الأم كائن عظيم في حياة العائلة، فلا تزال قصص التضحيات الكبرى تُروى، والمشاهد البطولية تتكرر، وتتعاقب صور العطاء في كل بيت وزمان، فمن منا لا يذكر أن "كذبة" أم واجفة على طفلها الصغير غيرت مجرى حياته بالكامل، ومن لا يتذكر أو سمع بقصة "توماس أديسون" الذي وُصف بأنه الرجل الذي أضاء العالم بعد اختراعه الكهربائي، كما اشتهر بلقب "صاحب الألف اختراع"، ليعلو صوته كرابع أكثر المخترعين إنتاجًا في التاريخ، لتكون "الأم" هي بطلة قصة نجاحه، وحاضرة في تفاصيله الأولى، ومؤثرة في ملامح مستقبله، وصانعة لفارقٍ لم يكن ليتحقق لولا بصيرتها وحكمتها.
تبدأ تفاصيل حياته – كما تم روايتها في مصادر كثيرة – عندما عاد هذا الطفل الصغير من المدرسة وأعطى أمه ورقة صغيرة من المدرسة، قال لها: يا أمي، لقد أعطتني المدرسة هذه الورقة الصغيرة، فما محتوى هذه الورقة يا أمي؟ لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت فاصلة في مسار حياة كامل، ومفتاحًا لتحول كبير.
امتلأت عيونها بالدموع وهي تنظر إلى عيون ابنها المترقبة، وقالت له – عكس ما كُتب في الورقة – يقولون يا بني: "ابنك عبقري، هذه المدرسة متواضعة جدًا بالنسبة له.. من فضلك، علّميه في المنزل"، هذه الكذبة التي غيرت حياة ذلك الطفل، والتي كانت في حقيقتها صدقًا في الرؤية وصدقًا في الإيمان بقدراته، ظلت البشرية جمعاء مدينة لها حتى يومنا هذا، إذ لم تكن مجرد كلمات، بل كانت موقفًا تربويًا عظيمًا جسّد دور الأم في صناعة الأمل.
لم يكتشف أديسون حقيقة فحوى الرسالة إلا بعد وفاة أمه بفترة، فبعد أن وجدها قرأها وهو يبكي، وكان مضمونها الحقيقي: "ابنك مريض عقليًا ولا يمكننا السماح له بالذهاب إلى المدرسة بعد الآن". تأثر أديسون بما فعلته والدته تأثرًا عميقًا، فكتب في مذكراته: "توماس ألفا أديسون كان طفلًا مريضًا عقليًا، ولكن بفضل أمه البطلة أصبح عبقري القرن"، لتبقى هذه الكلمات شاهدًا خالدًا على أثر الأم، ودليلًا حيًا على أن الإيمان بالإنسان قد يصنع منه ما يعجز عنه العالم.
وغير أم أديسون، هناك ملايين الأمهات في العالم ضربن أمثلة مماثلة على أن الأم تظل عظيمة، ليس فقط بعطائها الممتد طول الحياة، وإنما أيضًا بحكمتها وقدرتها على "صنع الرجال والنساء العظماء"، وبقدرتها على غرس الثقة، وتوجيه المسار، وصناعة الفارق في اللحظات الحاسمة التي لا يدرك أثرها إلا مع مرور الزمن.
يقول جبران خليل جبران: "الأم هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنوّ والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدرًا يسند إليه رأسه، ويدًا تباركه وعينًا تحرسه"، وهي كلمات تختصر مكانة الأم، وتعبر عن عمق حضورها في وجدان الإنسان، ودورها الذي لا يمكن تعويضه أو استبداله.
النماذج النسائية، وإن تعددت في أعمالها الجليلة وتضحياتها الجسام، فإن الأم ستظل عبر التاريخ والزمن رمزًا خالدًا في ذاكرة الشعوب والأمم، فالأم هي مصنع للأجيال المتعاقبة، والعرين الذي يخرج من خدره الأبطال لميادين الحياة، وهي المدرسة الأولى، والمصدر الأول للقيم، والمرتكز الذي تُبنى عليه شخصيات الأبناء وتتشكل من خلاله ملامح المستقبل.
من النصائح المهمة التي علمتنا إياها الحياة: "اخسر ما شئت من البشر.. لكن إياك أن تخسر قلبًا حاول بكل استطاعته أن يفعل الكثير ليسعدك..! فهناك قلوب لا تعوض أبدًا كقلب الأم، لن تجد له مثيلًا آخر بين البشر!"، وهي حكمة تختزل تجربة إنسانية عميقة، وتؤكد أن الأم ليست مجرد فرد في العائلة، بل هي قلبها النابض وروحها الحاضرة.
الاستنجاد بالأم ليس في حياتها فقط، ولكن ربما أبلغ من شكى همه لله وأمه هو عملاق الكتابة الروسية "فيودور دوستويفسكي"، الذي ذكر أمه بحزن شديد قائلًا: "أمّاه، ليتكِ تستطيعين أن تخرجي من قبركِ فتعرفي وتري ما فعلوه بي"، في صورة مؤثرة تعكس عمق الارتباط، واستمرار الحاجة إلى الأم حتى بعد رحيلها.
وغير دوستويفسكي، هناك الملايين حول العالم يتمنون ألا يتخطف الموت أمهاتهم، وأن لا يرحلن أبدًا من أمام عيونهم، ومع الغياب يظل الإنسان يتمنى ثانية أن تعود به الأيام ليسمع صوت أمه حاضرًا في البيت، وأن يراها تختال فرحًا بقدومه، فما أقساه من زمن تتغير فيه الأشياء بغياب الأم عن المكان والزمان! إن الفقد هنا لا يُقاس، والفراغ لا يُملأ، والحنين لا يخبو.
خطوات أمهاتنا وآبائنا هي درب الحياة الذي نمشي عليه، فقلة قليلة هم أولئك الأولاد الذين يزرعون ورودًا على جانبي الطريق المؤدي إلى قبور أمهاتهم وآبائهم، لا ينقطعون عن الذهاب إلى تلك الأماكن التي تذكرهم بفضلهم وعطائهم الذي جعل منهم أشخاصًا رائعين في الحياة، وهو وفاء لا يوازي العطاء، لكنه يبقى محاولة إنسانية لاستحضار الجميل، والاعتراف بالفضل، واستمرار الصلة حتى بعد الرحيل.