وفق التصريح الأول) هو التحدث بالألمانية بدلا عن اللغة الأم، والأفظع (وفق التصريح الثاني) هو الهزيمة متمثلة في التحدث بالفرنسية اعترافًا بتفوق المستعمر الفرنسي، والنصر المؤجج والإنقاذ التاريخي كان في استبقاء الإنجليزية لغة لأمريكا رغم أنها ليست إنجليزية بريطانيا التي تفخر بها، كما أشار الملك في نكتة ثانية استحضر فيها مقولة للكاتب البريطاني أوسكار وايلد «لدينا كل شيء مشترك مع أمريكا في هذه الأيام، باستثناء اللغة طبعا»! تاريخيا، لم تكن بريطانيا مستعمِرا معنيّا بتوثيق اللغة في مستعمراتها، ولا بالغزو الثقافي -على الأقل إذا ما قورنت بالمستعمر الفرنسي أو الألماني- لكنها تعي جيدا دهاء المستعمر في فرض السيطرة السياسية والاجتماعية عبر غزو ثقافي لا يقل أثرا عن الغزو العسكري بأي حال، بل قد يكون أخطر وأعمق؛ إذ تُعدّ اللغة أداة سلطة ورمز هيمنة ثقافية، وليست مجرد وسيلة تواصل، وإذا ما تناولنا هذه الدعابة البريطانية بعين التحليل ومنطق التأمل سنجد أنها تمثل وعيا عميقا كاملا لارتباط اللغة بالهوية والوطنية، وبسلب كل ذلك من قبل المستعمر المتفوق في كل شيء، كيف لا وهي التي تفخر اليوم بأنها أنقذت بلدا متوزع الأطراف متعدد القوى كأمريكا من سطوة لغة ثانية؛ هي اللغة الفرنسية؟!
والحق أقول: هو ذات المنطق الذي جعل ترامب يفخر بأن أنقذ أوروبا من التحدث بالألمانية أو اليابانية، أو الاثنتين معا!، وما هذا التخويف وذلك التفضل إلا انعكاس لمعرفة واقعية بأهمية اللغة وخطورة التنازل عنها راغمين أو راضين.
ضمن هذا السياق تسجل البحوث والدراسات والمؤلفات كثيرا من جهود مستعمرات سابقة في التخلص من أثر لغة المستعمرين على مفرداتها ضمن سياق نزع الاستعمار اللغوي (Linguistic Decolonization)، وهو ما اتفق عليه «فرانتز فانون» و«نغوجي واثيونغو» في كون استمرار لغة المستعمِر بعد الاستقلال تكريسًا للاستعمار الذهني حتى بعد زوال السيطرة السياسية، ومن أمثلة ذلك تخلص إندونيسيا من سيطرة اللغة الهولندية رغم خضوعها للاستعمار الهولندي لأكثر من 300 سنة، لكن اللغة الهولندية لم تترسخ جماهيريًّا بسبب السياسة المتبعة في اعتماد اللغة الإندونيسية (Bahasa Indonesia) لغة وطنية منذ 1928 (قبل الاستقلال)، وتهميش الهولندية فور الاستقلال (1945) مع عدم الاكتفاء بفرضها لغة إثنية مهيمنة لأنها لم تكن كذلك فعليا، بل كانت لغة تجارة وتواصل بين الجزر سعيا لبناء هوية وطنية لغوية، كما أن فيتنام في سعيها للتخلص من اللغة الفرنسية مثال رائع على سعي الدول للتخلص من سيطرة المستعمر ثقافيا وفكريا ونفسيا لتحقيق الاستقلال الحقيقي مرتبطا بالهوية المستقلة اعتزازا بمقوماتها التي تأتي اللغة في صدارتها.
ومع كل تلك المعطيات تاريخيا وفكريا وثقافيا نتساءل اليوم عن لغتنا العربية ومكانتها، عن تلبس المعاملات والمراسلات الحكومية والخاصة لغات أخرى قد تنسحب على أجيال كاملة بدعوى الانفتاح على الآخر، والتأسيس لتواصل عالمي عبر لغة واحدة.
أرجو أن لا يُفهم من قولي هذا أنني أدعو لمقاطعة اللغات العالمية المعاصرة التي يمكن فعليا أن تكون مفتاحا لكثير من النجاحات على كثير من الأصعدة، مع إقرارنا اليوم بتراجعنا عن ركب التأثير السياسي المرتبط بالنفوذ الثقافي والسلطة الفكرية، لكن كل ذلك لا ينبغي أن يسحبنا لانسلاخ ثقافي عن هويتنا المرتبطة بالعربية لغةً وطنية، لا ينبغي أن يعني اغترابا في مرايا تنازلات تبدأ باستبدال اللغة الأم بأخرى، وهي تنازلات ليست مطلوبة أصلا، لكنها انعكاس تدريجي لتسطيح الوعي بأهمية اللغة وارتباطها بالهوية الوطنية، مع ما تفخر به الأمم من استبقاء للغاتها واتساع نفوذها بها، ما أجمل أن نحفظ لهويتنا عبر اللغة شيئا من مكانتها عبر ممارسة تليق بها وبنا، ربما حينها سنشيد بذلك كما فعل الرئيس الفرنسي ماكرون تعليقا على نكتة الملك تشارلز حول الفرنسية قائلا: «لو حدث ذلك لكان الأمر رائعا».
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية