باريس"أ.ف.ب ":حذّرت منظمة "مراسلون بلا حدود" في تصنيفها السنوي الصادر اليوم الخميس من أنّ حرية الصحافة في العالم بلغت أدنى مستوى لها منذ ربع قرن، مشيرة إلى تراجع عام، بدءا من الولايات المتحدة حيث تُستهدف الصحافة بشكل "ممنهج".


وفي تقريرها السنوي الذي يرصد مؤشرها العالمي لحرية الصحافة لعام 2026،وقالت المنظمة التي تعتمد مقياسا من خمسة مستويات من "خطير جدا" إلى "جيد"، "للمرة الأولى في تاريخ هذا التصنيف السنوي الذي بدأ وضعه عام 2002، بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه صعب أو خطير، بينما كانت هذه المنطقة تقتصر عام 2002 على أقلية ضئيلة (13,7%)".


ولاحظت "مراسلون بلا حدود" أن نسبة "سكان العالم الذين يعيشون في بلدان حيث يُعتبر وضع الصحافة جيدا " انخفض من 20 %عام 2002 إلى أقل من 1%.
وتندرج في هذه الفئة سبعة بلدان فحسب من شمال أوروبا، تتقدّمها النروج. واحتلت فرنسا المرتبة الخامسة والعشرين ضمن فئة "حالة جيدة نوعا ما".
وقالت المنظمة "للمرة الأولى منذ ربع قرن، لم يسبق أن هبط متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم إلى هذا الحد من التدني".


أما الولايات المتحدة التي كان تصنيفها انخفض أصلا من "حالة جيدة نوعا ما" إلى "حالة إشكالية" عام 2024، أي في سنة إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا، فتراجعت سبعة مراكز لتحتل المرتبة الرابعة والستين.


ورأى التقرير أن "ترامب جعل من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين ممارسة ممنهجة"، مشيرا أيضا إلى احتجاز وترحيل الصحافي السلفادوري ماريو جيفارا الذي كان يندد بتوقيف المهاجرين. كذلك أبرز التصنيف "التخفيض الجذري في عدد موظفي الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على المستوى الدولي، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها".


- ضغوط متعددة -
وقالت مديرة التحرير في منظمة "مراسلون بلا حدود" آن بوكاندي لوكالة فرانس برس إنّ "الهجمات على الصحافيين تتغير. ما زال هناك صحافيون يُقتلون، وما زال هناك صحافيون في السجون، لكن الضغوط أصبحت أيضا اقتصادية وسياسية وقانونية".
وبينما يُعزى هذا التراجع إلى النزاعات المسلحة، أشارت المنظمة أيضا إلى تشدّد الأنظمة السياسية في السنوات الأخيرة.


وأشارت إلى تراجع السلفادور (المرتبة 143) 105 مراكز منذ عام 2014 وبداية الحرب ضد العصابات، وجورجيا (المرتبة 135) 75 مركزا منذ عام 2020 بسبب "تسارع وتيرة القمع في السنوات الأخيرة".


أما أكبر تراجع على مستوى تصنيف عام 2026، فقد سُجل في النيجر (المرتبة 120)، التي تُجسد بحسب المنظمة "تدهور حرية الصحافة في منطقة الساحل منذ سنوات عدة"، بين "الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة من جهة والقمع الذي تفرضه مختلف المجالس العسكرية المتعاقبة على سدة الحُكم من جهة ثانية".


وقالت بوكاندي "كانت بعض الدول في الطليعة في مجال حرية الصحافة، لكنها تدهورت بشكل عميق مع وصول أنظمة عسكرية إلى الحكم، كما هي الحال في مالي (المرتبة 121) أو بوركينا فاسو (المرتبة 110)".
ويأتي في أسفل الترتيب أيضا كل من روسيا والصين وإريتريا وكوريا الشمالية.


