د.حكمت المصري 

تعيش أم محمد حمودة (32 عامًا)، وهي نازحة من شمال غزة اليوم مع أسرتها المكوّنة من سبعة أفراد داخل خيمة مهترئة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الليل، تقول إن طفلها وُلد في شهرها التاسع بعد ولادة شاقة كادت تودي بحياتهما معًا. 

في الخيمة، لا سرير حقيقي للرضيع، ولا حليب كافٍ، ولا دواء يخفف نوبات التشنج التي تداهمه كل حين. تمدّ الأم يدها كل صباح تتحسس رأس طفلها الصغير، وتحاول عبثًا أن تُقنع نفسها أن تأخره عن أقرانه ليس بداية إعاقة دائمة. 

تضيف: «وصلت إلى المستشفى وأنا في مخاض شديد، أختنق، ولا أستطيع التقاط نفسي». 

أخبرتني الطبيبة أن نبض الجنين يهبط بسرعة، وبدأ الجميع يركض كانوا يحاولون إنقاذه، لكن لم يكن هناك أكسجين كافٍ استخدموا أدوات تنفس بدائية، ومكثت ساعة في غرفة الولادة بدت كأنها عمر كامل، وُلد طفلي بصعوبة، ولم يبكِ فورًا، كان جسده أزرق اللون، ثم نُقل إلى الحضانة. أخبروني لاحقًا أنه تعرض لنقص أكسجين أثناء الولادة». 

اليوم، تقول الأم إن طفلها، الذي أتم شهره السادس، لا يثبت رأسه جيدًا، ويعاني من تشنجات متكررة، ويشتبه الأطباء بوجود إصابة عصبية ناتجة عن الاختناق الولادي بسبب نقص الأكسجين. 

ولا تختلف قصة سناء بدر (27 عامًا)، التي وضعت طفلتها في أحد مستشفيات الجنوب بعد رحلة نزوح طويلة من مدينة غزة، عن هذه المأساة. تعيش سناء اليوم في خيمة مكتظة قرب مركز إيواء، تتقاسمها مع عائلة شقيقتها، حيث لا خصوصية لامرأة فقدت طفلتها، ولا مساحة كافية لحزنها. تضع ثياب مولودتها الصغيرة في كيس قرب وسادتها، وتقول إنها لم تستطع التخلص منها بعد. 

**media[3372038]**

تروي: «كنت أنزف، والطبيبة تصرخ تطلب الأكسجين. كانوا ينقلون الأسطوانة بين مريضتين. رأيت الخوف في عيونهم. بعد الولادة، بقيت طفلتي في الحضانة لأنها لم تكن تتنفس جيدًا. أخبروني أن رئتيها ضعيفتان، وأنها احتاجت دعمًا تنفسيًا لم يكن متوفرًا كما يجب بعد أسبوعين اتصلوا بنا من الحضانة وأخبرونا أن الطفلة توفيت من مضاعفات إصابتها بنقص الأكسجين». 

ولا تقف المأساة عند النساء وحدهن. يقول أبو خالد شعبان (39 عامًا)، وهو أب لثلاثة أطفال فقد زوجته وطفله أثناء الولادة القيصرية في أحد مستشفيات غزة، إن حياته انقسمت إلى ما قبل تلك الليلة وما بعدها. كان قد نزح مع زوجته الحامل من شمال القطاع إلى خيمة غرب مدينة غزة، حيث عاشت زوجته أشهرها الأخيرة على وجبة واحدة يوميًا، تعاني من دوار مستمر ووهن شديد بسبب سوء التغذية ونقص الحديد. 

يقول: «كانت زوجتي في شهرها التاسع، شاحبة طوال الوقت، لا تقوى على الوقوف. 

أخبرونا أكثر من مرة أن نسبة الهيموجلوبين منخفضة جدًا، وأنها تحتاج غذاءً وعلاجًا لم يكن متوفرًا. في ليلة الولادة، تعبت فجأة، ونقلناها إلى المستشفى. 

