(1)
قرن من الزمان على صدور كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي مثّل صدوره في أبريل من العام 1926 قنبلة مدوية (أو أريد له ذلك بتوظيفه في السجال السياسي والصراع الحزبي الدائر في مصر آنذاك)، وصدّره طه حسين بإهداء دال ولافت للزعيم السياسي المصري (عبد الخالق ثروت)؛ ولا أظن أن القرن العشرين في عالمنا العربي، وتحديدًا في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، قد شهدا جدلا وصراعا حادا ومحتدما وغير مسبوق حول كتاب من الكتب أو إصدار من الإصدارات مثلما شهدا (أي القرن العشرين وتاريخ الثقافة العربية) أزمتي كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق (وقد أفردنا له حلقة خاصة من مرفأ قراءة العام الماضي)، وكتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، بفارق زمني بين الكتابين عام واحد فقط.
إذ صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» في أبريل من العام 1925، وبعده بعام واحد فقط صدر كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين (1926).
وكلاهما أُوذي وفُصل من عمله، وكلاهما تعرض لهياج شديد وحملات هجوم كادت تصل إلى الاعتداء البدني، وكلاهما تعرض لمحنة من أشد ما يُمتحن به الإنسان بسبب تعبير عن رأي أو بحث فكري أو عمل تأملي تحليلي.
وما زال إلى وقتنا هذا، ورغم مرور قرن كامل من الزمان، يثير غبار هذه المعارك وسخونتها اللافحة حساسية البعض ويصيبنا بشيء منه، ويجدد السجال بين تيارين (القدماء والمحدثين، المحافظين والمجددين، التراثيين والحداثيين.. إلخ)، يبدو أنه لا نهاية لصراعهما أبدًا ولا لسجالهما (الأقرب إلى الجدل البيزنطي منه إلى الحوار الحر الخلاق المتطور).
(2)
لكن من المهم، في سياق البحث عن هذه القضايا الكبرى في تاريخ الثقافة، وقبل عرض الأفكار والأحداث والتداعيات التاريخية والسياسية والاجتماعية المتصلة بالحدث، من المهم فيما يرى كاتب هذه السطور التوقف عند البذور البعيدة والجذور الضاربة بعمقها في التربة الثقافية والفكرية والتاريخية؛ إذ إنها تعني الكثير، كما تكشف أيضًا عن الكثير مما يغيب عن الأذهان.
فكتاب «في الشعر الجاهلي» لم يكن أول ما يعلنه طه حسين ويذيعه على الناس بشأن طريقته المحدثة في الدرس الأدبي، ولم يكن ما نشره طه حسين في الشعر الجاهلي أول ما يجابه به الناس بشأن نظريته في الانتحال واعتماده مبدأ الشك فيما وصلنا من مرويات الشعر والنثر العربي منذ الجاهلية، وحتى عصوره الإسلامية المتأخرة.
ويغيب عن الكثيرين ممن توقفوا عند «في الشعر الجاهلي» واستفزهم بعض الأسطر، أن بذوره أُلقيت في رسالته الأولى للحصول على الدكتوراه «ذكرى أبي العلاء» التي ناقشها في الجامعة المصرية الوليدة عام 1914، وصدرت في كتاب عام 1915، ثم واصل مساره في الحفر والتنقيب عن أدبنا القديم شعره ونثره، خاصة فيما يتصل بما أسماهم أو أطلق عليهم «الغزلين» في العصرين الأموي والعباسي، وهي الآراء والخلاصات التي أذاعها على الناس في «حديث الأربعاء» بجزأيه الأول والثاني.
كان ذلك كله خلال الفترة من 1915 إلى 1925؛ عشر سنوات بأكملها وطه حسين يواصل بحثه وإذاعة آرائه وقراءاته حول الأدب العربي القديم في محاضراته التي يلقيها على طلبة الآداب، وفي مقالاته التي كان ينشرها في صحف تلك الفترة، وفي الكتب التي صدرت كذلك وجمعت هذه المقالات والمواد.
(3)
عاد طه حسين من بعثته إلى فرنسا سنة 1919 مستوعبًا فكرًا محدثًا يواجه الجهل بالعلم، والنقل بالعقل، والتقليد بالاجتهاد.
وبقدر ما تأثر بالتقدم الحضاري، واستوعب التيارات الفكرية والإبداعية الرائدة، تأثر بالتيار العقلاني الذي يحتل ديكارت فيه مكانة لافتة. والتيار العقلاني يعني القول بأولوية العقل، وقدرته الذاتية على إدراك الحقيقة، كما يعني تفسير المبادئ التي تصدر عنها الأشياء تفسيرًا سببيًا يقبله الفكر الذي يعمل العقل في كل شيء.
وأول خطوة تخطوها النزعة العقلانية لهذا التيار هي إثبات وجودها بنفي نقائضها، ومن ثم القضاء على تميز القديم على الجديد لمجرد الإيمان بأفضلية الماضي على نحو مطلق، والقضاء على مبدأ القداسة الجامد الذي يحرم البحث في بعض جوانب التراث، وإعادة النظر في كل ما هو قائم من مناهج، وإطلاق مبدأ «الشك» الذي يضع كل شيء موضع المساءلة.
ويلزم عن ذلك كله تأكيد حتمية الحرية في الدرس الأدبي، لسبب بسيط هو أنه لا وجود لنزعة عقلانية دون حرية الفكر، ولا وجود لدرس أدبي حقيقي، أصيل، من غير تحرر من القيود. ولذلك قال طه حسين قولته المشهورة: «الأدب في حاجة إلى الحرية.. في حاجة إلى ألا يعتبر علمًا دينيًا ولا وسيلة. وهو في حاجة إلى أن يتحرر من التقديس. هو في حاجة إلى أن يكون كغيره من العلوم قادرًا على أن يخضع للبحث والتحليل والشك والرفض والإنكار، لأن هذه الأشياء كلها هي الأشياء الخصبة حقًا».
وقد طبق طه حسين فكره العقلاني على التراث العربي، فبدأ في دراسة الشعر العربي من منظور العقلانية السببية التي تصل الإبداع بشروطه الدافعة إليه، وتجعل منه استجابة فردية لثلاثية الزمان والمكان والمجموعة البشرية.
ولم يكن ذلك بعيدًا عن مبدأ الشك الديكارتي الذي استعان به في مناقشة كل ما يتصل بالشعر العربي القديم.
(4)
كانت نقطة البداية في ذلك إعادة النظر في قضية الخصومة بين القدماء والمحدثين. وهي قضية قديمة وحديثة في آن. قديمة لأنها تدور حول الاستجابات المتعارضة لشعر القرن الثاني للهجرة، وحديثة لأنها تحاول أن تعالج انقسام الحياة الثقافية في مصر من منظور الاستجابات المتعارضة للتحديث والحداثة.
ولذلك كان أول ما كتبه طه حسين عن الشعر العربي هو دراساته عن العصر العباسي في جريدة «السياسة» في الفترة ما بين ديسمبر 1922 وفبراير 1924. وأهم ما في هذه الدراسات الشك في الصورة التقليدية للعصر العباسي الأول، وإثبات أن هذا العصر كان عصر شك ومجون إلى جانب كونه عصر جد وعلم. وقد أحدثت هذه الدراسات ردود أفعال معارضة، وأثارت ثائرة المحافظين. لكنها دفعت طه حسين إلى اتخاذ خطوة أبعد، وهي الشك في وجود بعض الشعراء القدماء.
وبالفعل، كتب طه حسين في جريدة «السياسة» في أواخر سنة 1924 مقالاته عن شعراء الغزل في العصر الإسلامي، من أمثال مجنون ليلى الذي شك طه حسين في وجوده. وبقدر ما أثارت هذه المقالات من ردود أفعال غاضبة، فإنها أضاءت لطه حسين فكرته الأساسية عن الانتحال، وزودته بجرأة على المضي في تطبيق مبدأ الشك إلى ذروته. وكان من نتيجة ذلك كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي أصدره عام 1926.
وهو الكتاب الذي انتهى فيه طه حسين إلى الشك في وجود هذا الشعر كله، أو على الأقل أغلب هذا الشعر، لأسباب بسطها في الكتاب. ويعني ذلك أن كتاب «في الشعر الجاهلي» ـ على عكس ما يعرفه الكثيرون ـ يمثل ذروة تطبيق مبادئ النزعة العقلانية التي بدأت بالشك في صورة العصر العباسي عام 1922، ثم تصاعدت إلى الشك في وجود بعض شعراء الغزل العذري عام 1924، ثم وصلت إلى الذروة التي انتهت بالشك في وجود الشعر الجاهلي نفسه عام 1926.