من يتحكم بالخطاب؟ ومن يقوده اليوم؟ كل فينة وأخرى تظهر توجهات وآراء وأجواء كلامية قادمة من مناخات منصات التواصل الإلكترونية، ولا يمكن بشكل من الأشكال إغفال هذه القوة الإلكترونية وهذا الانتشار لمواقع التواصل. والشركات المالكة لها تدرك ذلك جيدًا، وتدرك أن طول بقاء المستخدمين على مواقع التواصل يؤثر بالضرورة ليس فقط في آرائهم واهتماماتهم، بل حتى في نمط تفكيرهم وخياراتهم. 

حين أراد الناقد السعودي محمد العبّاس تشريح الحالة التويترية آنذاك في كتابه تويتر مسرح القسوة ٢٠٢٢ كتب: «يتحول تويتر من فضاء للالتقاء الإنساني إلى مسرح للقسوة، وللتنكيل بكل من يحاول الإبلاغ الجمالي عن أي فكرة ذات قيمة؛ إذ لا أفق للحديث بنبالة وبوعي حتى عن القضايا العادلة. ولا سبيل إلى ترويض تلك الوحوش التويترية إلا بالتحول إلى وحش». ما يذكره العباس مجرد مثال على مواقع التواصل التي تحولت إلى مصادر منتجة لخطاب العداء المتنامي، أو النبش عنه، أو بعثه حتى ولو من قبره؛ الخطاب الذي بدأ يخرج من أطر مواقع التواصل الإلكترونية إلى الفضاء العام، وبدأ بشكل من الأشكال يعيد ترتيب الموضوعات وأهميتها على إيقاعه، وتعطشه للإثارة حتى على حساب الأمن الاجتماعي والمصلحة العامة. 

إن مادة العداء والكراهية والحزازات كانت دائمًا وسيلة مبتذلة؛ ثقافة عصابات وحرامية وعراك، كما في البيت الشائع «وقد ينبت المرعى على دمن الثرى.. وتبقى حزازات النفوس كما هيا»، وهي حالة تعبّر عن قصر النظر شديد أكثر من يصاب به المهووسون بالذات والأنا المنتفخة؛ لأن ذلك يوفر لهم دافعًا داخليًا ومحركًا ووقودًا يقلب أهمية الأشياء عاليها سافلها، فيزحزح هدف الرسالة الإنسانية المتسامية التي تسعى دومًا لعدم السقوط أمام النزعات التدميرية، والعداوات البينية من أجل تحقيق غاية الوجود الإنساني كما هي صورته في المثل والمبادئ التي تشكل مادة الخيال الحلم الإنساني منذ الأزل. 

إذا كانت الخطيئة الأصلية الأولى في الميثولوجيا التأسيسية للخلق وقصة آدم وحواء في الجنة هي مخالفة وصية الله والانجرار خلف الإغواء الشيطاني فإنها تحمل شيئًا من عدوانية الأنا وتصوراتها الضيقة ووهمها بامتلاك واحتكار الأفضلية لذاتها والمتمثل في القصة بالخلود، وتلك النزعة تتجلى بوضوح أكبر في الخطيئة الثانية التي أدت لقتل الأخ، وكلا النزعتين منقادة للكراهية والعداء ضد الآخر أيًا كان الدافع أو الآخر. وهي نفسها النزعة التي سيطرت على خطاب السقوط الإنساني منذ الأزل سواء في العائلة والأسرة الواحدة، أو في المنطقة الجغرافية الواحدة أو العصر الواحد. 

في تاريخ الأدب العربي نجد مثلًا يتجلى في نقائض جرير والفرزدق، وهو عمل يعود للعصر الأموي؛ حيث نتصفح الشتم والسباب المقذع والتشهير الذي يستغرق في الوحل طاقتين شعريتين وفنيتين كبيرتين بدون معنى، أو بالأحرى بمعنى بالغ الحقارة، ليس أكثر من مجرد كسر وتحطيم الخصم، أو الانتصار للطائفة الفكرية أو السياسية إذا أخذنا بالرؤية الأوسع. كما يمكننا ملاحظة نفس المبدأ في كل المعارك الكلامية التي انتشرت في الثقافة العربية والإسلامية بين المذاهب والمدارس المختلفة، أو الأديان فيما بعد، وحتى عصرنا الحاضر حين بشرنا هنتجتون بعصر صدام الحضارات، وكل ذلك بمحصلته ليس غير استمرار نفس النزعة العدائية القديمة للذات التي تسعى لتحطيم الإنسان، والإنسانية بالتالي من داخله. 

لو نظرنا من منظور تاريخ الكراهية هذا مثلًا إلى نموذج المشروع الصهيوني المتمثل في دولة إسرائيل والمبني على العداء والكراهية منذ نشأته الغربية المستفيدة من عداء السامية، وإلى تاريخه المكون من حروب ومعارك، وحاضره القائم على صهر المهاجرين اليهود في فرن العداء والعنصرية ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين؛ سنراه أبرز نموذج لخط الكراهية، ومصيرها وخيارها المستقبلي الوحيد، ورؤيتها للعالم الذي بمقدورها الاستمرار فيه. 