قالوا إن الجنين في خطر ويجب إجراء عملية قيصرية عاجلة. دخلت غرفة العمليات ولم تخرج». 

يصمت قليلًا قبل أن يُكمل: «بعد أكثر من ساعة خرج طبيب ووجهه شاحب. قال إن الطفل وُلد مختنقًا بسبب نقص الأكسجين، ولم ينجُ. ثم أخبرني أن زوجتي نزفت بشدة أثناء العملية، وأن المستشفى لم يكن فيه ما يكفي من الدم ولا الأكسجين ولا الإمكانيات لإنقاذها. فقدتهما معًا في ليلة واحدة». 

منذ ذلك اليوم، يقول أبو خالد إن أطفاله الثلاثة تشتتوا بين خيام الأقارب. 

ابنته الكبرى، ذات الأعوام الثمانية، توقفت عن الكلام أيامًا طويلة، ثم بدأت تسأل كل ليلة متى ستعود أمها. أما شقيقاها الأصغر، فباتا ينامان في خيمتين مختلفتين بعد أن عجز والدهم عن رعايتهما وحده، وهو الذي يقضي نهاره متنقلًا بين طوابير الماء والخبز ومراكز الإغاثة. «لم أفقد زوجتي فقط»، يقول، «فقدت البيت، وتفرقت الأسرة، وكبر أطفالي في ليلة واحدة». 

لم يعد انقطاع الأكسجين في قطاع غزة مجرد خللٍ تقني داخل مستشفى، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لحياة آلاف المرضى، وفي مقدمتهم النساء الحوامل والأجنة الذين يبدأون معركتهم مع الحياة قبل أن يُبصروا النور. 

ومع تحذير مصادر طبية من خطر توقف محطة توليد الأكسجين الوحيدة العاملة في 

محافظتي غزة والشمال، تتصاعد المخاوف من كارثة إنسانية وشيكة، لا سيما داخل أقسام الولادة والحضانات، حيث لا يعني نقص الأكسجين مجرد تعطل جهاز، بل يعني اختناق جنين داخل رحم أمه، وتعثر ولادة، ونزيفًا لا يُسعف، وطفلًا قد ينجو بجسده لكنه يحمل إعاقة دائمة في دماغه تلازمه طوال حياته. 

المحطة، التي تُعد المصدر الأساسي لتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالأكسجين الطبي، تعاني أعطالًا متكررة بفعل الضغط الهائل وساعات التشغيل الطويلة، في ظل غياب البدائل ومنع إدخال قطع الغيار والمولدات وأنظمة الدعم الحيوي، ما يهدد بانقطاع الإمداد عن غرف العمليات والعناية المركزة وأقسام الولادة في أي لحظة. 

هذا التهديد لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بأجساد النساء المنهكة، وبأطفالٍ وُلدوا في لحظة اختناق وتم توثيق الكثير من قصصهم منذ بداية الحرب على غزة. 

من جانب آخر، تُقدّر الأمم المتحدة وجود أكثر من 50 ألف امرأة حامل في قطاع غزة، منهن أكثر من 5 آلاف سيدة يتوقع أن يلدن خلال شهر واحد. لم تعد الولادة حدثًا طبيعيًا، بل تجربة نجاة محفوفة بالموت. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 180 امرأة يلدن يوميًا في القطاع، فيما تحتاج 15% منهن إلى تدخل طبي عاجل بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة، وهي مضاعفات تصبح أكثر خطورة حين يغيب الأكسجين، أو يتأخر، أو يُقنّن على أسرّة مزدحمة بالنساء في أقسام الولادة داخل مستشفيات غزة. 

يقول الدكتور ناجي القرشلي، مدير مركز المصري الطبي للنساء والتوليد وعلاج العقم: «في غرف الولادة داخل المستشفيات، يُعد الأكسجين عنصرًا حاسمًا لإنقاذ حياة الأم والجنين معًا، خاصة في حالات تعسر الولادة، والولادة القيصرية،والنزيف، وانفصال المشيمة، وتسمم الحمل، وضيق تنفس المواليد. وعندما يتراجع تدفق الأكسجين، يبدأ الخطر فورًا. نقص الأكسجين على الجنين داخل الرحم قد يؤدي إلى تلف دماغي دائم، أو اختناق، أو وفاة صامتة، أو ولادة أطفال يعانون لاحقًا من الشلل الدماغي والتشنجات وتأخر النمو العصبي والإعاقات الحركية والذهنية». 

وأكد القرشلي أن ما يواجهه الأطباء اليوم لم يعد مجرد نقص في الأدوية، بل انهيار في أبسط مقومات الولادة الآمنة، فأجهزة مراقبة نبض الأجنة تتوقف مع انقطاع الكهرباء، وأسطوانات الأكسجين لا تكفي، وغرف العمليات تُدار تحت ضغط خانق، بينما تصل نساء في المخاض إلى مستشفيات منهكة تفتقر إلى التجهيز والتأهيل والقدرة على الاستجابة الفورية للحالات الطارئة. 

وأوضح أن هناك ارتفاعًا بنسبة 140% في حالات وفيات الأجنة أثناء الولادة، إلى جانب تصاعد غير مسبوق في العيوب الخلقية ومضاعفات حديثي الولادة، رابطًا بين هذا الواقع وسوء التغذية، وتلوث المياه، ونقص الرعاية، وانهيار الخدمات الأساسية خلال الحمل والولادة. 

ليست هذه الحالات فردية. فبحسب تقديرات أممية حديثة، فإن واحدة من كل ثلاث حالات حمل في غزة تُصنف اليوم «عالية الخطورة»، فيما يولد واحد من كل خمسة أطفال مبتسرًا أو ناقص الوزن، ويحتاج إلى رعاية متخصصة تزداد ندرة يومًا بعد آخر. 

وفي بيئة تُحاصر فيها الحياة قبل الولادة، لا يُفصل نقص الأكسجين عن بقية منظومة الانهيار: سوء تغذية حاد، فقر دم، نقص مكملات الحمل، غياب السونار، تعطل الحضانات، انقطاع الكهرباء، ومنع إدخال الأجهزة والمستهلكات الطبية. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن الحصار ومنع الإمدادات الطبية، بما فيها الأكسجين ومستلزمات الولادة، لا يهدد فقط فرص النجاة، بل يفاقم خطر العيوب الخلقية، والولادة المبكرة، ومضاعفات الأجنة والمواليد. 

**media[3372040]**

وحتى الآن، خرجت غالبية مستشفيات القطاع عن الخدمة كليًا أو جزئيًا بفعل القصف ونقص الوقود والإمدادات، فيما تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 90% من مستشفيات غزة والشمال تضررت أو دُمّرت، ولم يبقَ سوى عدد محدود يعمل بقدرة جزئية، من بينها خمسة مستشفيات فقط تقدم خدمات الولادة على مستوى القطاع: 

القدس، الحلو، جمعية أصدقاء المريض، الصحابة، ومستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني. 

هذا الانهيار لا يمكن قراءته بوصفه أثرًا جانبيًا للحرب فحسب، بل كاستهداف مباشر لحق الفلسطينيين في البقاء، عبر تفكيك منظومة الصحة الإنجابية، وإخضاع الحمل والولادة لظروف تجعل النجاة استثناءً. فحين تُمنع أسطوانات الأكسجين، وتُحتجز الحاضنات على المعابر، وتُقصف المستشفيات، وتُترك النساء يلدن في بيئة بلا دعم حيوي، فإن الأمر يتجاوز الحرمان الطبي إلى تقويض متعمد للصحة الإنجابية، ولحق الأمهات في ولادة آمنة، ولحق الأطفال في أن يولدوا بلا إعاقة كان يمكن منعها. 

في غزة، لا تموت النساء فقط تحت القصف، بل قد ينجون ليضعن أطفالًا يحملون الحرب في أدمغتهم وأجسادهم مدى الحياة. هنا، لا يبدأ الحصار عند المعابر بل عند أول نفس.