منذ أيام قليلة، كان موعد الزيارة المعتاد لإحدى العيادات الصحية التي تهتم بمعالجة مرضى الأمراض المزمنة، وقد أصبح المشهد أكثر سهولة وتنظيمًا بعد أن تبنّت وزارة الصحة أسلوبًا تنظيميًا مميزًا، يتمثل في إلزام جميع المرضى بالموعد المحدد باليوم والساعة، بحيث لا يُسمح للمريض بالتسجيل إلا قبل موعد مقابلته للطبيب بنصف ساعة، وهذا الإجراء خفّف عن المرضى ساعات الانتظار، كما وفّر لهم مساحات فارغة في مواقف السيارات.


في العيادة، لم يكن المشهد مختلفًا عن كل مرة، لكنه واقع ينبغي أن يتغير، خاصة عند فئة الشباب الذين لم يتجاوز بعضهم العقد الثالث أو الرابع، ويعاني من مرض "القدم السكري"، وبعضهم قد تم استئصال إحدى قدميه أو كلتيهما بسبب مضاعفات مرض السكري!.


في قاعة الانتظار، كانت الأرقام تتغير، وكل بضع دقائق يدخل مريض إلى إحدى غرف العلاج، وكنت أتساءل في نفسي: ما الذي أوصل هؤلاء الشباب الصغار إلى هذه النتيجة؟ لم أستقر على إجابة واحدة، لكنني لم أشأ أن أدخل نفسي في دوامة التكهنات ووضع المزيد من الاحتمالات حتى لا أشعر بالحزن أكثر مما أشعر به وأنا أنظر إلى وجوههم المتألمة من المرض.


نظرتُ إلى الشاشة، فتبين لي أن دوري قد حان لمقابلة الطبيب المعالج. ومنذ الوهلة الأولى، استقبلني بابتسامة بشوشة وروح ودودة تعكس سِمات الأطباء المخلصين. دار بيننا حديث حول نتائج الفحوصات المخبرية السابقة، حيث طمأنني بأن حالتي تسير نحو الأفضل. ثم انتقلتُ للحديث عمّا لفت انتباهي من حالات بعض الشباب في قاعة الانتظار، مشيرًا إلى ما آلوا إليه من نتائج مؤلمة ومحزنة.


تحدث الطبيب عن حالتهم، وذكر عددًا من الأسباب والنتائج، وأشعرني بالمسؤولية تجاه نفسي، ونصحني بالاستمرار على العلاج والاهتمام بجميع الإجراءات الوقائية، وتطرّق في حديثه إلى التهديدات المرضية والمضاعفات التي يُحدِثها هذا المرض المزمن في حال مخالفة التعليمات وإهمال الوقاية من المضاعفات.
وبعد وقت ليس بالطويل، خرجت وأنا أفكر في المبررات التي تدفع البعض إلى إهمال نفسه وتعريض حياته للخطر، أفلا يفكر في أسرته، ثم في حياتهم ومستقبلهم؟ إذا كان قد ألغى من ذهنه الاهتمام بصحته!.


بعض الزملاء قال: إن الضغوطات التي يتعرض لها البعض هي سبب رئيس في إهمال الصحة، كما أن كثرة الحوادث المؤلمة التي يمر بها البعض تكون سببًا آخر لظهور هذه المشكلة، ومع ذلك لم أقتنع بما قيل من أسباب، فليس المرض هو الذي يستهدف الشخص المضغوط نفسيًا، وليست الحوادث المؤلمة من تنتقي البشر دون سواهم، فالكل يحمل في داخله الكثير من الشجن والتعب، لكنه لا يصلح خطأً بخطأ آخر!.


كثيرٌ من الناس يحملون في دواخلهم أوجاعًا كبيرة، ومع ذلك ينهضون بواجباتهم تجاه أنفسهم ومن حولهم، محافظين على صمودهم لفترات طويلة دون أن ينكسروا أو ينعكس ذلك سلبًا على حياة من معهم.
وهذا ما يثبته قول الشاعر حينما يقول:
كم باسمٍ والحزن يملأ قلبه
والناس تحسب أنه مسرور
وتراه في جبر الخواطر ساعيًا
وفؤاده متصدع مكسور
إذن لكل منا أوجاعه النفسية والجسدية ومشاكله الاجتماعية، وهذا بدوره لا يلغي أهمية المحافظة على الروح؛ فالألم الذي يحس به المريض لا يشعر به الآخرون.
فكما يقول الشاعر كريم العراقي:
إن الجراح إذا خبأتها شُفيت
فاكتم جراحك لا تخبر بها أحدًا
كم من جريحٍ شكا للناس لوعته
فزاده الناس همًا فوق ما وجدا
لا تُظهر الجرح إلا في مناجاةٍ
في جوف ليلٍ لربٍ واحدٍ صمدُ
فإن ربك إن ناجيته شُفيت
كل الجراح وزال الغم والكمدُ
إذن نحن أمام ظاهرة باتت مألوفة يوميًا، نراها في العيادات وبيئات العمل وحتى في أماكن السكن؛ حيث يهمل بعض الأشخاص صحتهم إلى حدّ يفقدون معه استقرارهم الصحي والنفسي، نتيجة إهمال قد يكون أحيانًا متعمدًا، وهو أمر مؤسف ومؤلم للغاية.


ويستدعي هذا الواقع وقفة جادة لمراجعة السلوكيات الصحية وتعزيز الوعي بأهمية الوقاية والالتزام بالعلاج، فالصحة ليست شأنًا فرديًا فحسب، بل مسؤولية تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع بأكمله.