- الدعاوى الكيدية -
من بين المؤشرات الخمسة التي تعتمدها المنظمة لتقيس حالة حرية الصحافة في العالم (الاقتصادية والقانونية والأمنية والسياسية والاجتماعية)، يُعدّ المؤشر القانوني الأكثر انخفاضا هذا العام.


وقالت بوكاندي "إن قوانين الأمن القومي، كقوانين مكافحة الإرهاب أو تلك التي تحمي أسرار الأمن القومي، تُقيّد نطاق العمل الصحافي بشكل متزايد"، مضيفة ان "روسيا في الطليعة، لكنّ التأثير ملموس أيضا في الدول الديمقراطية".


وأشار تقرير المنظمة أيضا إلى "ارتفاع وتيرة الدعاوى القضائية الكيدية"، أي الدعاوى المتعلقة بالتشهير أو الإساءة الاقتصادية أو نشر أخبار كاذبة، والتي تهدف إلى ترهيب الصحافيين.


وتجلّت هذه الظاهرة العالمية في جواتيمالا من خلال قضية مؤسس صحيفة "إل بيريوديكو" خوسيه روبين زامورا، الذي حُكم عليه بالسجن لسنوات كثيرة بعد تحقيقاته في قضايا فساد سياسي. لكن منظمة "مراسلون بلا حدود" نددت أيضا بهذا التوجه في فرنسا في دراسة حديثة عن وسائل الإعلام المحلية.
ولفتت بوكاندي إلى أن "القوانين تُجرّم الصحافيين بشكل متزايد، في حين يُفترض أن تحميهم"، مشيرة إلى "أدوات" يمكن اللجوء إليها، منها قانون المفوضية الأوروبية بشأن حرية الإعلام الذي دخل حيز التنفيذ عام 2025، والتوجيه الأوروبي ضد الدعاوى الكيدية.


-إساءات عبر الإنترنت-
وتوقفت "مراسلون بلا حدود" عند تزايد العدائية لبيئة العمل الصحفي في ألمانيا، رغم تصنيفها ضمن الدول ذات الوضع "المُرْضي". وأشارت إلى أن الصحفيين هناك يواجهون إساءات عبر الإنترنت وتهديدات وحملات تشهير وتزايد انعدام الثقة، محذّرة من أن من يغطون قضايا حساسة، مثل الأوساط اليمينية المتطرفة أو حرب غزة، يتعرضون لضغوط متزايدة ونقاشات حادة ومخاوف من الاستهداف العلني.


وأكدت "مراسلون بلا حدود" أن حرية الصحافة لا تتدهور فحسب، بل إن "الصحافة نفسها تحتضر"، مختنقة بخطاب سياسي معاد للصحفيين، وببيئة عمل تتزايد عدائيتها في مختلف أنحاء العالم. وأشارت المنظمة إلى أن الصحفيين لا يزالون يُقتلون أو يُسجنون بسبب عملهم، في سياقات تتداخل فيها سياسات الأمن القومي مع حملات التشويه والتهديد والاستهداف الممنهج.


وفي هذا السياق، لفتت المنظمة إلى أن أكثر من 220 صحفيا استشهدوا في غزة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ 2023، من بينهم ما لا يقل عن 70 صحفيا أثناء تأديتهم لعملهم، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ العمل الصحفي المعاصر.


-المنطقة الحمراء -
ويقيّم مؤشر حرية الصحافة الذي تعدّه "مراسلون بلا حدود" أوضاع 180 دولة وإقليما حول العالم وبناء على مجموعة من المعايير، تشمل السلامة والسياق السياسي والإطار القانوني، إلى جانب الظروف الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة على حرية الإعلام. وتقول المنظمة إن الاتجاه العام للعام 2026 يكشف عن عالم تزداد فيه "المنطقة الحمراء" اتساعا، فيما تتقلص المساحات الآمنة التي يستطيع الصحفيون فيها ممارسة عملهم دون خوف من القمع أو العنف أو الملاحقة القانونية.