ولنا أن نحسب أن توسيع نطاق الحرب مؤخرًا في الحرب الإيرانية التي لم تنته فصولها بعد إنما يخدم توسيع رقعة هذا العالم، وتفجير حالة الخلافات والعداء والكراهية المضمرة والتفتت البيني، والبحث عن مفاصلها الخفية في نفسيات الإنسان مثلما أدى صعود خطاب المذهبية والطائفية دوره في انهيار النظم والدول. 

إن الطبيعة الإنسانية واقعة دائمًا بين خيارين: بين أن نكبر على أنفسنا، وأن نصغر عليها، بين أن نتجاوز الإساءة -في ذلك الموقف البسيط- وألا نتجاوزها، بين أن نضخّم الخطأ وأن نعيده لحجمه الطبيعي. 

وقد سعت الحضارات عبر تاريخها في أزمنة الصعود إلى ردم تلك الخلافات بالسعي إلى خيار المصالحة والوحدة والاتفاق وتجاوز الإساءة ودفن الثأر، لا لشيء إلا لأن منشأ الجريمة الأساسي هو تلك النزعة التدميرية القائمة على العداء والكراهية، أي على الخيار الخطأ الذي مهما اتبعه الإنسان -الفرد أو الجماعة أو الأمة أو المنطقة... إلخ- فإن محصلته الوحيدة هي الدمار، لا تختلف نوعًا وإن زادت في الكم والحجم. 

في لحظة الصلح بين الأعداء يبحث أعداء الأمس عن وسيلة لرأب الصدع ودفن الكراهية والاغتسال من العداوة فلا يجدون أمامهم وسيلة أنسب من المصاهرة والزواج. وتلك ممارسة إنسانية وعربية شائعة منذ قديم الزمن، ولها أدلة حتى في الأثر النبوي، وكأن الزواج مضاد للعداوة، وربما كي نعرف المصل المناسب لعصور الكراهية هذه؛ فإن علينا التعرف أكثر على العناصر الفعّالة في الزواج. 

إن الزواج بوصفه اللبنة الأساسية لبناء الأسرة والعائلة يوجب الحب بالضرورة، أو على الأقل نسبة من الحب تكفي للتعايش بين الزوجين، وتلك النسبة وذلك التعايش يتنامى تدريجيًا عبر الزمن، وعبر ما ينتجه الزواج من مواليد وعلاقات اجتماعية وذاكرة مشتركة. 

الزواج نوع من تشارك الذاكرة بشكل من الأشكال، أو بالأخرى نوع من الاتفاق على تشارك الذاكرة والزمن والرزق والمستقبل، وكل ذلك يتسنى ويمكن عبر تلك النسبة الكافية من الحب، وما ينتجه الزواج هو بناء الروابط والعلاقات الجديدة أو بالأحرى الصداقة الثابتة التي لا تتزعزع تبعًا للمصالح. 

العداوة والكراهية في المقابل كأنها تحرق تلك النسبة من الحب، وتحولها ليس إلى رماد، بل إلى جمر متقد مشتعل لنار العداوة، وكأن الأمر في تجريده أمر طاقة داخلية مجردة، ويكمن الاختلاف في طريقة استخدامها لبناء الغد وزيادة روابط اليوم، أو لتدميره وتفجير المستقبل، وتسليمه للخراب. 

لو كان علينا كأمة أن نتذكر كل ثاراتنا عبر التاريخ ونحاول الانتقام لها فستطول القائمة بدءا من الغرب وانتهاءً بالأخوة وأبناء العمومة، والمحصلة ليست أكثر من دمار الآخر والذات، وللأمم الأخرى كذلك قوائم ثاراتها بالمقابل، لكن ماذا لو تمكن الإنسان المعاصر من الصعود على كل الماضي والاستفادة منه ليس للبحث عن عداوات، بل لعقد صداقات وروابط جديدة وذاكرة إنسانية مشتركة؟ لانفتح أفق حضارة إنسانية أعلى. 

إن صورة عصر الممالك العربية المتناحرة هي الصورة التي كان يتنبأ بها توماس لورنس المعروف بلورنس العرب كنتاج للثورة العربية، وهي صورة مبنية على تصوره هو للعرب بوصفهم أمة أنانية ضيقة الأفق قصيرة النظر عدوانية وعاجزة عن التعايش مع الغير، وعنصرية مثل هذه النظرة تجعلها لا تستحق عناء الالتفات أو التفكيك، لكنها تشي بعقلية صاحب «أعمدة الحكمة السبعة»، وهي النظرة الاستشراقية للإمبريالية البريطانية آنذاك التي فككها إدوارد سعيد في «الاستشراق». 

المحصلة أن من يرى أن نفسه محصورة بذاته الفردية، وينسى أن النفس الجمعية جزء من نفسه فهو واقع في هاوية الأنانية قصيرة النظر. ومن لا يبصر غير جماعته وأمته أو دولته أو مدينته فتلك هي العنصرية القاتلة، ومن المؤكد أن طريق ولادة الإنسان مختلف. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني