ليست القنابل الغازية التي يطلقها جيش الاحتلال وحدها من تسيل دموع الفلسطينيين، بل إن قصص وحكايات الشهداء، كافية لكي تنفجر دموعهم من مآقيها.


في القرى الشرقية لمدينة رام الله، دير دبوان، دير جرير، كفر مالك، أبو فلاح، ترمسعيا، سنجل، المزرعة الشرقية، وغيرها، لا تدور عجلة الحياة كما يتخيل البعض هذه القرى الوادعة والجميلة، وذلك التزواج المعماري الماثل فيها بين الأثري والجديد.. هنا لا تشرق الشمس على صباحات عادية، بل بحسابات تستشعر الخطر حتى قبل وقوعه، تصحو على سؤال قوامه: هل ستمرّ ليلتنا على خير؟.. وهل ننام هذه الليلة بهدوء؟.. وهل تصبح منازلنا وممتلكاتنا كما هي من دون أن تطالها أيدي المستوطنين العابثين؟.
هذه ليست مبالغات في توصيف المشهد، كما يروي مواطنون في هذه القرى، وإنما تفاصيل يوميات صعبة، ورواية لواقع قاس تمارس فيه عصابات المستوطنين، المحروسة من جيش الاحتلال، هجماتها المنفلتة، كجزء من روتين يومي، تعيشه هذه القرى.


تلعب مستوطنة "عوفرا" الجاثمة على أراضي قرى عدّة شرقي مدينة رام الله، دوراً محورياً في انطلاق هجمات المستوطنين على هذه القرى، وكذلك معسكر "جبل العاصور" وهو من أعلى القمم في فلسطين، وتسيطر عليه قوات الاحتلال، يلعب دوراً هاماً في انطلاق جيش الاحتلال نحو الاقتحامات والعبث بدماء الشبان الفلسطينيين في تلك القرى.
أي وجع؟
في الأيام الأخيرة، استشهد الشاب عودة عواودة (25) عاماً، في دير دبوان، تاركاً خلفه التوأم آية وقمر، وكان رزق بهما قبل شهرين فقط، وسبقه في قرية المغيّر الشهيد جهاد أبو نعيم (35) عاماً، الذي كان ينتظر طفلته الأولى، بعد 15 عاماً من الشوق والرجاء، إذ كانت زوجته في شهرها الأخير!.


آية وقمر، كانتا قبل شهرين فقط، تضحكان وتلعبان في حضن والدهما، فإذا برصاص الاحتلال المدجج بالكراهية لكل ما هو فلسطيني، يحيلهما إلى حكاية يُتم مبكّر، وجرح لا يندمل، ووجع لا يُحتمل، بينما طفلة جهاد، ستفتح عينيها على وجه كالح للاحتلال، الذي غيّب عنها وجه أبيها قبل أن تراه، أو تحتضنه ولو لمرة واحدة، إذ ستولد على غيابه.. ربما سترى صوره المعلقة على الجدران، لتخاطبها يوماً.


أي وجع هذا؟.. شهيد يترك طفلتين، سينادين يوماً بكلمة "بابا" فلا يجيب، وآخر يمضي حتى قبل أن يسمعها.. وهذه ليست أخبار تقليدية عن استشهاد مواطن في هذه القرية أو تلك، بل هو انكسار لعائلتين، ويتم مضاعف للأطفال، وسرقة للأحلام.. حلم أب كان سيكبر مع توأمه، وحلم آخر كان يمني النفس بأن يحمل طفلته الأولى بعد انتظار العمر.
ما أقسى هذا الوجع، كأن الشهادة في دير دبوان والمغيّر لم تطرق باب العواودة وأبو نعيم فقط، بل دخلت بيتي عائلتين دفعة واحدة، في واحد لعبتين صغيرتين ستبحثان عن حضن، وآخر ترك مهداً ينتظر أباً لن يعود.. لقد أصبح لآية وقمر، قمر في السماء، بدلاً من ظل فوقهما، بينما سبق جهاد طفلته إلى الخلود.


وداع مرّ
إنها حكايات مسيلة للدموع، كما يروي مواطنون، أب خُطف من طفلتيه، وآخر انتُزع من طفلة لم ترى النور بعد، فرصاص القناص الإسرائيلي هنا، لم يقتل شابين فقط، بل استهدف الأبوة والطفولة.


لم يكن عابراً مشهد وداع الرضيعتين آية وقمر لوالدهما الشهيد، وهما يتلفعان الكوفية الفلسطينية، إذ حمل بين ثناياه لحظات كانت مبللة بالدموع، وتختصر وجعاً حديثاً سيظل ينبض في تفاصيله، ولن يهدأ.. طفلتان بريئتان بملامح ساكنة، لكنها تخفي خلف هذا السكون ألم فقد بدأ للتو، وغياب ما زالت آثاره طازجة في القلب والذاكرة.


وأكثر ما كان مؤلماً بالنسبة لأهالي دير دبوان، أن الشهيد العواودة رحل أن يكتمل مشهد الطفولة في حضنه، لينمو ويكبر، أما آية وقمر، فبدا في عينيهما سؤال لا يُقال، وفي صمتهما حكاية فقد حديث، لا تعلمان كيف سيستقر، لكنه بدأ يعلمهما الحياة بمعناها القاسي مبكراً.. هما ليستا مجرد طفلتين في صورة مؤثرة، وإنما أثر لرحيل قريب، وبداية ذاكرة راحت تسرد حكاية اليتم بمداد من ألم، وامتداد لاسم غاب جسده، وبقي صداه حياً في تعابير وجهيهما.


في قرى شرق رام الله، يرحل شبان في مقتبل العمر، وهم يدافعون بتلقائية عن أنفسهم وأهاليهم وأراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم وقراهم، لكنهم يواجهون بالقتل العمد.. هؤلاء وغيرهم من عموم القرى والمخيمات الفلسطينية، يضيئون بشجاعتهم دروب الحرية لأبناء شعبهم، ويقاومون ما تتعرض له قراهم، ضمن مخططات الاحتلال الرامية إلى استباحة الأرض الفلسطينية، وشطب الحقوق وتهديد الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، في امتداد لحرب الإبادة والتهجير التي مارسها الكيان الإسرائيلي في قطاع غزة، بهدف لا يخرج عن تصفية القضية الفلسطينية.